وقوله تعالى : فإن آمنوا أي : اليهود والنصارى بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا من باب التعجيز والتبكيت كقوله تعالى : فأتوا بسورة من مثله ( البقرة، ٢٣ ) لأنّ دين الحق واحد لا مثل له وهو دين الإسلام قال تعالى : ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه ( آل عمران، ٨٥ ) وأمّا أن مثل صلة أي : آمنوا بما آمنتم به كقوله تعالى : ليس كمثله شيء ( الشورى، ١١ ) أي : ليس كهو شيء وكما في قوله تعالى : وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ( الأحقاف، ١٠ ) أي : عليه وقيل : الباء صلة كما في قوله تعالى : وهزي إليك بجذع النخلة ( مريم، ٢٥ ) وقيل : معناه فإن آمنوا بكتابكم كما آمنتم بكتابهم فقد اهتدوا.
وإن تولوا أي : أعرضوا عن الإيمان به فإنما هم في شقاق أي : في خلاف ومنازعه معكم يقال شاق مشاقة إذا خالف كان كل واحد من المتخالفين يحرص على كل ما يشق على صاحبه فسيكفيكم الله يا محمد شقاقهم في ذلك تسلية وتسكين للمؤمنين ووعد لهم بالحفظ والنصر على من عاداهم وقد كفاه إياهم بقتل بني قريظة ونفي بني النضير وضرب الجزية على اليهود والنصارى وقوله تعالى : وهو السميع العليم إما من تمام الوعد بمعنى أنه يسمع أقوالكم ويعلم إخلاصكم وهو مجازيكم لا محالة، وإمّا وعيد للمعرضين بمعنى أنه يسمع ما يبدون ويعلم ما يخفون وهو معاقبهم عليه ولا مانع من حمل الكلام على الوعد والوعيد معاً.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني