وأما من مات على الكفر ولم يتب فأولئك عليهم لعنة الله ، ومن يُعْتَدّ بلعنته من الملائكة والناس أجمعين .
وكان يحيى بن معاذ الرازي رضي الله عنه يقول لعلماء وقته :( يا معْشرَ العلماء، ديارُكم هَامَانيَّة، وملابِسُكُم قَارُونية، ومَرَاكِبُكُم فرعونية وولائمُكُمْ جالوتية، فأين السنّةُ المحمدية ؟ ). إلا مَن تاب وأصلح ما أفسد، وبيَّن ما كتم، فأولئك يتوب الله عليهم. وهل أَفْسَدَ الدينَ إلا الملوكُ وأحْبَارُ سُوءٍ ورُهْبَانُهَا وباعُوا النفوسَ ولم يَرْبَحُوا ولم تغْلُ في البَيْع أثْمَانُهَا لقدْ رتعَ القومُ في جِيفَةٍ يَبِينُ لذِي العَقْلِ إنْتَانُهَا
تنبيه : العلم باعتبار وجوب إظهاره وكتمه على ثلاثة أقسام :
قسم يجب إظهاره، ومَنْ كَتَمَه دخل في وعيد الآية، وهو علم الشريعة الظاهرة، إذا تعيَّن على المسؤول بحيث لم يُوجَد من يُفتِي في تلك النازلة.
وقسم يجب كتمه، وهو علم سرّ الربوبية، أعني التوحيدَ الخاص، فهذا لا يجوز إفشاؤه إلا لأهله، وهو من بذل نَفْسَه وفَلْسَهُ وخَرقَ عوائد نفسه، فهذا لا يحل كتمه عنه إذا طلبه.
وقسم يُستحب كتمه، وهو أسرار القدَر المُغَيَّبَات، فهذا من باب الكرامات يستحب كتمها ولا يجب، والله تعالى أعلم.
هنا انتهى العتاب لبني إسرائيل والكلام معهم، وابتداؤه من قوله تعالى : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم... ، وإنما تخلَّل الكلامَ ذكرُ إبراهيم وبنيه توطئةً لنسخ القبلة الذي أنكروه، فذكر بناء الكعبة وبيان شرفها، وانجرَّ الكلام إلى ذكر الصفا والمروة لقرب المناسبة والجوار.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي