وأما قوله أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إنهَّمْ هُمُ السُّفهاءُ ( ١٣ ) فقد قرأهما قوم مهموزتين جميعا، وقالوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ [ و ] وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السيئ إِلاَّ بِأَهْلِهِ وقالوا ( أإِذا ) أَإِنّا كل هذا يهمزون فيه همزتين، وكل هذا ليس من كلام العرب إلا شاذا. ولكن إذا اجتمعت همزتان شتى ليس بينهما شيء فان إحداهما. تخفف في جميع كلام العرب إلا في هذه اللغة الشاذة القليلة وذلك انه إذا اجتمعت همزتان في كلمة واحدة أبدلوا الآخرة منهما أبدا فجعلوها إن كان ما قبلها مفتوحاً ألفا ساكنة نحو " آدم " و " آخر " [ ٢٠ء ] و " آمن " وإن كان ما قبلها مضموما جعلت واوا نحو " أُوْزُزْ " إذا أمرته أن يَؤُز وان كان ما قبلها مكسورا جعلت ياء نحو " إِيْتِ " وكذلك إنْ كانت الآخرة متحركة بأي حركة كانت والأُولى مضمومة أو مكسورة فالآخرة تتبع الأولى نحو " أن أفعل " من " أَأَب " [ ف ] تقول " أُووب ". ونحو " جاءَ في الرفع والنصب والجر. فأما المفتوحة فلا تتبعها الآخرة إذا كانت متحركة لأنها لو تبعتها جعلت همزة مثلها. ولكن تكون على موضعها، فان كانت مكسورة جعلت ياء، وان كانت مضمومة جعلت واوا، وان كانت مفتوحة جعلت أيضا واوا لان الفتحة تشبه الألف. وأنت إذا احتجت إلى حركتها جعلتها واوا ما لم يكن لها أصل في الياء معروف فهذه الفتحة ليس لها أصل في الياء فجعلت الغالب عليها الواو نحو " آدم " و " أوادم ". فلذلك جعلت الهمزتان إذا التقتا وكانتا من كلمتين شتى مخففة إحداهما، ولم يبلغ من استثقالهما أن تجعلا مثل المجتمعتين في كلمة واحدة. ولان اللتين في كلمة واحدة لا تفارق إحداهما صاحبتها، وهاتان تتغيران عن حالهما وتصير كل واحدة منها على حيالها أثقل منهما في كلمتين [ ٢٠ب ] لأَنَّ ما في الكلمتين كلُّ واحدة على حيالها فتخفيف الآخرة أقيس، كما أبدلوا الآخرة حين اجتمعتا في كلمة واحدة، وقد تخفف الأولى. فمن خفف الآخرة في قوله كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ألا قال السفهاءُ ولا فجعل الألف في ( ألا ) واوا. ومن خفف الأولى جعل الآلف التي في ( السفهاء ) كالواو وهمز ألف ( ألاّ ). وأما أَأَنْذَرْتَهُمْ فإنَّ الأولى لا تخفف لأنها أول الكلام. والهمزة إذا كانت أول الكلام لم تخفف لأن المخففة ضعفت حتى صارت كالساكن فلا يبتدئ بها. وقد قال بعض العرب ( آإذا ) و( آأنذرتهم ) و " آأنا قلت لك كذا وكذا " فجعل ألف الاستفهام إذا ضمت إلى همزة يفصل بينها وبينها بألف لئلا تجتمع الهمزتان. كل ذا قد قيل وكل ذا قد قرأه الناس. وإذا كانت الهمزة ساكنة فهي في لغة هؤلاء الذين يخففون إن كان ما قبلها مكسورا ياء نحو أنبِيهم بأسمايهم ونحو ( نَبِّينا )*. وإن كان مضموما جعلوها واوا نحو " جونَه "، وان كان ما قبلها مفتوحا جعلوه ألفا نحو " راس " و " فاس ". وان كانت همزة متحركة بعد حرف ساكن حرّكوا الساكن بحركة ما بعده واذهبوا الهمزة [ ٢١ء ] يقولون [ في ] " في الأرض " :( فِلَرْض ) [ وفي ] مَا لَكُمْ مِّنْ اله :( مِنِلاهٍ ) يحركون الساكن بالحركة التي كانت في الهمزة أي حركة كانت ويحذفون الهمزة.
وإذا اجتمعت همزتان من كلمتين شتى والأولى* مكسورة والآخرة مكسورة فأردت أن تخفف الآخرة جعلتها بين الياء الساكنة وبين الهمزة، لان الياء الساكنة تكون بعد المكسورة نحو " هؤلاء يماء الله "، تجعل الآخرة بين بين والأولى محققة. وان كانت الآخرة مفتوحة نحو " هؤلاء أخواتك "، أو مضمومة نحو " هؤلاء أُمَّهاتُك " لم تجعل بين بين، وجعلت ياء خالصة لانكسار ما قبلها لأنك إنما تجعل المفتوح بين الألف الساكنة وبين الهمزة، والمضموم بين الواو الساكنة وبين الهمزة إذا أردت بين بين، وهذا لا يثبت بعد المكسور. وان كان الأول مهموزا أو غير مهموز فهو سواء إذا أردت تخفيف الآخرة ومن ذلك قولهم " مِئين " و " مَئير " في قول من خفف. وان كان الحرف مفتوحاً بعده همزة مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة جعلت بين بين، لان المفتوح تكون بعده الألف الساكنة والياء الساكنة، نحو " البَيْع " والواو الساكنة نحو " القَوْل " وهذا مثل يَتَفَيَّؤُا [ ٢١ب ] ظِلاَلُهُ و وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ و آاذا و آانا إذا خففت الآخرة في كل هذا جعلتها بين بين. والذي نختار تخفيف الآخرة إذا اجتمعت همزتان، إلا إنا نحققهما في التعليم كلتيهما نريد بذلك الاستقصاء وتخفيف الآخرة قراءة أهل المدينة، وتحقيقهما جميعا قراءة أهل الكوفة وبعض أهل البصرة. ومن زعم أن الهمزة لا تتبع الكسرة إذا خففت وهي متحركة، وإنما تجعل في موضعها دخل عليه أن يقول " هذا قارِوٌ " و " هؤلاء قارِوُونَ " و( يستهزِوون )، وليس هذا كلام من خفف من العرب إنما يقولون يَسْتَهْزِئُونَ و قارِئون .
وإذا كان ما قبل الهمزة مضموما وهي جعلتها بين بين. وان كانت مكسورة أو مفتوحة لم تكن بين بين وما قبلها مضموم، لان المفتوحة بين الألف الساكنة والهمزة والمكسورة بين الياء الساكنة والهمزة. وهذا لا يكون بعد المضموم، ولكن تجعلها واوا بعد المضموم إذا كانت مكسورة أو مفتوحة فتجعلها واوا خالصة لأنهما يتبعان ما قبلهما نحو " مررت بأكمُوٍ " و " رأيت أكمُواً " و " هذا غلامُوَبيكَ " تجعلها واوا إذا أردت التخفيف إلا أن تكون المكسورة [ ٢٢ء ] مفصولة فتكون على موضعها لأنها قد بعدت.
والواو قد تقلب إلى الياء مع هذا وذلك نحو " هذا غلاميخوانك " و( وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السيئ يلا ).
وإذا كانتا في معنى " فُعِلَ " والهمزة في موضع العين جعلت بين بين لان الياء الساكنة تكون بعد الضمة ففي " قُيْلَ " يقولون " قِيلَ "، ومثل ذلك " سُيِل " و " رُيِس " فيجعلها * بين بين إذا خففت، ويترك ما قبلها مضموما. وأما " رُوِس " فليست " فُعِلَ " وإنما هي " فُعْلَ " فصارت واوا لأنها بعد ضمة معها في كلمة واحدة.
معاني القرآن
الأخفش