أَوْ بِعَدَمِ اسْتِعْمَالِهَا فِيمَا خُلِقَتْ لِأَجْلِهِ أَوْ بِعَدَمِ مُلَاحَظَةِ أَنَّهَا مِنْ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ تَعَالَى، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الشَّقَاءِ وَالْبَلَاءِ. وَأَمَّا تَرْكُنَا شُكْرَ النَّاسِ وَتَقْدِيرَ أَعْمَالِهِمْ قَدْرَهَا سَوَاءٌ كَانَ عَمَلُهُمُ النَّافِعُ مُوَجَّهًا إِلَيْنَا أَوْ إِلَى غَيْرِنَا مِنَ الْخَلْقِ، فَهُوَ جِنَايَةٌ مِنَّا عَلَى النَّاسِ وَعَلَى أَنْفُسِنَا ; لِأَنَّ صَانِعَ الْمَعْرُوفِ إِذَا لَمْ يَلْقَ إِلَّا الْكُفْرَانَ فَإِنَّ النَّاسَ يَتْرُكُونَ عَمَلَ الْمَعْرُوفِ فِي الْغَالِبِ، فَنُحْرَمُ مِنْهُ وَنَقَعُ مَعَ الْأَكْثَرِينَ فِي ضِدِّهِ فَنَكُونُ مِنَ الْخَاسِرِينَ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ((فِي الْغَالِبِ)) لِأَنَّ فِي النَّاسِ مَنْ يَصْنَعُ الْمَعْرُوفَ وَيَسْعَى فِي الْخَيْرِ رَغْبَةً فِي الْخَيْرِ وَالْمَعْرُوفِ وَطَلَبًا لِلْكَمَالِ، وَلَكِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ النُّفُوسِ الْكَبِيرَةِ وَالْأَخْلَاقِ الْعَالِيَةِ الَّتِي لَا يَنْظُرُ ذَوُوهَا إِلَى مُقَابَلَةِ النَّاسِ لِأَعْمَالِهِمْ بِالشُّكْرِ، وَلَا يَصُدُّهُمْ عَنِ الصَّنِيعَةِ جَهْلُ النَّاسِ بِقِيمَةِ صَنِيعَتِهِمْ، قَلَّمَا تَلِدُ الْقُرُونُ وَاحِدًا مِنْهُمْ، ثُمَّ إِنَّ كُفْرَانَ النِّعَمِ لَا بُدَّ أَنْ يُؤَثِّرَ فِي نَفْسِ مَنْ عَسَاهُ يُوجَدُ مِنْهُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَثَرُهُ تَرْكَ السَّعْيِ وَالْعَمَلِ، كَانَ الْفُتُورَ وَالْوَنْيَ فِيهِ، وَإِذَا لَمْ يَدَعِ الْمَعْرُوفَ فَاعِلُهُ لِكُفْرَانِ النَّاسِ لِسَعْيِهِ تَرَكَهُ لِلْيَأْسِ مِنْ فَائِدَتِهِ، أَوْ لِلْحَذَرِ مِنْ سُوءِ مَغَبَّتِهِ ; إِذِ الْحَاسِدُونَ مِنَ الْأَشْرَارِ يَسْعَوْنَ دَائِمًا فِي إِيذَاءِ الْأَخْيَارِ، كَذَلِكَ الشُّكْرُ يُؤَثِّرُ فِي إِنْهَاضِ هِمَّةِ أَعْلِيَاءِ الْهِمَّةِ مِنَ الْمُخْلِصِينَ فِي أَعْمَالِهِمُ الَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عَلَيْهَا جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ; ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ عَمَلَهُمُ الْخَيْرَ نَافِعًا فَيَزِيدُونَ مِنْهُ، كَمَا أَنَّهُمْ إِذَا رَأَوْهُ ضَائِعًا يَكُفُّونَ عَنْهُ.
(قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ) بَعْدَ بَيَانِ حُسْنِ أَثَرِ الشُّكْرِ فِي الْمُخْلِصِينَ: وَيَرْوُونَ فِي هَذَا حَدِيثًا ارْتَقَى بِهِ بَعْضُهُمْ إِلَى دَرَجَةِ الْحَسَنِ وَهُوَ ((عَجِبْتُ لِمُحَمَّدٍ كَيْفَ يَسْمَنُ مِنْ أُذُنَيْهِ)) أَيْ كَانَ إِذَا ذُكِرَتْ أَعْمَالُهُ الشَّرِيفَةُ وَسَعْيُهُ فِي الْخَيْرِ الْمُطْلَقِ يُسَرُّ وَيَسْمَنُ، هَذَا وَهُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْلَصُ الْمُخْلِصِينَ الْفَانِي فِي اللهِ تَعَالَى لَا يَبْتَغِي بِعَمَلِهِ غَيْرَ مَرْضَاتِهِ، فَكَيْفَ لَا يَكُونُ غَيْرُهُ أَجْدَرَ بِذَلِكَ مِمَّنْ إِذَا سَلِمَ مِنَ الِانْبِعَاثِ إِلَى الْخَيْرِ بِبَاعِثِ الشُّكْرِ وَالثَّنَاءِ فَلَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْ حُبِّ الثَّنَاءِ لِذَاتِهِ فَضْلًا عَنْ مَقْتِ الْكُفْرَانِ وَالْكَنُودِ
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ)
كَانَ عُلَمَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ يَكْتُمُونَ بَعْضَ مَا فِي كُتُبِهِمْ بِعَدَمِ ذِكْرِ نُصُوصِهِ لِلنَّاسِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ أَوِ السُّؤَالِ عَنْهُ كَالْبِشَارَاتِ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصِفَاتِهِ وَكَحُكْمِ رَجْمِ الزَّانِي الَّذِي وَرَدَ ذِكْرُهُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَيَكْتُمُونَ بَعْضَهُ بِتَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ بِالتَّرْجَمَةِ أَوِ النُّطْقِ أَوْ حَمْلِهِ عَلَى غَيْرِ مَعَانِيهِ بِالتَّأْوِيلِ اتِّبَاعًا لِأَهْوَائِهِمْ (كَمَا فَعَلُوا بِلَفْظِ الْفَارِقْلِيطَ) فَفَضَحَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِهَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي سَجَّلَتْ عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَمْثَالِهِمُ اللَّعْنَةَ الْعَامَّةَ الدَّائِمَةَ، قَالَ:
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ)
(قَالَ شَيْخُنَا) : هَذِهِ الْآيَةُ عَوْدٌ إِلَى أَصْلِ السِّيَاقِ وَهُوَ مُعَادَاةُ النَّبِيِّ وَمُعَانَدَتُهُ مِنَ الْكُفَّارِ عَامَّةً وَمِنَ الْيَهُودِ خَاصَّةً، وَالْكَلَامُ فِي الْقِبْلَةِ إِنَّمَا كَانَ فِي مَعْرِضِ جُحُودِهِمْ وَعَدَائِهِمْ أَيْضًا، وَجَاءَ فِيهِ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ يَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، وَلَمْ يَذْكُرْ هُنَاكَ وَعِيدَ هَؤُلَاءِ الْكَاتِمِينَ ; لِأَنَّ ذِكْرَ الْكِتْمَانِ وَرَدَ مَوْرِدَ الِاحْتِجَاجِ عَلَيْهِمْ، وَتَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ وَالْمُؤْمِنِينَ عَلَى إِيذَائِهِمْ، ثُمَّ عَادَ هُنَا فَذَكَرَهُ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ إِنْكَارِهِمْ أَخْبَارَ أَنْبِيَائِهِمْ عَنْهُ وَبِشَارَتِهِمْ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَعْلِهِمْ ذَلِكَ حُجَّةً سَلْبِيَّةً عَلَى إِنْكَارِ نُبُوَّتِهِ ; إِذْ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ يُبَشِّرُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ وَلَمْ يُبَشِّرُوا بِأَنْ سَيُبْعَثَ نَبِيٌّ مِنَ الْعَرَبِ أَبْنَاءِ إِسْمَاعِيلَ، وَلَمْ يَجِئْ بَيَانٌ فِي كُتُبِهِمْ عَنْ دِينِهِ وَكِتَابِهِ. فَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: إِنَّهُمْ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ فِي شَأْنِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَهُ لَهُمْ فِي الْكِتَابِ، وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ يَشْمَلُ جَمِيعَ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ عِنْدَهُمْ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي صِفَةِ هَذَا الْكِتْمَانِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَحْذِفُونَ أَوْصَافَهُ وَالْبِشَارَاتِ فِيهِ مِنْ كُتُبِهِمْ، وَهُوَ غَيْرُ مَعْقُولٍ ; إِذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَوَاطَأَ أَهْلُ الْكِتَابِ عَلَى ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَقْطَارِ وَلَوْ فَعَلَهُ الَّذِينَ كَانُوا فِي بِلَادِ الْعَرَبِ لَظَهْرَ اخْتِلَافُ كُتُبِهُمْ مَعَ كُتُبِ إِخْوَانِهِمْ فِي الشَّامِ وَأُورُبَّا مَثَلًا، وَيَذْهَبُ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْإِنْكَارَ كَانَ بِالتَّحْرِيفِ وَالتَّأْوِيلِ وَحَمْلِ الْأَوْصَافِ الَّتِي وَرَدَتْ فِيهِ وَالدَّلَائِلِ الَّتِي تُثْبِتُ نُبُوَّتَهُ عَلَى غَيْرِهِ حَتَّى إِذَا سُئِلُوا: هَلْ لِهَذَا النَّبِيِّ ذِكْرٌ
فِي كُتُبِكُمْ؟ قَالُوا: لَا. عَلَى أَنَّ فِي كُتُبِهِمْ أَوْصَافًا لَا تَنْطَبِقُ إِلَّا عَلَى نَبِيٍّ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ وَأَظْهَرُهَا مَا فِي التَّوْرَاةِ وَكِتَابِ أَشْعَيَا
فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ إِلَّا بِغَايَةِ التَّمَحُّلِ وَالتَّعَسُّفِ. وَكَذَلِكَ فَعَلُوا بِالدَّلَائِلِ عَلَى نُبُوَّةِ الْمَسِيحِ فَإِنَّهُمْ أَنْكَرُوا انْطِبَاقَهَا عَلَيْهِ وَزَعَمُوا أَنَّهَا لِغَيْرِهِ، وَلَا يَزَالُونَ يَنْتَظِرُونَ ذَلِكَ الْغَيْرَ.
وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتَّأْوِيلِ بَلْ كَتَمُوا مَا فِي الْكِتَابِ مِنَ الْهُدَى وَالْإِرْشَادِ بِضُرُوبِ التَّأْوِيلِ أَيْضًا حَتَّى أَفْسَدُوا الدِّينَ وَانْحَرَفُوا بِالنَّاسِ عَنْ صِرَاطِهِ، وَذَكَرَ جَزَاءَهُمْ فَقَالَ: (أُولَئِكَ) أَيِ: الَّذِينَ كَتَمُوا الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى فَحُرِمُوا النُّورَ السَّابِقَ وَالنُّورَ اللَّاحِقَ، أَوِ الَّذِينَ شَأْنُهُمْ هَذَا الْكِتْمَانُ فِي الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ (يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) أَمَّا لَعْنُ اللهِ لَهُمْ فَهُوَ حِرْمَانُهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ الْخَاصَّةِ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَمَّا لَعْنُ اللَّاعِنِينَ فَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُطْلَبَ لَعْنُهُمْ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ بِفِعْلَتِهِمْ هَذِهِ مَوْضِعُ لَعْنَةِ اللَّاعِنِينَ الْآتِي ذِكْرُهُمْ فِي الْآيَةِ الْآتِيَةِ (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا) عَنِ الْكِتْمَانِ (وَأَصْلَحُوا) عَمَلَهُمْ بِالْأَخْذِ بِتِلْكَ الْبَيِّنَاتِ عَنِ النَّبِيِّ وَدِينِهِ وَالْهُدَى الَّذِي جَاءَ بِهِ (وَبَيَّنُوا) مَا كَانُوا يَكْتُمُونَهُ أَوْ بَيَّنُوا إِصْلَاحَهُمْ، وَجَاهَرُوا بِعَمَلِهِمُ الصَّالِحِ وَأَظْهَرُوهُ لِلنَّاسِ، فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَعْرِفُ الْحَقَّ وَيَعْمَلُ بِهِ وَلَكِنَّهُ يَكْتُمُ عَمَلَهُ وَيُسِرُّهُ مُوَافَقَةً لِلنَّاسِ فِيمَا هُمْ فِيهِ لِئَلَّا يَعِيبُوهُ، وَهَذَا ضَرْبٌ مِنَ الشِّرْكِ الْخَفِيِّ وَإِيثَارِ الْخَلْقِ عَلَى الْحَقِّ ; لِذَلِكَ اشْتَرَطَ فِي تَوْبَتِهِمْ إِظْهَارَ إِصْلَاحِهِمْ وَالْمُجَاهَرَةَ بِأَعْمَالِهِمْ ; لِيَكُونُوا حُجَّةً عَلَى الْمُنْكِرِينَ، وَقُدْوَةً صَالِحَةً لِضُعَفَاءِ التَّائِبِينَ.
(فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ) أَيْ: أَرْجِعُ وَأَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالرَّحْمَةِ وَالرَّأْفَةِ بَعْدَ الْحِرْمَانِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِاللَّعْنَةِ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ: وَهَذَا مِنْ أَلْطَفِ أَنْوَاعِ التَّأْدِيبِ الْإِلَهِيِّ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ يَقْبَلُ تَوْبَتَهُمْ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ بَلْ أَسْنَدَ إِلَى ذَاتِهِ الْعَلِيَّةِ فِعْلَ التَّوْبَةِ الَّذِي أَسْنَدَهُ إِلَيْهِمْ، وَزَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ تَأْنِيسِهِمْ وَتَرْغِيبِهِمْ أَنْ قَالَ: (وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) يَصِفُ نَفْسَهُ سُبْحَانَهُ بِكَثْرَةِ الرُّجُوعِ وَالتَّوْبَةِ، لِلْإِيذَانِ بِالتَّكْرَارِ، كُلَّمَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ وَتَابَ، حَتَّى لَا يَيْئَسَ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِذَا هُوَ عَادَ إِلَى ذَنْبِهِ. فَأَيُّ تَرْغِيبٍ فِي ذَلِكَ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا وَأَشَدُّ تَأْثِيرًا مِنْهُ لِمَنْ يَشْعُرُ وَيَعْقِلُ؟
ثُمَّ إِنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْآيَةِ هِيَ أَنَّ حُكْمَهَا عَامٌّ وَإِنْ كَانَ سَبَبُهَا خَاصًّا، فَكُلُّ مَنْ يَكْتُمُ آيَاتِ اللهِ وَهِدَايَتَهُ عَنِ النَّاسِ فَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِهَذِهِ اللَّعْنَةِ. وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْوَعِيدُ وَأَشْبَاهُهُ حُجَّةً عَلَى الَّذِينَ لَبِسُوا لِبَاسَ الدِّينِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَانْتَحَلُوا الرِّيَاسَةَ لِأَنْفُسِهِمْ بِعِلْمِهِ، حَاوَلُوا التَّفَصِّي مِنْهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْكِتْمَانَ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا إِذَا سُئِلَ الْعَالِمُ عَنْ حُكْمِ اللهِ تَعَالَى فَكَتَمَهُ، وَأَخَذُوا مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ قَاعِدَةً هِيَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ نَشْرُ مَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى وَدَعْوَةُ النَّاسِ إِلَيْهِ وَبَيَانُهُ لَهُمْ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْعَالِمِ أَنْ يُجِيبَ إِذَا سُئِلَ عَمَّا يَعْلَمُهُ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عَالِمٌ غَيْرُهُ، وَإِلَّا كَانَ لَهُ أَنْ يُحِيلَ عَلَى غَيْرِهِ. وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ مُسَلَّمَةٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْعِلْمِ
الْيَوْمَ وَقَبْلَ الْيَوْمِ بِقُرُونٍ، وَقَدْ رَدَّهَا أَهْلُ الْعِلْمِ الصَّحِيحِ فَقَالُوا: إِنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ لَمْ يَكْتَفِ بِالْوَعِيدِ عَلَى الْكِتْمَانِ، بَلْ أَمَرَ بِبَيَانِ هُدَاهُ لِلنَّاسِ، وَبِالدَّعْوَةِ إِلَى الْخَيْرِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَوْعَدَ مَنْ يَتْرُكُ هَذِهِ الْفَرِيضَةَ، وَذَكَرَ لَهُمُ الْعِبَرَ فِيمَا حَكَاهُ عَنِ الَّذِينَ قَصَّرُوا فِيهَا مِنْ قَبْلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) (٣: ١٨٧) إِلَخْ، وَقَوْلِهِ: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) - إِلَى قَوْلِهِ فِي الْمُتَفَرِّقِينَ عَنِ الْحَقِّ - (وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (٣: ١٠٤، ١٠٥) وَقَوْلِهِ: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) إِلَى قَوْلِهِ فِي عِصْيَانِهِمُ الَّذِي هُوَ سَبَبُ لَعْنَتِهِمْ (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ) (٥: ٧٨، ٧٩) إِلَخْ. فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ لَعَنَ الْأُمَّةَ كُلَّهَا لِتَرْكِهِمُ التَّنَاهِيَ عَنِ الْمُنْكَرِ. نَعَمْ ; إِنَّ هَذَا فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ، وَلَكِنْ لَا يَكْفِي فِي كُلِّ قُطْرٍ وَاحِدٌ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ ; بَلْ لَا بُدَّ أَنْ تَقُومَ بِهِ أُمَّةٌ مِنَ النَّاسِ ; كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى لِتَكُونَ لَهُمْ قُوَّةٌ وَلِنَهْيِهِمْ وَأَمْرِهِمْ تَأْثِيرٌ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ هَذَا فِي تَفْسِيرِ (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) (٣: ١٠٤) إِلَخْ. (أَقُولُ) وَمَا وَرَدَ مِنْ تَدَافُعِ عُلَمَاءِ السَّلَفِ فِي الْفَتْوَى فَإِنَّمَا هُوَ فِي الْوَقَائِعِ الْعَمَلِيَّةِ الِاجْتِهَادِيَّةِ الَّتِي تَعْرِضُ لِلنَّاسِ، لَا فِي الدَّعْوَةِ إِلَى مَقَاصِدِ الدِّينِ الثَّابِتَةِ بِالنُّصُوصِ وَسِيَاجِهَا مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُئَوِّلِينَ مَذْهَبًا آخَرَ هُوَ أَنَّ هَذَا الْوَعِيدَ مَخْصُوصٌ بِالْكَافِرِينَ، فَتَرْكُ الْمُؤْمِنِ فَرِيضَةً مِنَ الْفَرَائِضِ كَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ لَا يَسْتَحِقُّ
بِهِ وَعِيدَ الْكَافِرِينَ فَيُلْحِقُهُ بِالْكُفَّارِ. وَهَذَا كَلَامٌ قَدْ أَلِفَتْهُ الْأَسْمَاعُ، وَأَخَذَ بِالتَّسْلِيمِ وَاسْتُعْمِلَ فِي الْإِفْحَامِ وَالْإِقْنَاعِ، فَإِنَّ الَّذِي يَسْمَعُهُ عَلَى عِلَّاتِهِ يَرَى نَفْسَهُ مُلْزَمًا بِرَمْيِ تَارِكِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى الْخَيْرِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ بِالْكُفْرِ، وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلْقَوَاعِدِ الَّتِي وَضَعُوهَا لِلْعَقَائِدِ، فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ إِذَا عُرِضَ عَلَى اللهِ فِي الْآخِرَةِ وَعَلَى كِتَابِهِ فِي الدُّنْيَا يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ، وَإِذَا بَحَثْتَ فِيهِ يَظْهَرُ لَكَ أَنَّ الَّذِي يَرَى حُرُمَاتِ اللهِ تُنْتَهَكُ أَمَامَ عَيْنَيْهِ، وَدِينَ اللهِ يُدَاسُ جِهَارًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَرَى الْبِدَعَ تَمْحُو السُّنَنَ، وَالضَّلَالَ يَغْشَى الْهُدَى، وَلَا يَنْبِضُ لَهُ عِرْقٌ وَلَا يَنْفَعِلُ لَهُ وِجْدَانٌ، وَلَا يَنْدَفِعُ لِنُصْرَتِهِ بِيَدٍ وَلَا بِلِسَانٍ، هُوَ هَذَا الَّذِي إِذَا قِيلَ لَهُ إِنَّ فُلَانًا يُرِيدُ أَنْ يُصَادِرَكَ فِي شَيْءٍ مِنْ رِزْقِكَ أَوْ يُحَاوِلُ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْكَ عِنْدَ الْأُمَرَاءِ وَالْحُكَّامِ، تَجِيشُ فِي صَدْرِهِ الْمَرَاجِلُ وَيَضْطَرِبُ بَالُهُ وَيَتَأَلَّمُ قَلْبُهُ، وَرُبَّمَا تَجَافَى جَنْبُهُ عَنْ مَضْجَعِهِ، وَهَجَرَ الرُّقَادُ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ إِنَّهُ يَجِدُّ وَيَجْتَهِدُ وَيُعْمِلُ الْفِكْرَ فِي اسْتِنْبَاطِ الْحِيَلِ وَإِحْكَامِ التَّدْبِيرِ لِمُدَافَعَةِ ذَلِكَ الْخَصْمِ أَوِ الْإِيقَاعِ بِهِ، فَهَلْ يَكُونُ لِدِينِ اللهِ تَعَالَى فِي نَفْسِ مِثْلِ هَذَا قِيمَتُهُ؟ وَهَلْ يُصَدَّقُ أَنَّ الْإِيمَانَ قَدْ تَمَكَّنَ مَنْ قَلْبِهِ، وَالْبُرْهَانَ عَلَيْهِ قَدْ حَكَمَ عَقْلَهُ، وَالْإِذْعَانَ إِلَيْهِ قَدْ ثَلَّجَ صَدْرَهُ؟
تفسير المنار
محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني