قوله تعالى : فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم قضاءُ المناسك هو فِعْلُها على تمامٍ، ومثله قوله : فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياماً وقعوداً [ النساء : ١٠٣ ] وقوله : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض [ الجمعة : ١٠ ]، ومنه قوله عليه السلام :" فما أدْرَكتُمْ فَصَلُّوا، وما فَاتَكُمْ فاقْضُوا " يعني افعلوه على التمام.
وقوله : فاذكروا الله كذكركم آباءكم قد قيل فيه وجهان : أحدهما الأذكار المفعولة في سائر أحوال المناسك، كقوله : إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة [ الطلاق : ١ ] وهو مأمورٌ به قبل الطلاق، على مجرى قولهم :" إذا حججْتَ فطُفْ بالبيت، وإذا أحرمتَ فاغتسل، وإذا صليتَ فتوضأ " وقوله تعالى : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم [ المائدة : ٦ ] وإنما هو قبل الصلاة ؛ وكذلك قوله : فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله جائز أن يريد الأذكار المسنونة بعرفات والمزدلفة وعند الرمي والطواف. وقيل فيه إن أهل الجاهلية كانوا يقفون عند قضاء المناسك فيذكرون مآثرهم ومفاخر آبائهم، فأبدلهم الله به ذكره وشكره على نعمه والثناء عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات :" إنّ الله قد أذْهَبَ عَنْكُمْ نَخْوَةَ الجَاهِلِيَّةِ وتَعَظُّمَهَا بالآباء، النّاسُ مِنْ آدَمُ وآدَمُ مِنْ تُرَابٍ لا فَضْلَ لعَرَبِيٍّ على عَجَميّ إلاّ بالتّقوَى " ثم تلا : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم [ الحجرات : ١٣ ] فكان خروج الكلام على حال لأهل الجاهلية في ذكرهم آباءهم ؛ والله أعلم.
أحكام القرآن
الجصاص