مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون قوله عز وجل: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً المثل بالتحريك والتسكين، والمَثَل بالتحريك مستعمل في الأمثال المضروبة، والمِثْل بالتسكين مستعمل في الشيء المماثل لغيره. وقوله: كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فيه وجهان:
صفحة رقم 79
أحدهما: أنه أراد كمثل الذي أوقد، فدخلت السين زائدة في الكلام، وهو قول الأخفش. والثاني: أنه أراد استوقد مِنْ غيره ناراً للضياء، والنار مشتقة من النور. فَلَمَّا أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ يقال ضاءت في نفسها، وأضاءت ما حولها قال أبو الطمحان:
| (أَضَاءَتْ لَهُمْ أَحْسَابُهُمْ وَوُجُوهُهُمْ | دُجَى الَّليْلِ حَتَّى نَظَّمَ الْجِزْعَ ثَاقِبُهْ) |
قوله تعالى: صَمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ وهذا جمع: أصم، وأبكم، وأعمى، وأصل الصَّمَمُ الإنسداد، يقال قناة صماء، إذا لم تكن مجوفة، وصممت القارورة، إذا سددتها، فالأصم: من انسدَّتْ خروق مسامعه. أما البَكَمُ، ففيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه آفة في اللسان، لا يتمكن معها من أن يعتمد على مواضع الحروف. والثاني: أنه الذي يولد أخرس. والثالث: أنه المسلوب الفؤاد، الذي لا يعي شيئاً ولا يفهمه. والرابع: أنه الذي يجمع بين الخَرَس وذهاب الفؤاد. ومعنى الكلام، أنهم صمٌّ عن استماع الحق، بكم عن التكلم به، عُمْيٌ عن الإبصار له، رَوَى ذلك قتادة، فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ يعني إلى الإسلام.
صفحة رقم 81النكت والعيون
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي
السيد بن عبد الرحيم بن عبد المقصود