( ١١٨ ) وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية، كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم. قد بينا الآيات لقوم يوقنون ( ١١٩ ) إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم ( ١٢٠ ) ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير .
قلنا إن السياق قد انتقل من الكلام في بني إسرائيل تجاه القرآن ودعوة الإسلام ورسوله إلى الكلام في شؤون المؤمنين معهم ومع النصارى والوثنيين. وشيخنا لا يزال يجعل السياق واحدا غير ملتفت في التناسب بين الآيات على هذا التفصيل لذلك المجمل، وقد قال هنا ما مثاله :
الكلام لا يزال في القرآن، وما كان من أمر الناس في الإيمان به وعدم الإيمان ذكر في الآيات المتقدمة آنفا من شأن أهل الكتاب ما تبين به أن عدم إيمانهم بالنبي وما جاء به غير قادح فيه، ولا ينهض شبهة عليه، وأن مطاعنهم فيه متهافتة منقوضة بطعنهم في أنفسهم، وتخبطهم في أمر كتبهم.
ثم قال تعالى إنا أرسلناك بالحق أي بالشيء الثابت المتحقق الذي لا يضل من يأخذ به ولا تعبث به رياح الأباطيل والأوهام، بل يكون الآخذ به سعيدا بالطمأنينة واليقين. قال الأستاذ الإمام : إن الحق في هذا المقام يشمل العلوم الاعتقادية وغيرها، فهو يقول : إن أرسلناك بالعقائد الحق المطابقة للواقع، والشرائع الصحيحة الموصلة إلى سعادة الدنيا والآخر بشيرا لمن يتبع الحق بالسعادتين ونذيرا لمن لا يأخذ به بشقاء الدنيا وخزي الآخرة ولا تسأل عن أصحاب الجحيم أي فلا يضرك تكذيب المكذبين الذين يساقون بجحودهم إلى الجحيم لأنك لم تبعث ملزما لهم ولا جبارا عليهم فيعد عدم إيمانهم تقصيرا منك تسأل عنه، بل بعثت معلما وهاديا بالبيان والدعوة، وحسن الأسوة، لا هاديا بالفعل ولا ملزما بالقوة، ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وفي الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم لئلا يضيق صدره كما تدل على ذلك آيات أخرى.
وفي الآية من العبرة أن الأنبياء بعثوا معلمين لا مسيطرين، ولا متصرفين في الأنفس ولا مكرهين، فإذا جاهدوا فإنما يجاهدون دفاعا عن الحق لا إكراها عليه. وفيها أن الله تعالى لا يطالب الناس بأن يأخذوا عنهم إلا العلم الذي يهديهم إلى معرفة حقوق الله وحقوق العباد. وفي قراءة نافع ويعقوب ولا تسأل عن أصحاب الجحيم بالنهي، أي لا تسأل عما سيلاقون من الانتقام فإنه عظيم، فمثل هذا النهي مستعمل في التهويل لا في حقيقته وهو استعمال معروف بين الناس حتى اليوم.
وزعم بعض المفسرين أن النهي على حقيقته وأنه خاص بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن السؤال عن أبويه ورووا في ذلك أنه سأل جبريل عن قبريهما فدله عليهما فزارهما ودعا لهما وتمنى لو يعرف حالهما في الآخرة وقال " ليت شعري ما فعل أبواي " فنزلت الآية في ذلك. والحديث قال الحافظ العراقي إنه لم يقف عليه، وقال السيوطي لم يرد في ذلك إلا أثر معضل ضعيف الإسناد. قال الأستاذ الإمام وقد فشا هذا القول ولولا ذلك لم نذكره، وإنما نريد بذكره التنبيه على أن الباطل صار يفشو في المسلمين بضعف العلم والصحيح يهجر وينسى. ولا شك أن مقام النبي عليه الصلاة والسلام في معرفة أسرار الدين، وحكم الله في الأولين والآخرين، ينافي صدور مثل هذا السؤال عنه ؛ كما أن أسلوب القرآن يأبى أن يكون هو المراد منه.
تفسير المنار
رشيد رضا