فإنما أراد تقريب مشاركته وإشفاءه عليه، فأتى بمثال الماضي، وجعله سادًّا مسدّ جواب أن، من حيث كان معناه الاستقبال في الحقيقة (١)، وأن الهلاك لم يقع بعد، ولولا ذلك لم يجز، ألا ترى أنه لا يكون: قمتُ إن قمتَ؟ إنما تقول: أقومُ إن قمتَ، وقد جاء كثير مما في التنزيل من هذا الضرب كقوله: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا [الأنعام: ٢٧]، وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُون [الأنعام: ٩٣]، وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا [سبأ: ٥١]، وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى [الأنفال: ٥٠]، فكما جاءت هذه الآية التي يراد بها الاستقبال بإذ، كذلك جاء: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْن (٢).
وقرأ ابن عامر: (يُرون) بضم الياء، وحجته قوله (٣): كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ (٤).
وقوله تعالى: أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا منصوب على الحال، المعنى: إن القوة ثابتة لله عز وجل في حال اجتماعها (٥).
١٦٦ - قوله تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ. العامل في إِذْ معنى شَدِيدُ
(١) في (ش): (بالحقيقة).
(٢) من كلام أبي علي في "الحجة" ٢/ ٢٦٠ - ٢٦١.
(٣) ساقط من (ش) وكلمة قوله ليست في (م).
(٤) "الحجة" ٢/ ٢٦٤.
(٥) من "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٣٩، وينظر: "التبيان" للعكبري ص ١٠٧، وهذا إعراب لكلمة: (جميعًا).
من قوله: وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأ كأنه قيل: وقت تبرأ (١).
وقوله: الَّذِينَ اتُّبِعُوا يعنى: المتبوعين في الشرك والشرّ، مِنَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا يعنى: السفلة والأتباع (٢).
وقوله تعالى: وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الباء هاهنا: بمعنى: عن (٣)، كقوله: فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا [الفرقان: ٥٩]، أي: عنه، قال علقمة بن عبدة:
| فإن تسألوني بالنساء فإنني | بصيرٌ بأدواء النساء طبيب (٤) |
وقال آخر:
| تسائل بي هوازنُ أين مالي | وهل لي غيرَ ما أتلفتُ مالُ (٥) |
وقوله تعالى: الْأَسْبَابُ أصل السبب في اللغة: الحبل، قال شمر: قال أبو عبيدة: السببُ: كلُّ حَبْل حَدَرْتَه (٦) من فوق.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٣٩، وتنظر الآثار في ذلك عند الطبري في "تفسيره" ٢/ ٧٠، وابن أبي حاتم ١/ ٢٧٧ عن قتادة وأبي العالية والربيع وعطاء، وينظر: "زاد المسير" ١/ ١٧١، "تفسير الثعلبي" ١/ ١٣٢٠ وعزاه لأكثر أهل التفسير.
(٣) "تفسير الثعلبي" ١/ ١٣٢٠، "التبيان" ١/ ١٠٧، وذكر أنها أيضًا للسببية، والتقدير: وتقطعت بسبب كفرهم، وقيل: إنها للحال، أي تقطعت موصولة بهم الأسباب، وقيل: الباء للتعدية، والتقدير: قطعتهم الأسباب، كما تقول: تفرقت بهم الطرق، أي فرقتهم، وينظر: "البحر المحيط" ١/ ٤٧٣، "التفسير الكبير" ٤/ ٢١١.
(٤) البيت لعلقمة الفحل في "ديوانه" ص ٣٥.
(٥) البيت ليزيد بن الجهم، في "ديوان الحماسة" ٢/ ٣٥٦.
(٦) في (ش): (جدوته).
وقال خالدُ بنُ جَنَبَة: السبب من الحبال: القوي الطويل، قال: ولا يدعى الحبل سببًا حتى يُصْعَدَ به وُينْزَل، ومن هذا قوله تعالى: فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ [الحج: ١٥]، فالسبب: الحبل في هذا الموضع، ثم قيل (١) لكل شيء وصلت به إلى موضع أو حاجة تريدها: سبب، يقال: ما بيني وبينك سبب، أي: آصرة رحم، أو عاطفة مودة. وقيل للطريق: سبب؛ لأنك بسلوكه تصل إلى الموضع الذي تريده، قال الله تعالى: فَأَتْبَعَ سَبَبًا [الكهف: ٨٥]، أي: طريقًا، و (أسبابُ السماء): أبوابُها؛ لأن الوصول إلى السماء يكون بدخولها، قال الله تعالى خبرًا عن فرعون: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ [غافر: ٣٦ - ٣٧]، قال زهير:
| ومن هاب (٢) أسبابَ المنايا ينلنه | ولو رام أسبابَ السماء بسُلَّمِ (٣). |
| بل ما تَذكَّرُ من نوارَ وقد نأتْ | وتقطّعت أسبابُها ورِمامُها (٤) (٥). |
(٢) سقط من (ش).
(٣) البيت في "ديوانه" ص٣٠، "تفسير الثعلبي" ١/ ١٣٢٢، "السمعاني" ٢/ ١٢٣، "الرازي" ٤/ ٢٣٤، "القرطبي"، "لسان العرب" ٤/ ١٩١٠ (سب).
(٤) البيت في "ديوانه" ص ٣٠١، "لسان العرب" ٤/ ١٩١٠ (سب).
(٥) ينظر في معاني السبب: "تفسير الطبري" ٢/ ٧١ - ٧٣، "تفسير الثعلبي" ١/ ١٣٢٢، "المفردات" ص ٢٢٦، "تاج العروس" ٢/ ٦٦ وما بعدها.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي