فلما فرغ من عتابهم دلَّهم على التوحيد، وشاركهم في ذلك غيرهم، فقال :
وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
قلت : إلهكم إله واحد مبتدأ وخبر، وجملة لا إله إلا هو : تقرير لها وتأكيد، و الرحمان الرحيم : خبران آخران، أو عن مبتدأ مضمر.
يقول الحقّ جلّ جلاله : وإلهكم يا معشر العباد الذي يستحق أن يعبد إله واحد لا شريك له، ولا نظير، ولا ضد له ولا ند، لا إله إلا هو ، إذ لا يستحق العبادة غيره، إذ هو الرحمان بنعمة الإيجاد الرحيم بنعمة الإمداد، فكل ما سواه مُكونٌ مخلوق، إما مُنْعَم عليه أو نعمة، فلم يستحق العبادة غيره.
واعلم أن توحيد الخلق لله تعالى على ثلاث درجات :
الأولى : توحيد العامة : وهو الذي يعصِمُ النفس والمال، وينجو به من الخلود في النار، وهو نَفْيُ الشركاء والأنداد، والصاحبةِ والأولاد، والأشباه والأضداد.
الثانية : توحيد الخاصة، وهو أنْ يَرى الأفعال كلها صادرة من الله وحده، ويشاهد ذلك بطريق الكشف لا بطريق الاستدلال، فإنَّ ذلك حاصل لكل مؤمن، وإنما مَقامُ الخاصة يقينٌ في القلب بعلم ضروري لا يحتاج إلى دليل، وثمرة هذا العلم الانقطاعُ إلى الله، والتوكل عليه وحده، فلا يرجو إلا الله، ولا يخاف أحداً سواه، إذ ليس يَرى فاعلاً إلا الله، فيَطْرَحُ الأسباب، وينبذ الأرباب.
الدرجة الثالثة : ألا يرى في الوجود إلا الله، ولا يشهد معه سواه، فيغيبَ عن النظر إلى الأكوان في شهود المُكَوَّن، وهذا مقام الفناء، فإن رُدّ إلى شهود الأثر بالله سُمي مقام البقاء. هـ. قال بعضَه ابنُ جُزَيّ باختصار.
قلت : وفي التحقيق أنهما مقامان ؛ مقام أهل الدليل والبرهان، وهو المذكور في الآية، لأنه هو الذي يطيقه جميع العباد، ومقام أهل الشهود والعيان، وهو خاص بالأفراد الذين بذلوا مهجهم في طلب الله، باعوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله، فعوّضهم الله في الدنيا جنة المعارف، وزادهم في الآخرة جنة الزخارف.
( أهل الدليل والبرهان عمومٌ عند أهل الشهود والعيان ) ؛ لأن أهل الشهود والعيان قدسوا الحقّ تعالى عن أن يحتاج إلى دليل، فكيف يعرف بالمعارف من به عرفت المعارف ؟ كيف يستدل عليه بما هو في وجوده مفتقر إليه ؟ أيكون لغيره من الظهور ما ليس له ؟ - متى غاب حتى يحتاج إلى دليل عليه ؟ ومتى بَعُد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه ؟ - ولله در القائل :لقد ظهرتَ فما تَخْفَى على أحدٍ إلا على أَكْمَهِ لا يُبْصِرُ القمرَا لَكِنْ بَطَنْتَ بما أَظْهَرْتَ مُحْتَجِبا وكيفَ يُبْصَرُ مَن بالعزةِ استترَا ؟
وقال آخر :ما لِلحِجَابِ مَكَانٌ في وجُودِكُمُ إِلا بِسِرِّ حُروفِ ( انظُرْ إلى الجَبَلَ ) أنتُم دلَلْتُمُ عليكُم مِنكُمُ ولكُمْ دَيمُومَةٌ عبَّرتْ عَنْ غاَمِضِ الأزلِ عَرَّفْتُم بكُم هذا الخبيرَ بِكُم أنتُمْ هُمُ يا حياةَ القلْبِ يا أمَلِي
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي