وقوله : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً...
فإنما ضرب المثل - والله أعلم - للفعل لا لأعيان الرجال، وإنما هو مَثَل للنفاق ؛ فقال : مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ؛ ولم يقل : الذين استوقدوا. وهو كما قال الله : تَدُورُ أَعْيُنُهْم كالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ . وقوله : ما خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ فالمعنى - والله أعلم - : إلا كبعثِ نفس واحدة ؛ ولو كان التشبيه للرجال لكان مجموعا كما قال : كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ أراد القِيَم والأجسام، وقال : كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ فكان مجموعا إذا أراد تشبيه أعيان الرجال ؛ فأجر الكلام على هذا. وإن جاءك تشبيه جمع الرجال موحَّدا في شِعْر فأَجِزْه. ِ وإن جاءك التشبيه للواحد مجموعا في شعر فهو أيضا يراد به الفعل فأجزه ؛ كقولك : ما فِعْلك إلا كفعل الحَمِير، وما أفعالكم إلا كفعل الذِّئب ؛ فابنِ على هذا، ثم تُلْقِى الفعلَ فتقول : ما فعلك إلا كالحَمِير وكالذِّئب.
وإنما قال الله عزّ وجلّ : ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ لأن المعنى ذهب إلى المنافقين فجمع لذلك. ولو وُحِّد لكان صوابا ؛ كقوله : إنّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ. طَعامُ الأَثِيمِ. كالْمُهْلِ تغْلِي في الْبُطُونِ و " يَغْلِى " ؛ فمن أنّث ذهب إلى الشجرة، ومن ذَكَّر ذهب إلى المهل. ومثله قوله عز وجل : أَمَنَةً نُعَاساً تَغْشَى طَائفَةً منْكُمْ للأَمَنة، " ويَغْشَى " للنعاس.
معاني القرآن
أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي الفراء