ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔ

وأَما أمر القبلة فإنما بني على الاجتهاد والقصد، دون إصابة عينها. واللَّه أعلم.
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ عَلِيمٌ).
قيل: الواسع: الغني.
وقيل: الواسع: الجواد، حيث جاد عليهم بقبول ما ابتغوا به وجه اللَّه، وحيث وسع عليهم أَمر القبلة.
(عَلِيمٌ) بما قصدوا ونَوَوْا.
* * *
قوله تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)
وقوله (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ).
فيه تنزيه، نزه به نفسه عما قالوا فيه بما لا يليق، ورد عليهم.
ومعناه - واللَّه أعلم -: أَنَّ اتخاذ الولد، والتبني -في الشاهد- إنما يكون لأَحد وجوه ثلاثة تحوجه إلى ذلك:
إما لشهوات تغلبه؛ فيقضيها به.
وإما لوحشة تأْخذه؛ فيحتاج إلى من يستأْنس به.
أَو لدفع عدو يقهره؛ فيحتاج إلى من يستنصر به ويستغيث.
فإذا كان اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - يتعالى عن أَن تمسه حاجة، أَو تأْخذه وحشة، أَو يقهره عدو، فلأَي شيء يتخذ ولدًا؟!.
وقوله: (بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
رد على ما قالوا: بأن من ملك السماوات وما فيها، وملك الأَرض وما فيها - لا تمسه حاجة، ولا يقهره عدو؛ إذ كل ذلك ملك له، يجري فيهم تقديره، ويمضي عليهم أَمره وتدبيره، وإنما يرغب إلى مثله إذا اعترض له شيء مما ذكرنا، تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوا كبيرًا.
فإن عورض بالخلة، قيل: إِن الخلة تقع على غير جوهرِ مَنْ منه الخلة، والولدُ لا

صفحة رقم 546

يكون إلا من جوهره، وإلى هذا يذهب الحسن.
والثاني: أَن الخلة تقع لأَفعال تكتسب، وتسبق منه، فيعلو أَمره، وترتفع مرتبته؛ فيستوجب بذلك الخلة بمعنى الجزاء، وأَما الولد فإنه لا يقع عن أفعال تكتسب، بل بدو ما به استحقاقه يكون من مولده. وقد نفى عن نفسه ما به يكون بقوله: (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ).
والثالث: ما قاله الراوندي: أَنه لا بد من أَن يدعى إلى التسمي، أَو إلى التحقيق؛ إذ في الخلة تحقيق ما به يسمى.
ثم لم يحتمل في هذا تحقيق ما به يسمى، والاسم لم يرد به الإذن، وباللَّه التوفيق.
ويحتمل قوله: (بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) وجهًا آخر، وهو أَن يقال: إن ما في السماوات وما في الأَرض، كلهم عبيده وإماؤه، فأَنتم مع شدة حاجتكم إلى الأَولاد لا تستحسنون أَن تتخذوا عبيدكم وإِماءكم أولادًا، فكيف تستحسنون ذلك لله - عَزَّ وَجَلَّ - وتنسبون إليه مع غناه عنه؟ وباللَّه التوفيق.
وقوله: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ).
قيل فيه بوجوه:
قيل: إن كل من في السماوات والأرض من الملائكة، وعيسى، وعُزير، وغيرهم -من الذين قلتم: إنه اتخذهم ولدًا- قانتون له، مُقِرون بالربوبية له، والعبودية لأَنفسهم له.
وقيل: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ): مطيعون؛ أي: كلهم مطيعون متواضعون.
وقيل: القانت: هو القائم، لكن القائم على وجهين: يكون القائم المنتصب على الأَقدام، ويكون القائم بالأَمر والحفظ.
ثم لا يحتمل أَن يراد بالقانت هاهنا: المنتصب بالقدم؛ فرجع إلى الطاعة له وحفظ ما عليه، وهو كقوله: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ)، من الحفظ والرزق.
ويحتمل: تنزيه الخلقة؛ لأَن خلقة كل أحد تنزه ربه عن جميع ما يقولون فيه.
أَو أَن يقال: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) في الجملة؛ كقوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ).

صفحة رقم 547

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية