ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱ

( الحج( أي وقت الحج بل وقت إحرام الحج، فإن وقت أركان الحج إنما هو يوم عرفة ويوم النحر لا غير ( أشهر معلومات( أخرج الطبراني عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«شوال وذو القعدة وذو الحجة » قلت : المراد شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة إلى طلوع الفجر من يوم النحر، ويروى عن ابن عمر شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، قال البغوي : كل واحد من اللفظين صحيح والمآل واحد غير مختلف فيه فمن قال عشر عبر عن الليالي ومن قال تسع عبر عن الأيام، وإنما قال أشهر بلفظ الجمع لأنها وقت والعرب تسمي الوقت تاما بقليله وكثيره، قال الله تعالى :( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا( وإنما أسرى في بعض الليل، وهذا هو محمل لما روي عن عمر أنه قال : شوال وذو القعدة وذو الحجة، وقال عروة بن الزبير وغيره : أراد بالأشهر شوالا وذا القعدة وذا الحجة كاملا لأنه يبقى على الحاج أمور بعد عرفة يجب عليه فعلها مثل الذبح والرمي والحلق وطواف الزيارة والمبيت بمنى ورمي الحجار في أيام التشريق فكانت في حكم الحج، قلت : هذه الأفعال كلها ينتهي إلى ثالث عشر من ذي الحجة فكيف يعد ذو الحجة بهذا التوجيه كاملا، وقال البيضاوي : وذو الحجة كله من أشهر الحج بناء على أن المراد بالوقت عنده ما لا يحسن فيه غيره من المناسك، وقال : فإن مالكا يكره العمرة في بقية ذي الحجة، قلت : وهذا غير مستقيم فإن العمرة في أشهر الحج للآفاقي غير مكروه إجماعا وقد اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر كلها في ذي القعدة وكذا للمكي عند مالك والشافعي فإن التمتع للمكي عندهما جائز كما ذكرنا، وهذه الآية حجة للشافعي حيث قال : لا يجوز إحرام الحج قبل الأشهر وإن أحرم انعقد الإحرام للعمرة، وقال داود : من أحرم للحج قبل الأشهر لغى ولا ينعقد أصلا، وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد : إن أحرم قبل الأشهر للحج انعقد لكنه يكره، وجه قول أبي حنيفة ومن معه : أن الإحرام شرط للج ليس بركن ومن ثم جاز الإحرام بهما ثم صرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة أو قران، يدل عليه حديث أنس بن مالك قال : قدم عليّ على النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن فقال بما أهللت ؟ فقال : بما أهل به النبي صلى الله عليه وسلم، وحديث أبي موسى قال أهللت كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم. والحديثان في الصحيحين، وإذا ثبت أنه شرط جاز تقديمه على الوقت كالوضوء للصلاة لكن فيه شبه بالأركان فإذا أُعتق العبد بعدما أحرمم قبل يوم عرفة لا يتأدى فرضه ولذا قلنا بالكراهة، وإذا سمعت أن وقت إحرام الحج أشهر معلومات لا وقت الأركان فإن وقت أركانه يوم كان فحسب فحينئذ الظاهر قول الشافعي فإن الإحرام وإن كان شرطا للحج لا ركنا له والشرط وإن جاز تقديمه على وقت المشروط لكن يجوز تقديمه على وقت نفسه، كما أن العشاء شرط لأداء الوتر فمن أدى العشاء قبل غروب الشفق لا يجوز وتره لا لأنه أدى العشاء قبل وقت الوتر بل لأنه أداها قبل وقت نفسها والله أعلم.
( فمن فرض( أي أوجب على نفسه ( فيهن الحج( يعني أحرم بالحج. اختلفوا في أن الإحرام ما هو ؟ فقال مالك والشافعي وأحمد : إنما هو بالقلب كما في الصوم ولا يشترط فيه التلبية إلا أن مالكا قال : التلبية عند الإحرام واجب يلزم بتركه دم وهي رواية عن أحمد والشافعي والمشهور عنهما أن التلبية سنة. وقال أبو حنيفة : الإحرام هو التلبية مع النية كالتكبير في الصلاة وهي رواية عن الشافعي. لنا : أن القياس بالصلاة أشبه منه بالصوم، وروي عن ابن عباس في تأويل هذه الآية أنه قال : فرض الحج الإهلال، وقال ابن عمر : التلبية، وروى ابن أبي شيبة قول ابن مسعود كقول ابن عمر، ولنا : قوله صلى الله عليه وسلم :«يهل أهل المدينة من ذي الحليفة » الحديث متفق عليه من حديث ابن عمر، وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة :«من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة » أمر بالإهلال وهو رفع الصوت بالتلبية والأمر للوجوب فهو حجة على من لم يقل بوجوبه، ثم إنه صلى الله عليه وسلم عبر الإحرام بالإهلال فظهر أن الإحرام هو التلبية، لكن يقول أو حنيفة : من قلد بدنة وتوجه معها يريد الحج فقد أحرم وإن لم يلب جعل الفعل مكان القول فإن الذكر كما يحصل بالقول يحصل بالفعل ألا ترى أنه من سمع الأذان للصلاة فمشى إلى الصلاة على الفور كان هذا المشي مكان جواب الأذان فإن إجابة الداعي بالفعل أقوى منه بالقول وليس معنى التلبية إلا الإلباب والقيام إلى الطاعة والله أعلم، واستدل صاحب الهداية على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم «من قلد بدنة فقد أحرم » وهذا لا يعرف، قال ابن الهمام : وقفه ابن أبي شيبة في مصنفه على ابن عباس وابن عمر، قلت : لا مساس لهذين الأثرين بالمدعى لأنه كان مذهب ابن عباس وابن عمر أنه من بعث إلى مكة هديا وهو لا يريد الحج فهو إذا قلد هديا يحرم عليه ما يحرم على المحرم حتى ينحر هديه بمكة وهو المراد بقول ابن عباس وابن عمر من قلد هديا فقد أحرم، وكذا روي عن غيرهما من الصحابة ثم انعقد الإجماع على خلاف ذلك، روى البخاري في صحيحه أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة أن عبد الله بن عباس قال : من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه، فقالت عائشة ليس كما قال ابن عباس أنا فتلت قلائد هدي النبي صلى الله عليه وسلم بيدي ثم قلدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بعث بها مع أبي فلم يحرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء أحل الله له، قال الحافظ : كان ذلك سنة تسع فلا يظن ظان أنه كان أول الإسلام ثم نسخ ( فلا رفث( نفي بمعنى النهي يعني فلا ترفثوا والرفث هو الجماع، وقال الزجاج : هي كلمة جامعة لكل ما يريد الرجال من النساء، وقيل : الرفث الفحش والقول القبيح، قلت : وذلك حرام أبدا لا وجه لتعليقه بالإحرام ( ولا فسوق( قال ابن عمر : هو ما نهى عنه المحرم يعني لا تركبوا محرمات الإحرام وهي ستة أشياء إجماعا، منها الرفث يعني الوطء ودواعيه أفرده الله تعالى بالذكر لشدة أمره فإن الجماع يفسد الحج والعمرة إجماعا بخلاف غيره من المحظورات حيث يلزم بها الدم، لكن إذا كان الجماع بعد الوقوف بعرفة ففي إفساده الحج خلاف ولا خلاف في حتميته، ومنها قتل صيد البر والإشارة إليه والدلالة عليه قال الله تعالى :( لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم( ( وحرّم عليكم صيد البر ما دمتم حرما( وسيجيء البحث عنه في سورة المائدة إن شاء الله تعالى ومنها إزالة الشعر والظفر قال الله :( ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محلّه( وقتل القمل المتولد من الوسخ ملحق بالشعر، ومنها استعمال الطيب في الثوب أو البدن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لا تلبسوا شيئا مسه زعفران أو ورس » متفق عليه عن ابن عمر، وهذه الأشياء عامة حرمتها للرجال والنساء، ومنها ما اختص بالرجال وهو أمران ليس المخيط والخفين إلا أنه من لم يجد النعلين فليلبس الخفين ومن لم يجد الإزار فليلبس السراويل كذا في المتفق عليه من حديث ابن عباس وعن جابر نحوه، وتغطية الرأس وأما تغطية الوجه فيعم الرجال والنساء عند أبي حنيفة ومالك رحمهما الله وقال الشافعي وأحمد : بل يختص بالنساء لقول ابن عمر : إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها، رواه الدارقطني والبيهقي وقد روي مرفوعا ولا يصح، ولحديث عثمان ابن عفان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخمر وجهه وهو محرم رواه الدارقطني وقال الدارقطني : الصواب أنه موقوف، في الموطأ عن الفراقصة أنه رأى عثمان بالعرج يغطي وجهه وهو محرم، ولنا حديث ابن عباس في قصة رجل وَقَصَتْه راحلته وهو محرم قال عليه السلام :«لا تخمروا رأسه ولا وجهه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا » رواه مسلم والنسائي وابن ماجة. والسابع ما اختلفوا في حرمتها في الإحرام وهو عقد النكاح فقال مالك والشافعي وأحمد لا يجوز للمحرم أن يعقد النكاح لنفسه أو لغيره أو يؤكل النكاح غريه، وإن ارتكب لا ينعقد، لحديث عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«المحرم لا ينكح ولايُنكح ولا يخطب » رواه مسلم وأبو داود وغيرها، وقال أبو حنيفة يجوز وينعقد لحديث ابن عباس قال : تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم وبنى بها وهو حلال وماتت بسرف، متفق عليه. وأجاب الجمهور بأنه اختلف الرواية في نكاح ميمونة روى مسلم في صحيحه عن يزيد بن الأصم قال : حدثتني ميمونة بنت الحارث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال قال : وكانت خالتي وخالة ابن عباس، قالوا وحديث ميمونة نفسها أرجح فإنها كانت أعرف بحالها عن ابن عباس ولو تعارضت الرواية في نكاح ميمونة بقي حديث عثمان سالما عن المعارضة، على أن حديث عثمان قولي وقصة ميمونة فعل منه عليه السلام ويحتمل التخصيص به صلى الله عليه وسلم وكان للنبي صلى الله عليه وسلم في باب النكاح خصوصيات لم يكن لغيره، وقال ابن عباس : الفسوق هو المعاصي كلها والظاهر هو الأول فإن ذلك لا يختص بالحج. قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالرفع والتنوين بإبطال عمل لا بالتكرار في ( ولا رفث ولا فسوق( والباقون بالنصب من غير تنوين ونظيره في جواز الأمرين لا حول ولا قوة إلا بالله ( ولا جدال( قرأ أبو جعفر بالرفع والتنوين والباقون بالنصب، كان أهل الجاهلية يقفون مواقف مختلفة كلهم يزعم أن موقفه موقف إبراهيم ويتجادلون فيه فبعضهم يقف بعرفة وبعضهم بالمزدلفة، وكان بعضهم يحج في ذي القعدة وبعضهم في ذي الحجة، وكل يقول ما فعلته هو الصواب فقال الله تعالى ( ولا جدال( أي استقر أمر الحج على ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا اختلاف فيه يعني لا تختلفوا فيه، وقال مجاهد : معناه ولا شك في الحج أنه في ذي الحجة فأبطل النسيء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا إن الزمان استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض » الحديث متفق عليه من حديث أبي بكرة ( في الحج( خبر لما قبله ( وما تفعلوا من خير يعلمه الله( فيجازيكم به، حث على الخير بعد النهي عن الشر ( وتزوّدوا( روى البخاري وغيره عن ابن عباس قال كان أهل اليمن يحجون فلا يتزودون ويقولون نحن متوكلون فإذا قدموا مكة سألوا الناس، وقال البغوي : إنما يقضي حالهم إلى النهب والغضب فأنزل الله تعالى ( وتزوّدوا( يعني تزودوا ما تبلغون به وتكففون وجوهكم ( فإن خير الزاد التقوى( أي ما يتقيكم عن السؤال والنهب ونحو ذلك ( واتّقون( قرأ أبو عمرو بإثبات الياء وصلا فقط والباقون بالحذف وصلا ووقفا ( يا أولي الألباب( فإن اقتضاء اللب خشية الله القريب الغالب.

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير