للرجعة ولا للتوبة ولا للمعذرة (١).
١٦٣ - قوله تعالى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ الآية، معنى الوحدة في اللغة: هي الانفراد، يقال: وحَدَ الشيءُ، وهو يَحِدُ حِدَةً، فهو واحد، وجمعه: وُحدان بالضم. والوَحدان بالفتح؛ بمعنى: الواحد، مثل قولهم: فَردان بمعنى: الفَرد. وحقيقة الواحد: شيء لا يتبعض، ويقال أيضًا: وَحَدَ يَوْحَدُ وَحَادةً وَوَحْدةً فهو وحيد (٢).
ويستعمل الواحد على وجهين:
أحدهما: على جهة الحكم والحقيقة.
والثاني: على الوصف والمجاز. فالحكم كقولك: ذاتٌ واحدةٌ، وجزء واحد، والوصف قولك: إنسان واحد، ودار واحدة، فهذا لا ينقسم عن (٣) الجهة التي جرت عليه الصفة، إذ ليس ينقسم من جهة أنه إنسان، وإن انقسم من جهة أنه جسم، وإذا أجريته حكمًا لم ينقسم من وجه من الوجوه.
فأما الواحد في صفة الله تعالى، فقال الأزهري: له معنيان:
أحدهما: أنه واحد لا نظير له، وليس كمثله شيء، والعرب تقول: فلان واحد قومه، وواحد الناس، إذا لم يكن له نظير.
وقال بعضهم: المعنى في الواحد: أنه إله واحد، وربّ واحد، ليس له في إلاهيته وربوبيته شريك؛ لأنّ المشركين أشركوا معه آلهةً فكذّبهم
(٢) ينظر في معاني الواحد: "تفسير الطبري" ٢/ ٦٠، "المفردات" ص ٥٣٠، "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٨٤٤، "اللسان" ٨/ ٤٧٧٩ - ٤٧٨٣ (وحد).
(٣) في (ش): (من).
الله عز وجل، فقال: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ (١).
وقال أبو علي: قولهم: واحد، اسم جرى على وجهين في كلامهم:
أحدهما: أن يكون اسمًا.
والآخر: أن يكون وصفًا.
فالاسم الذي ليس بصفة قولهم: واحد المستعمل في العدد، نحو: واحد، اثنان، ثلاثة، فهذا اسم ليس بوصف، كما أنّ سائر أسماء العدد كذلك، وأما (٢) كونه صفة فنحو قولك: مررت برجل واحد، وهذا شيء واحد، فإذا أجري هذا الاسم على القديم تعالى جاز أن يكون الذي هو وصف، كالعالم والقادر، وجاز أن يكون الذي هو اسم، كقولنا: شيء. يقوي الأول قوله: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ (٣).
ويجمع (٤) الواحد واحدِين، كقوله:
فقد (٥) رجعوا كحيٍّ واحدينا (٦)
(٢) في (م): (فأما).
(٣) نقله عنه الرازي في "التفسير الكبير" ٤/ ١٦٨.
(٤) في (م): (وجمع).
(٥) في (ش): (وقد).
(٦) ورد البيت هكذا:
| فَرَدَّ قَواصِيَ الأحياء منهم | فقد أضحوا كحيٍّ واحدينا |
ويكسِّرونه على فُعلان، كقولهم: وُحدان، ويقلبون الواو همزةً، كقولهم: أُحدان، ومنه قوله:
طاروا (١) إليه زَرَافاتٍ ووُحْدانا (٢)
وذلك أنه وإن كان صفة قد يستعمل استعمال الأسماء، فكسروه على فُعلان، كقولهم: راع ورُعْيَان.
وأما التفسير: فقال ابن عباس في رواية الكلبي: قالت كفار قريش: يا محمد صِفْ وانسُبْ لنا ربّك. فأنزل الله تعالى سورة الإخلاص، وهذه الآية (٣).
وقال جويبر (٤)، عن الضحاك، عن ابن عباس: كان للمشركين ثلاثمائة وستون صنمًا، يعبدونها من دون الله، فبيّن الله سبحانه لهم أنه واحد، فأنزل هذه (٥).
(٢) صدر البيت:
قوم إذا الشرّ أدى ناجذيه لهم
والبيت للعنبري، واسمه: قريط بن أنيف، ويروى لأبي الغول الطهوي. ينظر: "عمدة الحفاظ" ٢/ ٤٩٩.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ١/ ١٣٠٧، والوا حدي في "الوسيط" ١/ ٢٤٥، والبغوي ١/ ١٧٦، والسمعاني ٢/ ١١٤، والقرطبي ٢/ ١٧٥، ونقله في "البحر المحيط" ١/ ٤٦٢، وإسناده واه، ونقله عنه ابن حجر في "العجاب" ١/ ٤١٣.
(٤) هو جويبر بن سعيد البلخي، روى: عن الضحاك وأبي سهل، وروى عنه: الثوري وابن المبارك ويزيد بن هارون، وهو ضعيف، قال يحيي بن معين: ليس بشيء، وكان وكيع لا يسميه استضعافًا له، في قول عن سفيان عن رجل. ينظر: "الجرح والتعديل" ٢/ ٥٤٠ - ٥٤١.
(٥) ذكره الثعلبي ١/ ١٣٠٧، والواحدي في "الوسيط" ١/ ٢٤، ونقله ابن حجر في =
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي