ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱ

وأما قولنا: ليس عليهم إحصار؛ لأن الإحصار هو الجيش والحيلولة بينهم وبين دخولهم مكة، فإذا كانوا هم فيها قادرون على الطواف بالبيت في كل وقت، كذلك بطل الإحصار.
وقوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ (١٩٧)
عن ابن عمر، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أنه قال: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ): شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.

صفحة رقم 85

وعن ابن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، وعن الحسن، والشعبي، ومجاهد، وابن جبير، وإبراهيم، وعطاء مثله.
وعن عبد اللَّه بن مسعود، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أنه قال: إنها شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
ونرى أن عبد اللَّه بن مسعود، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أراد ما أراده الأولون؛ لأنه لا يبقى بعد أيام منى شيء من مناسك الحج، فكيف تكون الأيام التي بعد النفر من أيام الحج، ولا عمل فيها للحجاج؟
ثم المسألة - فيمن يحرم بالحج قبل أشهر الحج، ما عليه؛ وهل يجوز إحرامه؟

صفحة رقم 86

عن ابن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أنه قال: من سنة الحج ألا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج.
وعن جابر، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أنه قال: لا يحرم بالحج قبل أشهر الحح.
فأصحابنا، رحمهم اللَّه تعالى، يكرهون الإحرام قبل أشهر الحج، واتبعوا في كراهيتهم ما رُويَ عن السلف النهي عن ذلك، لكنهم يقولون: إن أحرم يجوز.
واحتج بعض أصحابنا في ذلك بأن قال: للحج ميقات ووقت، وأجمعوا أن من أحرم
بالحج قبل الميقات فإحرامه صحيح، فعل ذلك من أحرم قبل وقته فإحرامه صحيح، وقَالَ بَعْضُهُمْ: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)، الأشهر كلها، كقوله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا)، وهي الأشهر كلها، وهي معلومة؛ وهي، كقوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ). فإن كان هذا تأويل الآية، ففيه دليل جواز الإحرام بالحج في الأشهر كلها.
وقال آخرون: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)، أي في أشهر معلومات، وهو ما ذكرنا من قول جماعة من السلف، قالوا: إنها شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، غير أنه يتوجه وجهين:
أحدهما: أن لفعل الحج أشهر معلومات، دليله قوله تعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ)، سماه حجّا بعد سبب الإلزام، فثبت أن ما بعد الإحرام حج.
والوجه الثاني: أن للحج أشهر معلومات، لا يدخل فيها غيره، ثم أدخل فيها العمرة رخصة، دليله: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، هكذا، وشبك بين أصابعه، "، فيكون معناه: أن للحج أشهر، أي: لفعله أشهر معلومات. واللَّه أعلم.

صفحة رقم 87

وقوله: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ).
اختلف فيما به فرض الحج؟
قَالَ بَعْضُهُمْ: إذا نوى الحج صار محرمًا، لبى أو لم يلب.
وقال آخرون: إذا نوى أن يعمل بجميع ما أمر وأن ينتهي عن جميع ما نهى، صار بذلك محرمًا،
وأما عندنا: فإن تأويل قوله: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ)، أي: لبى فيهن بالحج.
دليله ما رُويَ عن ابن مسعود، وابن عَبَّاسٍ، وابن عمر، رضوان اللَّه تعالى عليهم أجمعين، أنهم قالوا: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ)، أي: لبى. وأما بالنية مجردًا فإنه لا يكون محرمًا.
وما روي أيضًا عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أنه قال لعائشة، رضيَ اللَّهُ تعالى عنها، وقد رآها حزينة: " ما لك؟ فقالت: أنا قضيت عمرتي، وألفاني الحج عاركا. فقال: ذلك شيء كتبه اللَّه تعالى على بنات آدم، فحجي وقولي ما يقول المسلمون في حجهم ".
فبين قول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لعائشة، رضيَ اللَّهُ تعالى عنها، رد حجي وقولي ما يقول المسلمون في حجهم أن التلبية واجبة إذ كان المسلمون يفعلونها وأمر عائشة رضيَ اللَّهُ عنها، باتباعهم فيها.
وعن عائشة، رضيَ اللَّهُ تعالى عنها، أنها قالت: " لا يحرم إلا من أهل أو لبى ".
فدلت هذه الأحاديث النبوية على أن التلبية فرض الحج، وعن هَؤُلَاءِ الأئمة وأمثالهم الذين نأخذ منهم الدِّين فلا تجوز مخالفتهم ولا العدول عن سبيلهم.

صفحة رقم 88

وقال أصحابنا - رحمهم اللَّه تعالى -: إن خرج رجل مع بدنته وقلدها ونوى الإحرام فهو محرم، ويقوم ذلك الفعل منه مقام التلبية.
والحجة لذلك: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال لأصحابه، رضوان اللَّه تعالى عليهم أجمعين، في حجته لما أمرهم بأن يحلوا العمرة، فقالوا له: إنك لم تحل. قال " إني قلدت الهدْي، فلا أحل من إحرامي إلى يوم النحر ".
وقال: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهدْي ". فأخبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن الذي منعه من الحل تقليده الهدْي، وأن ذلك قام مقام الإحرام لو جدده بعد الطواف. ورُويَ عن عليٍّ، وعبد اللَّه بن مسعود، وجابر، رضيَ اللَّهُ تعالى عنهم، أنهم قالوا: إذا قلد فقد أحرم.
وكذلك قال عبد اللَّه بن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه تعالى عنه -: إذا قلد وهو يريد الحج أو العمرة - فقد أحرم.
وما رُويَ عن عائشة رضيَ اللَّهُ تعالى عنها -: لا يحرم إلا من أهل أو لبى، فذلك

صفحة رقم 89

عندنا في الذي يقلد بدنته ولا يخرج معها، لا يصير محرمًا.
ألا ترى ما رُويَ عن عائشة، رضيَ اللَّهُ تعالى عنها، أنها قالت: كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يبعث بهديه ويقيم، فلا يحرم عليه شيء.
وقوله: (فَلَا رَفَثَ).
قيل: (الرَّفَثُ)، جميع حاجات الرجال إلى النساء.
وقال ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه تعالى عنه -: (الرَّفَثُ)، الجماع. وعن عبد اللَّه بن عمر، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، مثله.
وأجمع أهل العلم أن المحرم لا يجوز له أن يقبل امرأته، ولا يمسها بشهوة.
ويوجبون على من فعل ذلك دما.
رُويَ عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنه -: إذا باشر المحرم امرأته أهرق دمًا.
وعن عليٍّ - رضي اللَّه تعالى عنه - قال: إذا قبل المحرم امرأته فعليه دم.
وسئلت عائشة، رضيَ اللَّهُ تعالى عنها، عما يحل للمحرم من امرأته؟ فقالت: يحرم عليه كل شيء سوى الكلام.
وقوله: (وَلَا فُسُوقَ).
قيل: (الفُسُوقُ)، السب.

صفحة رقم 90

وقيل " هو كل فسق، والفسق حقيقة الخروج من أمر اللَّه تعالى، قال اللَّه تعالى: (فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ)، أي: خرج.
وقوله: (وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ).
قيل: " الجدال "، المراء. وذلك أن العرب كانت تؤخر الأشهر الحرم وتعجل، وفي ذلك نزل قوله: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ)، فبين رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وقال: " إن السَّنة قد استدارت كهيئتها يوم خلق السماوات والأرض "، فعلى ذلك استدار وقت الحج إلى حيث جعل، لا يتقدم أبدًا ولا يتأخر، فلا تماروا فيه.
وعن ابن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أنه قال: لا تجادل صاحبك حتى تغضبه.
وأشبه الأمور - واللَّه أعلم - بتأويل الآية: أن اللَّه سبحانه وتعالى أمر بحفظ اللسان والفرج في الإحرام عن كل ما يذكر من فسوق، ومعصية، ومجادلة، ومخاصمة، وعن الرفث بالفعل والقول؛ لأنه يروى أن الفضل بن عَبَّاسٍ كان رديف رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من المزدلفة إلى منى، وكان الفتى يلاحظ النساء وينظر إليهن، فجعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يصرف وجهه بيده من خلفه، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إن هذا يوم من ملك سمعه، وبصره، ولسانه غفر له، أو كما قال ".
ورُويَ عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أنه قال: " من حج فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه ".

صفحة رقم 91

وقوله: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ).
ويجزيه؛ وفيه ترغيب منه في كل خير.
وقوله: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى).
قيل: (وَتَزَوَّدُوا) للحج والعمرة ما تكفون به وجوهكم عن المسألة، ولا تخرجوا بلا زاد لتكونوا عيالا على الناس.
ويحتمل: أن يكون الأمر بالتزود للمعاد، يدل عليه قوله: (فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)، يقول: إن تقوى اللَّه خير زاد من زاد الدنيا.
وقوله: (وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ).
يحتمل: (وَاتَّقُونِ)، المعاصي والمناهي وكل فسق.
ويحتمل: على التقديم والتأخير، كأنه قال: " تزودوا يا أولي الألباب "، (وَاتَّقُونِ) في المسألة من الناس.
* * *
قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا

صفحة رقم 92

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية