وَالطُّغْيَانُ: هُوَ الْمُجَاوَزَةُ فِي الشَّيْءِ. كَمَا قَالَ: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ [الْحَاقَّةِ: ١١]، وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ فِي كُفْرِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ.
وَكَذَا فَسَّرَهُ السُّدِّيُّ بِسَنَدِهِ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَبِهِ يَقُولُ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَقَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: فِي كُفْرِهِمْ وَضَلَالَتِهِمْ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والعَمَه: الضَّلَالُ، يُقَالُ: عَمِهَ فُلَانٌ يَعْمَه عَمَهًا وعُمُوهًا: إِذَا ضَلَّ.
قَالَ: وَقَوْلُهُ: فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ فِي ضَلَالِهِمْ (١) وَكُفْرِهِمُ الَّذِي غَمَرَهُمْ دَنَسُه، وعَلاهم رجْسه، يَتَرَدَّدُونَ [حَيَارَى] (٢) ضُلالا (٣) لَا يَجِدُونَ إِلَى الْمَخْرَجِ مِنْهُ سَبِيلًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ طَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَخَتَمَ عَلَيْهَا، وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ عَنِ الْهُدَى وَأَغْشَاهَا، فَلَا يُبْصِرُونَ رُشْدًا، وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا.
[وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْعَمَى فِي الْعَيْنِ، وَالْعَمَهُ فِي الْقَلْبِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ الْعَمَى فِي الْقَلْبِ -أَيْضًا-: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الْحَجِّ: ٤٦] وَيُقَالُ: عَمِهَ الرَّجُلُ يَعْمَهُ عُمُوهًا فَهُوَ عَمِهٌ وَعَامِهٌ، وَجَمْعُهُ عُمَّهٌ، وَذَهَبَتْ إِبِلُهُ الْعَمْهَاءُ: إِذَا لَمْ يَدْرِ أَيْنَ ذَهَبَتْ (٤).
أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)
قَالَ السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرّة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ: أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى قَالَ: أَخَذُوا الضَّلَالَةَ وَتَرَكُوا الْهُدَى.
وَقَالَ [مُحَمَّدُ] (٥) بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى أَيِ: الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا.
وَقَالَ قَتَادَةُ: اسْتَحَبُّوا الضَّلَالَةَ عَلَى الْهُدَى [أَيِ: الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ] (٦). وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ قَتَادَةُ يُشْبِهُهُ فِي الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى فِي ثَمُودَ: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فُصِّلَتْ: ١٧] (٧).
وَحَاصِلُ قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ فِيمَا تَقَدَّمَ: أَنَّ الْمُنَافِقِينَ عَدَلوا عَنِ الْهُدَى إِلَى الضَّلَالِ، وَاعْتَاضُوا عَنِ الْهُدَى بِالضَّلَالَةِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى أَيْ بَذَلُوا الْهُدَى ثَمَنًا لِلضَّلَالَةِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مِنْ كَانَ مِنْهُمْ قَدْ حَصَلَ لَهُ الْإِيمَانُ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ إِلَى الْكُفْرِ، كَمَا قَالَ
(٢) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(٣) في جـ: "ضلال".
(٤) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(٥) زيادة من جـ.
(٦) زيادة من طـ.
(٧) في هـ: "فأما" وهو خطأ.
تَعَالَى فِيهِمْ: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ [الْمُنَافِقُونَ: ٣]، أَوْ أَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الضَّلَالَةَ عَلَى الْهُدَى، كَمَا يَكُونُ (١) حَالُ فَرِيقٍ آخَرَ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ أَنْوَاعٌ وَأَقْسَامٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ أَيْ: مَا رَبِحَتْ صَفْقَتُهُمْ فِي هَذِهِ الْبَيْعَةِ، وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ أَيْ: رَاشِدِينَ فِي صَنِيعِهِمْ ذَلِكَ.
قَالَ (٢) ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ قَدْ -وَاللَّهِ-رَأَيْتُمُوهُمْ خَرَجُوا مِنَ الْهُدَى إِلَى الضَّلَالَةِ، وَمِنَ الْجَمَاعَةِ إِلَى الْفُرْقَةِ، وَمِنَ الْأَمْنِ إِلَى الْخَوْفِ، وَمِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْبِدْعَةِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْع، عَنْ سعيد، عن قتادة، بمثله سواء.
(٢) في ط: "وقال".
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة