ثم ضرب مثل المنافقين، زيادة في توبيخهم وتقبيح شأنهم، فقال :
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ
قلت : استوقد يحتمل أن تكون للطلب، أو زائدة بمعنى أوقد، و لما شرطية، و ذهب جواب، وإذا كان لفظ الموصول مفرداً واقعاً على جماعة، يصح في الضمير مراعاة لفظه فيفرد، ومعناه فيجمع، فأفرد في الآية أولاً، وجمع ثانياً، ويقال : أضاء يضيء إضاءة، وضَاء يضُوء ضَوْءاً.
يقول الحقّ جلّ جلاله : مثل هؤلاء المنافقين من اليهود كَمَثَلِ رجل في ظلمة، تائه في الطريق، فاستوقد ناراً ليبصر طريق القصد فَلَمَّا اشتعلت و أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ فأبصر الطريق، وظهرت له معالم التحقيق، أطفأ الله تلك النار وأذهب نورها، ولم يبق إلا جمرها وحرّها. كذلك اليهود كانوا في ظلمة الكفر والمعاصي ينتظرون ظهور نور النبيّ صلى الله عليه وسلم ويطلبونه، فلما قدم عليهم، وأشرقت أنواره بين أيديهم كفروا به، فأذهب الله عنهم نوره، وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ الكفر والشك والنفاق، لاَّ يُبْصِرُونَ ولا يهتدون.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي