٤٨] أضاف المصدر إلى الفاعل (١). وقرأ بعضهم: بضم التاء وفتح الجيم، بنى الفعل للمفعول به، كقوله: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ [الأنعام: ٦٢]، وقوله: وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي [الكهف: ٣٦] (٢).
ومعنى قوله: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ أي: في الخير من الثواب والعقاب، وذلك أن العباد في الدنيا لا يجازون على أعمالهم، ثم إليه يصيرون، فيعذب من يشاء، ويرحم من يشاء (٣).
قال ابن الأنباري: إن الأمور لم تخرج من يديه، ولكن العباد في الدنيا لا يجازون على أعمالهم بما يستحقون من الثواب والعقاب، ولا يُرزقون بمقدار الطاعة، ولا يُفَتَّر عليهم على حسب المعصية، بل الثواب والعقاب والجزاء والحساب في الآخرة، فقال الله تعالى: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ يعني: أنه كان يجازي عليها وُيثِيْبُ ويُعَاقب، إذ كانوا في الدنيا لا يلحقهم من هذه الأشياء شيءٌ. ويكون المعنى على أن الله مَلَّك عبيده في الدنيا الأموالَ والتصرفَ فيها، ثم يرجع الأمر في ذلك كله إلى الله تعالى في الآخرة، فلا يملك أحدٌ شيئًا (٤).
٢١١ - قوله تعالى: سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ الآية، سَلْ كان في الأصل: اسأل، فتركت الهمزة التي هي عين الفعل؛ لكثرة الدور في الكلام
(٢) من "الحجة" ٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥، وقال: والمعنى في بناء الفعل للمجهول كالمعنى في بناء الفعل للفاعل.
(٣) ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ٣٣١.
(٤) ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ٣٣١ - ٣٣٢، "المحرر الوجيز" ٢/ ٢٠١، "البحر المحيط" ٢/ ١٢٥.
تخفيفًا، ونقلت حركتها إلى الساكن الذي قبلها، فاستغنيت عن ألف الوصل.
وقال قطرب: يقال: سَال يَسَال، مثل: زأر الأسد يزأر، وسال يسال يسل، مثل: خاف يخاف، والأمر منه: سَلْ، مثل: خَفْ (١).
وبهذه اللغة قرأ نافع (٢) وابن عامر سَأَلَ سَائِلُ [المعارج: ١] (٣)، على وزن: قال وكال.
وقوله: كَمْ هو اسم مبني على السكون موضوع للعدد، يقال: إنه من تأليف (كاف) التشبيه إلى (ما)، ثم قصرت (ما)، وسكنت الميم، وبنيت على السكون لتضمنها حرف الاستفهام، ويعمل فيه ما بعده من العوامل، ولا يعمل فيه ما قبله سوى ما يجر، وهو في موضع نصب هاهنا بـ (أتيناهم)، وأكثر لغة العرب الجرُّ به عند الخَبَر، والنصبُ عند الاستفهام، ومن العرب من ينصب به في الخبر ويجر في الاستفهام (٤).
(٢) هو أبو رويم نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي مولاهم، المقرئ المدني، أحد الأعلام والقراء السبعة المشهورين، توفي سنة ١٦٩ هـ ينظر: "معرفة القراء الكبار" ١/ ١٠٧، "النشر" ١/ ١١٢.
(٣) قرأ نافع وابن عامر: سال، غير مهموز، والباقون بالهمز، وكلهم قرأ: سائل، بالهمز بلا اختلاف. ينظر: "السبعة" ص٦٥٠.
(٤) ينظر في عمل كم: "الكتاب" لسيبويه ٢/ ١٥٦ - ١٦٨، "مغني اللبيب" ٢٤٣، وبين أن الاستفهامية والخبرية يشتركان في خمسة أشياء ويفترقان في مثلها أيضا، "الدر المصون" ٢/ ٣٧٠ واختار أن الصحيح فيها أنها بسيطة وليست مركبة، وينظر في =
ومعنى السؤال هاهنا: تبكيتٌ للمسؤول عنه وتقريع له، لا تَعَرُّفٌ منه، كما يقال: سله كم أنعمت عليه فكفر نعمتي! وكم حذرته فلم ينته! كذلك هؤلاء، أنعم الله عليهم نعمًا من فَلْقِ البحر لهم، وإنجائهم من عدوهم، وأنزل عليهم المَنَّ والسلوى، فكفروا بهذه النعم حتى لم يؤمنوا بمحمد - ﷺ -، ولم يبينوا نعته (١)، ولهذا قال بعضهم: في الآية إضمار واختصار، تقديره: سلهم كم آتيناهم من آية بينةٍ فكفروا بها، ويدل على هذا الإضمار قوله: وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ يعني: أنهم بدلوا بالكفر بها، وترك الشكر لها (٢).
والتبديل: تصيير الشيء على غير ما كان (٣)، ونذكر الكلام فيه مستقصى عند قوله: بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا [النساء: ٥٦] إن شاء الله. والله تعالى هو الذي يبدل النعمة نقمة إذا كُفِرَت ولم يُعْرف حقها، ولكن أضاف التبديل إليهم؛ لأنه بسبب من جهتهم، وهو ترك الشكر والقيام بحقها (٤)، ثم بين حكم من بَدّل بباقي الآية.
وفي قوله: شَدِيدُ العِقَابِ إضمار، يريد: شديد العقاب له (٥).
(١) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٨١، "المحرر الوجيز" ٢/ ٢٠٢، "البحر المحيط" ٢/ ١٢٦، وذكر في "زاد المسير" ١/ ٢٢٧ قولًا آخر وهو أن المراد بالاستفهام التقرير والإذكار بالنعم.
(٢) ينظر: "التفسير الكبير" ٦/ ٣.
(٣) ينظر: "المفردات" ص ٥٠.
(٤) ينظر: "التفسير الكبير" ٦/ ٤.
(٥) قال في "التبيان" ص ١٣٠: ومن يبدل: في موضع رفع بالابتداء، والعائد الضمير في يبدل، وقيل: العائد محذوف تقديره: شديد العقاب له.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي