١٥٩- قوله تعالى : إن الذين يكتمون ما أنزلنا الآية |البقرة : ١٥٩|.
قال بعض الناس نسخها قوله تعالى : إلا الذين تابوا وهذا فاسد لأنه وعيد، ولا نسخ في الوعيد. ولأنه خاص متصل بعام فهو بيان لا نسخ، وكان سبب هذه الآية أن قوما من اليهود سئلوا(١) عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وما وقع من ذكره في كتبهم فكتموا ذلك، فنزلت الآية عامة(٢). وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يخصص(٣) عمومها قال –عليه السلام- : " من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار " (٤) وهذه الآية هي التي أراد عثمان –رضي الله عنه- في قوله : لأحدثنكم حديثا لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه. ومن رواه : لولا أنه في كتاب الله(٥)، فمعنى آخر. وكذلك قول أبي هريرة في حديث : لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم حديثا(٦). وقد يخص من هذه الآية من كتم علما خوف ضرر كما قال أبو هريرة حين قال : حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين أما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو أبثه قطع هذا البلعوم(٧). وقال أبو الحسن : هذه الآية مع أمثالها في القرآن تدل على وجوب إظهار العلم وتبيينه للناس وعم ذلك المنصوص عليه والمستنبط لشمول لفظ " الهدى " للجميع. وفيه دليل على وجوب قبول قول الواحد لأنه لا يجب عليه البيان إلا وقد وجب قبول قوله. وقال : إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا |البقرة : ١٦٠| فحكم بوقوع البيان بخبرهم. فإن قيل : يجوز أن يكون كل واحد منهم منهيا عن الكتمان ومأمورا بالبيان ليكثر المخبرون فيتواتر |بهم| الخبر قلنا(٨) : هذا غلط لأنهم لم ينهوا عن الكتمان إلا وهم ممن يجوز عليهم التواطؤ(٩) عليه، ومتى جاز منهم التواطؤ(١٠) على الكتمان، لم يبلغوا حد التواتر على النقل، فلا يكون خبرهم موجبا للعلم. ودلت الآية أيضا على لزوم إظهار العلم، وترك كتمانه ومنع أخذ الأجرة عليه إذ لا تستحق الأجرة على ما يجب فعله، كما لا تستحق الأجرة على الإسلام. وقال تعالى : إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا |البقرة : ١٧٤| وذلك يمنع أخذ الأجرة على الإظهار وترك الكتمان لأن قوله : ويشترون به ثمنا قليلا مانع من أخذ البدل عليه من سائر الوجوه إذ كان الثمن في اللغة هو البدل(١١).
٢ يراجع في هذا تفسير الطبري ٢/٧٠-٧٦ والمحرر الوجيز ١/٤٦٤ والعجاب لابن حجر ص ٢٢٨-٢٣٠..
٣ في أ و ب "يحفظ"..
٤ هذا الحديث روي من طرق بعضها حسن والبعض الآخر صحيح وألفاظه متقاربة وأقرب لهذا ما جاء عن أبي هريرة أخرجه أبو داود في العلم٣٦٥٨ والترمذي في العلم ٢٦٤٩ وحسنه وابن ماجة في المقدمة ٢٦٦ ويراجع "صحيح الترغيب" للألباني ١/٥٢..
٥ يراجع صحيح البخاري، الوضوء، ١٦٠ ومسلم الطهارة ٢٢٧..
٦ رواه البخاري، كتاب العلم١١٨..
٧ رواه البخاري في كتاب العلم ١٢٠ وفيه زيادة "مني"..
٨ في ب "قلت"..
٩ في ن في الموضعين "التواطي"..
١٠ في ن في الموضعين "التواطي"..
١١ قارن بأحكام القرآن للجصاص ١/١٢٤، ١٢٥ وكان الأحرى العزو إليه..
أحكام القرآن
ابن الفرس