ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡ

من نبهان (١).
قال الفراء: وهذا إنما يجوز إذا عرف الكلام ولم يشكل، فإذا أشكل لم يجز، كما لو قال: خسر عبدك، وأراد أن يجعل العبد تجارة يربح فيه، أو يوضع (٢)، لأنه قد يكون العبد تاجرا فيربح، فلا يعرف معناه إذا ربح (٣) من معناه إذا كان مَتْجُورًا (٤) فيه (٥).
١٧ - قوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا الآية. قال أبو عبيد عن الفراء: يقال (٦): مَثَل ومِثْل وشَبَه وشِبْه بمعنى واحد (٧).
وقال الليث: المثل: الشيء الذي يضرب (٨) مثلا لشيء، فيجعل مثله (٩). وقال المبرد (١٠): (المثل): مأخوذ من المثال، والمثل من الكلام: قول سائر نشبه (١١) به حال الثاني بالأول، والأصل فيه التشبيه، فمعنى قولهم: (مثل بين يديه) إذا انتصب، معناه: أشبه الصورة المنتصبة بين يديه،

(١) ذكره " الطبري" في "تفسيره" ١/ ١٤٠.
(٢) أي: يخسر فيه.
(٣) في "معاني القرآن" للفراء: (إذا ربح هو) ١/ ١٥.
(٤) في (ب): (متجوزا).
(٥) نقل كلام الفراء بمعناه انظر "معاني القرآن" للفراء ١/ ١٥.
(٦) في (ب): (ويقال).
(٧) "تهذيب اللغة" (مثل) ٤/ ٣٣٤١.
(٨) في (ب): (لا يضرب) و (ج) (ضرب).
(٩) "تهذيب اللغة" (مثل) ٤/ ٣٣٤١.
(١٠) أورد الميداني كلام المبرد في "مجمع الأمثال" ١/ ٧.
(١١) في "مجمع الأمثال" (يشبه به).

صفحة رقم 184

والأماثل: الأفاضل. و (هذا أمثل من ذاك) (١)، أي: أشبه بما له (٢) الفضل.
والِمثَال: القصاص لتسوية (٣) الحالتين، وتشبيه حال المقتص منه بحال الأول، والامتثال: الاقتصاص من هذا.
و (الأمثال) (٤): أصل كبير في بيان الأشياء، لأن الشيء يعرف بشبهه ونظيره. [و (الأمثال): يخرج ما يخفى تصوره إلى ما يظهر تصوره، و (المثل): بيان ظاهر على أن الثاني مثل الأول] (٥).
و (الأمثال): متداولة سائرة في البلاد، وفيها حكم عجيبة وفوائد كثيرة، وقد ذكر الله تعالى الأمثال في غير موضع من كتابه، لما (٦) فيها من حسن البيان وقرب الاستدلال.
والمقصود بالمثل: البيان عن حال الممثل (٧). وحقيقته: ما جعل من القول كالعلم للتشبيه بحال الأول، مثال ذلك قول كعب بن زهير (٨):

(١) في (ب): (ذلك). وفي "مجمع الأمثال": (فلان أمثل من فلان) ١/ ٧.
(٢) في "مجمع الأمثال" (أشبه بما له [من] الفضل) ١/ ٧، ويظهر أن (من) مضافة من المحقق لاستقامة المعنى.
(٣) في (أ) (لتشويه). وقوله: (المثال القصاص لتسوية الحالتين) ليس في "مجمع الأمثال" ١/ ٧.
(٤) في (ب): (الامتثال).
(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٦) في (ب): (التي فيها).
(٧) في (ب): (الممتثل).
(٨) هو كعب بن زهير بن أبي سلمى المزني، شاعر مشهور، وصحابي معروف، قدم على رسول الله صلى الله عيه وسلم وأسلم وأنشده قصيدته المشهورة (بانت سعاد). انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص ٨٩٠، "الإصابة" ٣/ ٢٩٥.

صفحة رقم 185

كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَنا (١) مَثَلاً وَمَا مَوَاعِيدُهُ إلاَّ الأَبَاطِيلُ (٢)
فمواعيد عرقوب علم (٣) في كل ما لا يصح من المواعيد (٤). وورد المثل في معان كثيرة في التنزيل، فَذِكْرُ كل واحد في موضعه، إن شاء الله.
وذُكِر لفظ (المثل) لأن المراد تشبيه الحالة بالحالة، وذكرنا أن لفظ المثل (٥) قد صار كالعلم للتشبيه بحال الأول، ولو قيل كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا لم يُعرف ما الغرض من التشبيه، فإذا ذكر لفظ المثل عُلم أن المراد تشبيه الحال بالحال (٦).
و اسْتَوْقَدَ بمعنى: أوقد (٧) في قول أكثر أهل اللغة (٨).
وقال بعضهم: استوقد، معناه: استدعى بالنار الضياء (٩)، والأول
(١) في (ب): (لها) وهي رواية للبيت.
(٢) بيت من قصيدة كعب (بانت سعاد) المشهورة التي قالها أمام الرسول ﷺ فأعطاه بردته، و (عرقوب): اسم رجل مشهور بخلف الوعد فيضرب به المثل، فيقال: (مواعيد عرقوب)، أورد القصيدة ابن هشام في "السيرة" ٤/ ١٥٢، وأورد بعضها ابن قتيبة في "الشعر والشعراء" ص ٨٠، وورد البيت المستشهد به في "الدرة الفاخرة في الأمثال السائرة" ١/ ١٧٧، "مجمع الأمثال" للميداني ١/ ٧.
(٣) في (ج): (مثالا).
(٤) انتهى كلام المبرد، وقد ذكره الميداني في مقدمة "مجمع الأمثال" واختصر بعضه، ١/ ٧.
(٥) في (ب): (الملك).
(٦) انظر: "الطبري" ١/ ١٤٠، "معاني القرآن" للفراء ١/ ١٥، "الكشاف" ١/ ١٩٧.
(٧) (أوقد) ساقط من (ب).
(٨) فعلى هذا (السين) و (التاء) زائدتان: انظر "معاني القرآن" للأخفش ١/ ٢٠٨، "تأويل مشكل القرآن" ص ٣٦٢، "تفسير الطبري" ١/ ١٤٣، "تفسير ابن عطية" ١/ ١٨٣، "زاد المسير" ١/ ٣٩، "القرطبي" ١/ ١٨٣، "البحر" ١/ ٧٥.
(٩) وقيل: المراد طلب من غيره أن يوقد له. انظر "تفسير ابن عطية" ١/ ١٨٤، "زاد =

صفحة رقم 186

الصحيح (١). و (النار) من النور (٢)، وجمعها نيران (٣)، والنار تستعار لكل شدة، فيقال: أوقد نار الفتنة، وألقى بينهم نارا: إذا ألقى عداوة. و (أضاء) يكون واقعا ومطاوعا (٤)، يقال: أَضَاءَ الشيء بنفسه، وأضاءه غيره (٥).
وقال أبو عبيد: أَضَاءَت النار، وأَضَاءَها غيرها (٦). والنار تضيء في نفسها، وتضيء غيرها من الأشياء، قال الشاعر:

أَضاءتْ لهم أَحَسابُهُم وَوُجُوههم دُجَى الليْلِ حتَّى نَظَّم الجَزْعَ ثَاقِبُهْ (٧)
= المسير" ١/ ٣٩. وقيل: طلب الوقود وسعى في تحصيله، وهو سطوع النار وأرتفاع لهبها. انظر: "تفسير البيضاوي" ١/ ١١، "تفسير أبي السعود" ١/ ٥٠، وانظر. "البحر" ١/ ٧٨.
(١) وهو اختيار الأخفش وابن جرير وغيرهم كما سبق.
(٢) وبعضهم جعلها مشتقة من نار ينور إذا نفر، لأن فيها حركة واضطرابا، والنور مشتق منها. ذكره الزمخشري في "الكشاف" ١/ ١٩٧، انظر: "معجم مقاييس اللغة" (نور) ٥/ ٣٦٨.
(٣) انظر "تهذيب اللغة" (نار) ٤/ ٣٤٧٩، وفي "القرطبي" جمعها (نور وأنوار ونيران)، "القرطبي" في "تفسيره" ١/ ١٨٤.
(٤) الفعل الواقع هو المتعدي إلى مفعول به أو أكثر.
والمطاوعة: هي قبول فاعل فعل أثر فاعل فعل آخر يلتقيان في الاشتقاق، مثل: أدبته فتأدب، فالتأدب أثر التأديب. انظر (معجم المصطلحات النحوية والصرفية) ص ١٤١، ٢٤٥.
(٥) انظر: "تفسير الثعلبي" ١/ ٣٥ أ، ب، "الصحاح" (ضوأ) ١/ ٦٠، وابن عطية في "تفسيره" ١/ ١٨٤، "القرطبي" في "تفسيره" ١/ ١٨٥، "زاد المسير" ١/ ٣٩، "الكشاف" ١/ ١٩٨.
(٦) "تهذيب اللغة" (ضاء) ٣/ ٢٠٧٧.
(٧) في (أ)، (ج) (ناقبه) بالنون وما في (ب) موافق لجميع المصادر. والبيت نسبه بعضهم لأبي الطمحان القيني، وبعضهم للقيط بن زرارة، يقول: إن أحسابهم =

صفحة رقم 187

ويقال: ضَاءَت النار، وأضاءت، لغتان (١)، وأضاء السبيل إذا وضح، وكل ما وضح فقد أضاء، وأضاءت الشمس وأضاء القمر (٢). والذي في الآية واقع (٣).
وقوله تعالى: مَا حَوْلَهُ. محل (ما) منصوب بوقوع الإضاءة عليه، و (حوله) نصب على الظرف (٤). والعرب تقول: رأيت الناس حَوْلَه، وحَوْلَيْه، وحَوَالَهُ، وحَوَالَيْهِ. فَحَوَالَهُ وُحْدَان حَوَالَيْه، وَحَوْلَيْه تَثْنِيةُ حَوْلَه وينشد: مَاءٌ رَوَاهٌ ونَصيٌّ حَوْلَيَه (٥) ومما ينشد على لسان البهائم أن الضب

= طاهرة زكية، فدجى الليل تنكشف من نور أحسابهم، حتى إن ثاقب الضوء يسهل نظم الجزع لناظمه، ورد البيت في "الكامل" ٣/ ١٢٩، "الحماسة بشرح المرزوقي" ٤/ ١٥٩٨، "أمالي المرتضى" ١/ ٢٥٧، "الشعر والشعراء" ص ٤٧٥، "الصناعتين" ص ٣٦٠، "خزانة الأدب" ٨/ ٩٥، "اللسان" (خضض) ٢/ ١١٨٦، "القرطبي" في "تفسيره" ١/ ١٨٥.
(١) انظر "الصحاح" (ضوأ) ١/ ٦٠، "تهذيب اللغة" (ضاء) ٣/ ٢٠٧٧، "اللسان" (ضوأ) ٥/ ٢٦١٨.
(٢) انظر: "القرطبي" في: "تفسيره" ١/ ١٨٥، "زاد المسير" ١/ ٣٩.
(٣) أي متعد، وقيل: لازم، انظر "تفسير ابن عطية" ١/ ١٨٤، "الكشاف" ١/ ١٩٨، "زاد المسير" ١/ ٣٩، "البحر المحيط" ١/ ٧٨، "الدر المصون" ١/ ١٦٠.
(٤) هذا على أن (أضاء) متعد، فإن كان لازما، فالفاعل ضمير النار، و (ما) زائدة، وأجاز الزمخشري: أن تكون موصولة فاعله، وحوله منصوب على الظرفية. انظر (إعراب القرآن) للنحاس ١/ ١٤٣، "إملاء ما من به الرحمن" ١/ ٢١، "تفسير ابن عطية" ١/ ١٨٤، "الكشاف" ١/ ١٩٨، "البحر المحيط" ١/ ١٧٨، "الدر المصون" ١/ ١٦٠.
(٥) الرِجز للزَّفَيَان السعدي، يروى البيت (حَوْلَيَه) و (حَولِيه) و (حَوْلَيْهْ) ورد البيت عند أبي زيد ص٣٣١، وفي "التهذيب" (حال) ١/ ٧١٠، "الخصائص" ١/ ٣٣٢، وليس في "كلام العرب" لابن خالويه ص ٤١، "اللسان" (روى) ٢/ ١٠٥٥. قال محقق "نوادر أبي زيد": المثبت هنا رواية أبي زيد والبصريين على أنه من الرجز وهي =

صفحة رقم 188

قال لِلْحِسْل (١):

أهَدَمُوا بَيْتَكَ لا أبَالَكا وأنا أمْشِي (٢) الدَّأَلَى حَوَالَكَا (٣)
و (النور) ضد الظلمة، ويقال: نار الشيء وأنار واستنار بمعنى واحد، وأنار الشيء (٤) أي أوضحه (٥) ومنه الحديث: (فرض عمر بن الخطاب (٦) -رضي الله عنه- فريضة فأنارها زيد بن ثابت) (٧).
فأما التفسير: فقال ابن عباس وقتادة والضحاك ومقاتل والسدي: يقول: مثل هؤلاء المنافقين كمثل رجل أوقد ناراً في ليلة (٨) مظلمة في مفازة فاستضاء بها واستدفأ، ورأى ما حوله فاتقى ما يحذر ويخاف وأمن، فبينما
= (حَوْلَيَهْ) وأما رواية الكوفيين للأبيات فعلى أنها من السريع (حَوْلَيْهْ...)، ص ٣٣١.
(١) في (ب): (للحسك) والحِسْل: ولد الضب. "تهذيب اللغة" (حسل) ٤/ ٣٠٣.
(٢) في (ب): (استي).
(٣) الرجز من "شواهد سيبويه" ١/ ٣٥١، وهو في "الكامل" ٢/ ١٩٨، "المخصص" ١٣/ ٢٢٦، "أمالي الزجاجي" ص١٣٠، "همع الهوامع" ١/ ١٣٥، "اللسان" (حول) ٢/ ١٠٥٥ الدألي. مشية فيها تثاقل، وهو من تكاذيب الأعراب يزعمون أنه من قول الضب لولده أيام كانت الأشياء تتكلم.
(٤) في (ب): (للشيء).
(٥) انظر: "تهذيب اللغة" (نار) ٤/ ٣٤٨٢.
(٦) (بن الخطاب) سقط من (ب).
(٧) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" ولفظه: (فرض عمر بن الخطاب للجد ثم أنارها زيد بن ثابت)، أي: نورها وأوضحها "تهذيب اللغة" (نار) ٤/ ٣٤٧٩، ونحوه عند ابن الجوزي في "غريب الحديث" ٢/ ٤٤٠، وعند ابن الأثير في "النهاية" ٥/ ١٢٥. وأخرج عبد الرزاق في "المصنف" بسنده عن الزهري نحوه ولفظه: (إنما هذِه فرائض عمر، ولكن زيدا أثارها بعده وفشت عنه)، "المصنف" ١٠/ ٢٦٦، ٢٦٧ رقم (١٩٠٦٠) و (١٩٠٦١)، ونحوه في "كنز العمال" عن عبد الرزاق ١١/ ٦٢.
(٨) في (ب): (ليل).

صفحة رقم 189

هو كذلك إذ طفئت ناره فبقي مظلما خائفا متحيرا، كذلك المنافقون لما أظهروا كلمة الإيمان استناروا بنورها، واعتزوا بعزها، وأمنوا، فناكحوا المسلمين ووارثوهم (١) وقاسموهم الغنائم وأمنوا على أموالهم وأولادهم، فلما ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف، وبقوا في العذاب والنقمة (٢).
وهذا القول اختيار الزجاج، لأنه قال: هذا المثل ضربه الله للمنافقين في تجملهم بظاهر الإسلام، فمثل ما تجملوا به من الإسلام كمثل النار التي يستضيء (٣) بها المستوقد (٤).
وعلى ما قاله أبو إسحاق: التمثيل وقع بين تجملهم (٥) بالإسلام، وبين النار التي (٦) يستضاء بها.
وقال غيره: معنى الآية: مثل استضاءتهم (٧) بكلمة الإيمان كمثل استضاءة الموقد بالنار. فالتمثيل وقع بين الاستضاءتين، وحذف الاستضاءة، لأنه مضاف فأقيم المضاف إليه مقامه (٨).
وهذا قول الفراء، لأنه قال: شبههم وهم جماعة بالذي استوقد نارًا

(١) في (ب): (واورثوهم).
(٢) ذكره "الطبري" ١/ ١٤٣ - ١٤٤، من طريق علي بن طلحة عن ابن عباس، وعن قتادة والضحاك ورجحه. وذكره ابن أبي حاتم ١/ ٥٠ عن ابن عباس. وذكره ابن كثير عن قتادة. انظر: "تفسير ابن كثير" ١/ ٥٨، "الدر المصون" ١/ ٣٢.
(٣) في (أ)، (ج): (تستضيء)، وأثبت ما في (ب) لمناسبته للسياق.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٥٨.
(٥) في (ب): (تحكمهم).
(٦) في (ب): (الذي).
(٧) في (ب) (استضابهم).
(٨) ذكره "الطبري" ١/ ١٤١.

صفحة رقم 190

وهو واحد؛ لأنه تشبيه (١) للفعل بالفعل، لا للذوات (٢) بالذوات، ومحل هذا قوله: تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ [الأحزاب: ١٩] يعني كدوران عين الذي يغشى عليه، وكقوله: مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ [لقمان: ٢٨]، يعني إلا كخلق وكبعث نفس واحدة.
قال: ولو أراد تشبيه الذوات لقال: (كالذين)، كما قال: كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ [المنافقون ٤٠] وقال: كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ [الحاقة: ٧] وعلى هذا الَّذِي في قوله: الَّذِي اسْتَوْقَدَ واحد (٣).
وقوله تعالى بعد هذا: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ. قال الزجاج: معناه والله أعلم إطلاع الله المؤمنين على كفرهم، فقد ذهب منهم نور الإسلام بما أظهر الله عز وجل من كفرهم، ويجوز أن يكون ذهب الله بنورهم في الآخرة، لأن الله عز وجل قد جعل للمؤمنين في الآخرة نورا، وسلب الكافرين ذلك النور، وهو قوله: انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا (٤) [الحديد: ١٣].
ومثل هذا قال الفراء، فقال: إنما قال: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ لأن المعنى ذهب إلى المنافقين (٥).

(١) في (ب) (وهو لا تشبيه).
(٢) في (ب) (للذات).
(٣) انظر كلام الفراء في: "معاني القرآن" ١/ ١٥، نقله الواحدي بمعناه، وانظر "الطبري" في تفسيره ١/ ١٤١.
(٤) كلام الزجاج في "معاني القرآن" ١/ ٥٩.
(٥) قال الفراء بعد هذا: (... فجمع لذلك، ولو وحد لكان صوابًا...) "معاني القرآن" ١/ ١٥. ومعنى كلام الفراء: أن المعنى انصرف إلى المنافقين، وليس للذي استوقد نارًا، ولو كان المعنى له لقال: بنوره. وقول الفراء (لو وحد لكان صوابًا) =

صفحة رقم 191

فعلى قول هذين (١) النور كان للمنافقين فأذهبه الله، والكناية راجعة إليهم (٢).
وكان يجب في حق النظم أن يكون اللفظ (٣): (فلما أضاءت ما حوله أطفأ الله ناره) ليشاكل جواب (لما) معنى هذه القصة (٤). ولكن لما كان إطفاء النار مثلا لإذهاب نورهم، أقيم ذهاب النور مقام الإطفاء، وجعل جواب (لما) (٥) اختصارا وإيجازا، وهذا طريق حسن في الآية.
وفيها طريق آخر: وهو أن الَّذِي في قوله: الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا

= أسلوب لا يتناسب مع كلام الله، لأن ما قال الله هو الصواب لا غيره.
(١) أي: قول الزجاج والفراء.
(٢) وإلى هذا ذهب "الطبري" وغيره. والمعنى عند "الطبري": فلما أضاءت ما حوله: ذلك أن المنافق لم يزل مستضيئا بضوء القول الذي قاله منافقا في حياته، ثم في يوم القيامة أنطفأ ذلك النور، وقال: الهاء والميم في (بنورهم) عائد على (الهاء والميم) في قوله: (مثلهم). "الطبري" في "تفسيره" ١/ ١٤٥، وبعضهم قال: (الهاء والميم) تعود على (الذي). انظر "القرطبي" في "تفسيره" ١/ ١٨٣.
(٣) (أن يكون اللفظ) ساقط من (ب).
(٤) هذا التعبير لا يناسب مقام كتاب الله، وإن كان للعبارة وجه من الاحتمال، لكن الأولى استعمال الألفاظ والأساليب التي تليق بكلام الله الذي هو في قمة الفصاحة والبلاغة، والله سبحانه قال ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وهذا أبلغ مما ذكر الواحدي في قوله: (أطفأ الله ناره) فالنار إذا انطفأت يمكن إيقادها، ولكن إذا ذهب نورها وسلب فلا فائدة فيها. وكذا قوله: (وهذا طريق حسن في الآية) وهل هناك أحسن مما تكلم الله به؟!.
(٥) للعلماء في جواب (لما) قولان: أحدهما: أنه محذوف تقديره (خمدت وانطفأت) وهذا رأي "الطبري" في "تفسيره" ١/ ١٤٥، والزمخشري في "الكشاف" ١/ ١٩٨، وقد انتصرا لهذا الوجه ورجحاه. ورد أبو حيان قول الزمخشري، وقال: لا ينبغي آن يفسر كلام الله بغير ما يحتمله ولا أن يزاد فيه، بل يكون الشرح طبق المشروح =

صفحة رقم 192

المراد به الجماعة. وهو مذهب ابن قتيبة (١) وابن الأنباري. أما ابن قتيبة فقال: الَّذِي قد يأتي مؤديا عن الجمع (٢)، واحتج بقول الشاعر:

وإنَّ الذي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُم هُمُ القَوْمُ كُل القَوْمِ يا أُمَّ خَالِد (٣)
ويقال في الواحد: (اللذ) وفي التثنية: (اللذا) وهو لغة لبعض العرب قد وردت في الأشعار (٤).
= من غير زيادة عليه ولا نقص منه...)، انظر "البحر المحيط" ١/ ٧٩، وانظر "القرطبي" في "تفسييره" ١/ ١٢٩، و"الدر المصون" ١/ ١٦٢.
(١) هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، وقيل: المروزي، النحوي اللغوي، سكن بغداد، له المصنفات المشهورة (٢٢٣ - ٢٧٦ هـ) انظر "طبقات النحويين واللغويين" ص١٨٣، "إنباه الرواة" ٢/ ١٤٣، "تاريخ بغداد" ١٠/ ١٧٠، "وفيات الأعيان" ٣/ ٤٢.
(٢) انظر "تأويل مشكل القرآن" ص ٣٦١، وانظر "الكشاف" ١/ ١٩٦، "إملاء ما من به الرحمن" ١/ ٢٠.
(٣) البيت للأشهب بن رميلة، وهو من "شواهد سيبويه"، استشهد به على حذف النون من (الذين) عند طول الصلة. "الكتاب" ١/ ١٨٧، وكذا في "المقتضب" ٤/ ١٤٦، وفي "تأويل مشكل القرآن" ص ٣٦١، "تفسير الطبري" ١/ ١٤١، "المنصف" ١/ ٦٧، "زاد المسير" ١/ ٤٠، "القرطبي" في "تفسيره" ١/ ١٢٩، (الخزانة) ٦/ ٢٥، (شرح المفصل) ٣/ ١٥٤ - ١٥٥، (همع الهوامع) ١/ ٦٨، ٤/ ٣٨٠، "الدر المصون" ١/ ١٥٧، "مغني اللبيب" ١/ ١٩٤، "البحر المحيط" ١/ ٧٦، "معجم البلدان" ٤/ ٢٧٢، قال ياقوت: فَلْج: واد بين البصرة وحمى ضرية، وقيل: طريق تأخذ من طريق البصرة إلى اليمامة. وقعت فيه الوقعة التي يصفها الشاعر، هم القوم كل القوم: أي الكاملون في قوميتهم. فاعلمي ذلك وابكي عليهم يا أم خالد.
(٤) في (الذي) لغات منها: إثبات الياء، وحذفها مع بقاء الكسرة، وحذف الياء مع إسكان الذال، وتشديد الياء مكسورة، ومضمومة. انظر "البحر المحيط" ١/ ٧٤، =

صفحة رقم 193

وقال ابن الأنباري: (الذي) في هذه الآية، واحد في معنى الجمع (١)، وليس على ما ذكره ابن قتيبة، لأن (الذي) في البيت الذي احتج به جمع واحد (اللذ)، والذي في الآية واحد في اللفظ لا (٢) واحد له، ولكن المراد منه الجمع (٣). وجاز أن يوضع (الذي) موضع (الذين) لأنه مبهم يحتمل الوجوه في مثل (٤) قول الناس: (أوصي بمالي للذي (٥) غزا وحج) معناه: للغازين والحاجين. [ومثله: (من) و (ما) (٦). ووحد الفعل في (استوقد) لأن (الذي) وإن أريد به الجمع فهو موضوع للواحد (٧). فهذا

= "الدر المصون" ١/ ١٥٩، وقال: (قال بعضهم: وقولهم: هذِه لغات ليس جيدًا؛ لأن هذِه لم ترد إلا ضرورة، فلا ينبغي أن تسمى لغات) ١/ ١٥٩، وانظر (شرح المفصل) ٣/ ١٥٤.
(١) ذكر نحوه الأخفش في "معاني القرآن" ١/ ٢٠٩، وانظر "زاد المسير" ١/ ٣٩، "الدر المصون" ١/ ١٥٦.
(٢) في (ج) (في اللفظ واحد له) وفي (أ)، صححت في الهامش بإضافة (لا).
(٣) وقد رد على ابن قتيبة "الطبري" حيث قال: (وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة: أن (الذي) في قوله: كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا بمعنى (الذين) كما قال جل ثناؤه: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ [الزمر: ٣٣]. وكما قال الشاعر: فإن الذي... البيت (ثم قال: (وقد أغفل قائل ذلك فرق ما بين (الذي) في الآيتين والبيت.... وغير جائز لأحد نقل الكلمة التي هي الأغلب في استعمال العرب على معنى، إلى غيره إلا بحجة يجب التسليم لها). "تفسير الطبري" ١/ ١٤١، وانظر "البحر" ١/ ٧٧، "الدر المصون" ١/ ١٥٧.
(٤) (مثل) ساقط من (ب).
(٥) في (ب) الذي.
(٦) انظر "البحر" ١/ ٧٤.
(٧) فأعاد الضمير في استوقد إلى لفظ الذي انظر "الدر المصون" ١/ ١٥٧.

صفحة رقم 194

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية