وقوله : إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائكَةِ وَالناسِ أَجْمَعِينَ
ف " الملائكة والناس " في موضع خفض ؛ تضاف اللعنة إليهم على معنى : عليهم لعنة الله ولعنة الملائكة ولعنة الناس. وقرأها الحسن " لعنة اللّهِ والملائكةُ والناسُ أجمعون " وهو جائز في العربية وإن كان مخالفا للكتَاب. وذلك أن قولك ( عليهم لعنة اللّهِ ) كقولك يلعنهم الله ويلعنهم الملائكة والناس. والعرب تقول : عجبت من ظلمك نفسَك، فينصبون النفس ؛ لأن تأويل الكاف رفع. ويقولون : عجبت من غلبتك نَفْسُك، فيرفعون النفسَ ؛ لأن تأويل الكاف نصب. فابن على ذا ما ورد عليك.
ومن ذلك قول العرب : عجبت من تساقط البيوت بعضُها على بعض، وبعضِها على بعض. فمن رفع رَدّ البعض إلى تأويل البيوت ؛ لأنها رفع ؛ ألا ترى أن المعنى : عجبت من أن تساقطتْ بعضُها على بعض. ومَنْ خفض أجراه على لفظ البيوت، كأنه قال : من تساقطِ بعضِها على بعض.
وأجودُ ما يكون فيه الرفع أن يكون الأوّل الذي في تأويل رفع أو نصب قد كُنى عنه ؛ مثل قولك : عجبت من تساقطها. فتقول ها هنا : عجبت من تساقطها بعضُها على بعض ؛ لأن الخفض إذا كَنَيت عنه قبح أن ينعت بظاهر، فردّ إلى المعنى الذي يكون رفعا في الظاهر، والخفض جائز. وتعمل فيما تأويله النصب بمثل هذا فتقول : عجبت من إدخالهم بعضَهم في إثر بعض ؛ تؤثر النصب في ( بعضهم )، ويجوز الخفض.
معاني القرآن
أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي الفراء