ثم ذكر الحقّ وعيدَ مَنْ أشرك مع الله في عبادته أو محبته، بعد وضوح برهان وحدانيته، فقال :
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ .
وقرأ أبو جعفر ويعقوب إنَّ بالكسر في الموضعين على الاستئناف، و إذ تبرأ بدل من إذ يرون ، والأسباب : العهود والوُصَل التي كانت بينهم في الدنيا يتوادُّون عليها، وأصل السبب : كل شيء يتوصل به إلى شيء، ومنه قيل للحبل الذي يُصعد به : سبب، وللطريق : سبب، قال الشاعر :
| ومَنْ هَابَ أَسْبابَ المَنِيِّةِ يلْقَها | ولَوْ رَامَ أسْبَابَ السماء بسُلَّم |
وذلك حين يتبرأ المتبعون - وهم الرؤساء -، من الأتباع - وهم القلّة الضعفاء - والحالة أنهم
رأوا العذاب الفظيع،
وتقطعت بهم الأسباب أي : أسباب المودة والوُصْلات التي كانت بينهم في الدنيا، وصارت مودتهم عداوة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : يا من أقبل على مولاه، وجعل محبة سيده بُغْيته ومُناه، فلم يُشرك في محبة حبيبه سواه، لو رأيت من ظلم نفسه باتباع هواه، وأشرك مع الله في محبته سواه، باتباع حظوظ دنياه، وذلك حين يرون ما هم فيه من الانحطاط والبعاد، وما أعد الله لأهل المحبة والوداد من الفوز بالقرب من الحبيب، ومشاهدة جمال القريب، لرأيت أمراً عظيماً وخطباً جسيماً، ولعلمت أن القوة كلها لله، قَرّبَ مَنْ شاء بفضله ورحمته، وأبعد من شاء بعدله وحكمته، وذلك حين يتبرأ الأكابر في الجرم من الأصاغر، ويقع التفريق بين الأصحاب والعشائر، إلا من اجتمعوا على محبة الحبيب، وتعاونوا على طاعة القريب المجيب، الأَخِلآَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ [ الزّخرُف : ٦٧ ]. لا تصحب من لا يُنْهِضُك حالهُ، ولا يدلك على الله مقاله - فكل من صحب أهل الغفلة أو رَكَنَ إلى أهل الدنيا فلا بد أن يرى ذلك حسرات يوم القيامة، يوم لا ينفع الندم وقد زلّ القدم. ولله دَرُّ صاحب العَيْنية رضي الله عنه حيث يقول :| وَقَاطِعْ مِمنْ واصَلْتَ أيامَ غَفْلةٍ | فَمَا واصل العُذَّال إلا من مُقَاطعُ |
| وجَانِبْ جنابَ الأجنبي لَوَ أنَّهُ | لقُربِ انتسابٍ في المَنَامُ مُضَاجعُ |
| فَلِلنْفًس مِنْ جُلاَّسهَا كُلُ نسبةٍ | ومِنْ خُلَّةٍ للقلبِ تِلكَ الطَّبَائعُ |