ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰ

٢٢٠- قوله تعالى :( ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم، والله يعلم المفسد من المصلح ) |البقرة : ٢٢٠|.
اختلفوا في سبب نزول هذه الآية فقال السدي، والضحاك١ : إن العرب كانت عادتهم أن يجتنبوا مال اليتيم ولا يخالطوهم في مأكل ولا مشرب ولا بشيء. فكانت تلك مشقة، فسألوا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت فعلى هذا نزلت الآية رافعة لحكم غير شرعي فليست إذا بناسخة. وقال ابن عباس، وسعيد بن المسيب٢ : سببها أن المسلمين لما نزلت :( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ) |النساء : ١٠| تجنبوا اليتامى وأموالهم وعزلوهم عن أنفسهم فنزلت الآية. وقيل : لما نزلت :( ولا تقربوا مال اليتيم ) الآية |الأنعام : ١٥٢| اعتزل المسلمون عن مخالطة اليتامى فنزلت الآية، وعلى هذا يمكن أن يقال إن الآية ناسخة لما فعله المسلمون من اعتزالهم اليتامى. قال بعض المفسرين : وهذا أحسن من جعلها ناسخة لقوله :( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ) |النساء : ١٠|٣ وقيل : إن السائل عبد الله بن رواحة. وأصل اليتم الانفراد، فيصح أن يقال للمنفرد من أحد أبويه يتيم، وإطلاقه أظهر في اليتم من قبل الأب. وظاهر القرآن في أحكام الأيتام محمول على الفاقد لأبيه وهو صغير. والعرب تسمي المرأة المنفردة عن الزوج يتيمة صغيرة كانت أو كبيرة. قال الشاعر :

إن القبور تنكح الأيامى النسوة الأرامل اليتامى
وتسمي الرابية يتيمة لانفرادها عما حولها من الأرض، وهو الدرة التي لا نظير لها اليتيمة٤. وهذه الآية أصل في ابتغاء ما فيه الصلاح للأيتام فبها يستدل على أنه لا بأس بتأديب اليتيم وضربه بالرفق إذا احتيج لذلك٥ لأن فيه مصلحة، وحسن تربية. وعلى أنه لولي اليتيم أن يعلمه أمر الدين والدنيا، ويستأجر له ويؤاجره٦ ممن يعلمه الصناعات وينفق عليه من ماله. وإذا وهب لليتيم شيء فللوصي قبضه لما فيه من الصلاح، وإن خلط نفقة اليتيم بنفقة الوصي جائزا إذا عاد ذلك بالرفق والتوفير على اليتيم، وإن عاد بالرفق على الوصي فلا يجوز.
وإن التجارة في أموال اليتامى جائزة إذا كان في ذلك حظ لهم في قوله تعالى :( قل إصلاح لهم خير ) |البقرة : ٢٢٠|. واختلفوا في دفع ماله مضاربة. والآية عندي دليل لقول من أجازه إذا كان فيه إصلاح ماله. ويجوز بيع الوصي عقار اليتيم وشراؤه له على وجه النظر، وهو قول الجمهور حتى قال سفيان : الوصي بمنزلة الأب يبيع إذا رأى الصلاح. وقال ابن أبي ليلى : يبيع ما لا بد منه. وقال يعقوب : ومحمد ذلك إذا لم٧ يكن عليه دين، فليس للموصي أن يبيع العقار، وله بيع ما سوى ذلك من الحيوان والعروض. ودليل الجواز قوله تعالى :( ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير ) فكل ما هو صلاح٨ للموصي فعله. واختلف في الوصي يشتري من مال يتيمه٩، أو يبيع منه، فعندنا : أنه جائز ما لم يحاب ويكره أو لا. وأجاز أبو حنيفة إذا اشتراه بأكثر من ثمن المثل لأنه إصلاح دل عليه ظاهر القرآن. ولم يجز الشافعي شراءه ولا بيعه على ذلك الوجه. واتفقوا على جواز ذلك للأب، واختلفوا في الجد. فأجازه الشافعي، وأبو حنيفة ولم يجزه مالك، وفي الوكيل فأجازه مالك ومنعه أبو حنيفة، ودليلنا قول الله تعالى :( قل إصلاح لهم خير ) فبهذا احتج أصحابنا في المسألة. وكذلك اختلف في تزويج اليتيم فعندنا، وعند أبي حنيفة يجوز تزويجه والتزويج منه. والشافعي لا يرى في التزويج إصلاحا إلا من جهة دفع الحاجة قبل البلوغ. والحجة للجواز ظاهر القرآن١٠.
والشافعي يجوز للجد التزويج مع الوصي، وأبو حنيفة يجوز للقاضي تزويج اليتيم بظاهر القرآن١١. فهذه المذاهب نشأت من هذه الآية١٢ ومن لا يجوز يقول لم يذكر في الآية التصرف في أموال اليتامى بل قال :( إصلاح لهم خير ) من غير أن يذكر فيها الذي يجوز له النظر فلا متعلق في الآية أصلا من جهة العموم أو ليس للمتصرف ذكر يعم أو يخص. ويجوز أن يكون معنى قوله تعالى :( ويسألونك عن اليتامى ) أي يسألك القوام على اليتامى الكافلون لهم وذلك مجمل لا يعلم منه عين الكافل والقيم وما يشترط فيه من الصفات١٣.
١ رواه الطبري عنهما في تفسيره (٢/٤٩٣) وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٦٦)..
٢ رواه أبو داود في السنن (٢٨٧١) والنسائي (٦/٢٥٦، ٢٥٧) وأحمد في المسند (١/٣٢٥، ٣٢٦) والطبري في تفسيره (٢/٤٩٠ -٤٩٣) عن ابن عباس وسعيد بن جبير لا ابن المسيب. وسنده ضعيف قواه ابن حجر بالطرق المرسلة في العجاب في بيان الأسباب (ص٣٥٧ -٣٦١)..
٣ يراجع كلام الإمام الطبري وتحقيقه في هذا في تفسيره (٢/٤٨٧، ٤٨٨)..
٤ قاله الهراسي في أحكام القرآن (١/١٦٢، ١٢٧) وهو أيضا نقل ذلك بتصرف عن الجصاص في أحكام القرآن (٢/١٢، ١٣)..
٥ في ب "إلى ذلك"..
٦ في ب "من يعلمه"..
٧ في ب "إن"..
٨ كذا في ن و ب وفي أ "إصلاح"..
٩ في أ "اليتيم"..
١٠ قاله الكيا الهراسي في أحكام القرآن (١/١٢٧ -١٢٩) وتصرف فيه المؤلف ونصفه الأول مأخوذ من كلام الجصاص في أحكام القرآن (٢/١٣ -١٥)..
١١ أحكام القرآن للهراسي (١/١٢٨)..
١٢ يراجع أيضا كلام ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٦٧) وأحكام القرآن لابن العربي (١/١٥٤ –١٥٦) وتفسير القرطبي (٣/٦٣ -٦٦)..
١٣ قاله الهراسي في أحكام القرآن (١/١٢٩)..

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

ابن الفرس

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير