)مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ ) ( البقرة : ١٧ ) ) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ) ( البقرة : ١٨ )
التفسير :
قوله تعالى : مثلهم أي وصْفهم، وحالهم كمثل الذي استوقد ناراً أي طلب من غيره أن يوقد له ناراً، أو طلب من غيره ما يوقد به النار بنفسه ؛ فلما أضاءت ما حوله أي أنارت ما حول المستوقد، ولم تذهب بعيداً لضعفها ؛ ذهب الله بنورهم يعني : وأبقى حرارة النار ؛ و " لما " حرف شرط، و أضاءت فعل الشرط ؛ و ذهب الله جواب الشرط ؛ والمعنى : أنه بمجرد الإضاءة ذهب النور ؛ لأن القاعدة أن جواب الشرط يلي المشروط مباشرة..
وفي هذه الآية نجد اختلافاً في الضمائر : استوقد : مفرد ؛ حوله : مفرد ؛ بنورهم : جمع ؛ تركهم : جمع ؛ لا يبصرون : جمع ؛ قد يقول قائل : كيف يجوز في أفصح الكلام أن تكون الضمائر مختلفة والمرجع فيها واحد ؟ الجواب من وجهين :.
الأول : أن اسم الموصول يفيد العموم ؛ وإذا كان يفيد العموم فهو صالح للمفرد، والجمع ؛ فتكون الضمائر في استوقد ، و حوله عادت إلى اسم الموصول باعتبار اللفظ ؛ وأما نورهم ، و تركهم ، و لا يبصرون فعادت إلى الموصول باعتبار المعنى..
الوجه الثاني : أن الذي استوقد النار كان مع رفقة، فاستوقد النار له، ولرفقته ؛ ولهذا قال تعالى : أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم... إلخ..
وعلى الوجه الثاني تكون الآية ممثلة لرؤساء المنافقين مع أتباعهم ؛ لأن رأس المنافقين هو الذي استوقد النار، وأراد أن ينفع بها أقرانه، ثم ذهبت الإضاءة، وبقيت الحرارة، والظلمة، وتركهم جميعاً في ظلمات لا يبصرون..
قوله تعالى : وتركهم في ظلمات : جمعها لتضمنها ظلمات عديدة ؛ أولها : ظلمة الليل ؛ لأن استيقاد النار للإضاءة لا يكون إلا في الليل ؛ لأنك إذا استوقدت ناراً بالنهار فإنها لا تضيء ؛ و الثانية : ظلمة الجو إذا كان غائماً ؛ و الثالثة : الظلمة التي تحدث بعد فقد النور ؛ فإنها تكون أشد من الظلمة الدائمة ؛ و لا يبصرون تأكيد من حيث المعنى لقوله تعالى : في ظلمات دال على شدة الظلمة..
. ١ من فوائد الآيتين : بلاغة القرآن، حيث يضرب للمعقولات أمثالاً محسوسات ؛ لأن الشيء المحسوس أقرب إلى الفهم من الشيء المعقول ؛ لكن من بلاغة القرآن أن الله تعالى يضرب الأمثال المحسوسة للمعاني المعقولة حتى يدركها الإنسان جيداً، كما قال تعالى : وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون [ العنكبوت : ٤٣ ]..
. ٢ ومنها : ثبوت القياس، وأنه دليل يؤخذ به ؛ لأن الله أراد منا أن نقيس حالهم على حال من يستوقد ؛ وكل مثل في القرآن فهو دليل على ثبوت القياس..
. ٣ ومنها : أن هؤلاء المنافقين ليس في قلوبهم نور ؛ لقوله تعالى : كمثل الذي استوقد ناراً ؛ فهؤلاء المنافقون يستطعمون الهدى، والعلم، والنور ؛ فإذا وصل إلى قلوبهم. بمجرد ما يصل إليها. يتضاءل، ويزول ؛ لأن هؤلاء المنافقين إخوان للمؤمنين من حيث النسب، وأعمام، وأخوال، وأقارب ؛ فربما يجلس إلى المؤمن حقاً، فيتكلم له بإيمان حقيقي، ويدعوه، فينقدح في قلبه هذا الإيمان، ولكن سرعان ما يزول..
. ٤ ومن فوائد الآيتين : أن الإيمان نور له تأثير حتى في قلب المنافق ؛ لقوله تعالى : فلما أضاءت ما حوله : الإيمان أضاء بعض الشيء في قلوبهم ؛ ولكن لما لم يكن على أسس لم يستقر ؛ ولهذا قال تعالى في سورة المنافقين. وهي أوسع ما تحدَّث الله به عن المنافقين : ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم [ المنافقون : ٣ ]..
. ٥ ومنها : أنه بعد أن ذهب هذا الضياء حلت الظلمة الشديدة ؛ بل الظلمات..
. ٦ ومنها : أن الله تعالى جازاهم على حسب ما في قلوبهم : ذهب الله بنورهم ، كأنه أخذه قهراً..
فإن قال قائل : أليس في هذا دليل على مذهب الجبرية ؟
فالجواب : لا ؛ لأن هذا الذي حصل من رب العباد عزّ وجلّ بسببهم ؛ وتذكَّر دائماً قول الله تعالى : فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم [ الصف : ٥ ]. حتى يتبين لك أن كل من وصفه الله بأنه أضله فإنما ذلك بسبب منه
. ٧ ومن فوائد الآيتين : تخلي الله عن المنافقين ؛ لقوله تعالى :[ وتركهم ]
ويتفرع على ذلك : أن من تخلى الله عنه فهو هالك. ليس عنده نور، ولا هدًى، ولا صلاح ؛ لقوله تعالى :( وتركهم في ظلمات لا يبصرون )
. ٨ ومن فوائد الآيتين : أن هؤلاء المنافقين أصم الله تعالى آذانهم، فلا يسمعون الحق ؛ ولو سمعوا ما انتفعوا ؛ ويجوز أن يُنفى الشيء لانتفاء الانتفاع به، كما في قوله تعالى : ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ( الأنفال : ٢١ )
. ٩ ومنها : أن هؤلاء المنافقين لا ينطقون بالحق. كالأبكم..
. ١٠ ومنها : أنهم لا يبصرون الحق. كالأعمى..
. ١١ ومنها : أنهم لا يرجعون عن غيِّهم ؛ لأنهم يعتقدون أنهم محسنون، وأنهم صاروا أصحاباً للمؤمنين، وأصحاباً للكافرين : هم أصحاب للمؤمنين في الظاهر، وأصحاب للكافرين في الباطن ؛ ومن استحسن شيئاً فإنه لا يكاد أن يرجع عنه..
تفسير القرآن الكريم
محمد بن صالح بن محمد عثيمين المقبل الوهيبي التميمي