ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ
تفسير المفردات :
والإفاضة من المكان : الدفع منه أي أفضتم أنفسكم ودفعتموها، ويقال أفاض في الكلام إذا انطلق فيه كما يفيض الماء ويتدفق، وعرفات موقف الحاج في أداء النسك، وسمي بهذا الاسم لأن الناس يتعارفون فيه، وعرفة اسم لليوم الذي يقف فيه الحاج بعرفات، وهو التاسع من ذي الحجة، والذكر : الدعاء والتلبية والتكبير والتحميد، والمشعر الحرام : هو جبل المزدلفة يقف عليه الإمام، وسمي بهذا الإسم لأنه معلم للعبادة، والشعائر العلامات، ووصف بالحرام لحرمته فلا يفعل فيه ما نهي عنه.
المعنى الجملي :
جاء هذا كالاستدراك : والاحتراس مما عساه يسبق إلى الفهم من منع التجارة في الحج، ذاك أن الآيات السابقة أرشدت إلى حرمة الرفث والفسوق والجدال في الحج، والتجارة تفضي إلى الجدال والنزاع في قيم السلع قلة وكثرة، فعقب ذلك بيان حكمها، وأبان أن الكسب في أيام الحج مع ملاحظة أنه فضل من الله غير محظور، لأنه لا ينافي الإخلاص في هذه العبادة، وإنما الذي ينافيها أن يكون المقصد التجارة فحسب، بحيث لو لم يرجح الكسب لم يسافر للحج.
وقد كان المسلمون في ابتداء الإسلام يتأثمون من كل عمل دنيوي أيام الحج، حتى إنهم كانوا يقفلون حوانيتهم، فأعلمهم الله أن الكسب طلب فضل من الله لا جناح فيه مع الإخلاص.
أخرج البخاري عن ابن عباس قال : كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في الموسم، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك فنزلت الآية.
وعن أبي أمامة التيمي قال : قلت لابن عمر إنا نكري ( أي الرواحل للحجاج ) فهل لنا من حج ؟ فقال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسأله عن الذي سألتني عنه، فلم يجبه حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية، فدعاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : أنتم حجاج
الإيضاح :
روى البخاري ومسلم : أن قريشا ومن دان دينهم من كنانة وجديلة وقيس وهم الحمس ( واحدهم أحمس وهو الشديد الصلب في الدين والقتال ) كانوا يقفون في الجاهلية بمزدلفة ترفعا عن الوقوف مع العرب في عرفات.
فأمر الله نبيه أن يأتي عرفات، ثم يقف بها، ثم يفيض منها، ليبطل ما كانت عليه قريش.
فالمعنى – عليكم أن تفيضوا مع الناس من مكان واحد تحقيقا للمساواة وتركا للتفاخر وعدم الامتياز لأحد عن أحد، وذلك من أهم مقاصد الدين.
وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ مما أحدثتم من تغيير المناسك بعد إبراهيم، وإدخال الشرك في أعمال الحج.
إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ أي إنه تعالى واسع المغفرة والرحمة لمن يستغفره مع الإنابة والتوبة.
تفسير المراغي
المراغي