لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة
تفسير المفردات :
والعنت : المشقة وما يصعب احتماله، يقال عنت العظم عنتا إذا أصابه وهن أو كسر بعد جبر.
المعنى الجملي :
روى أحمد عن أبي هريرة قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنهما فنزلت الآية فقال الناس : ما حرم علينا، إنما قال : إثم كبير، وكانوا يشربون الخمر حتى كان يوم صلى رجل من المهاجرين وأم الناس في المغرب فخلط في قراءته، فأنزل الله آية أغلظ منها : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ثم نزلت آية أغلظ من ذلك يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان إلى قوله : فهل أنتم منتهون قالوا انتهينا ربنا.
ومجموع الروايات يدل على أن النهي القطعي عنها كان بعد التمهيد لذلك وبعد النهي عن قرب الصلاة حال السكر، وأوقات الصلاة متقاربة، فمن ينهى عن قرب الصلاة وهو سكران فلا بد أن يتجنب السكر في أكثر الأوقات لئلا تحضره الصلاة وهو سكران، وفي هذا من الحكمة في التدريج بالتكليف ما يجعل النفوس له أقبل ولإتباعه أطوع.
قال القفال : والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب – أن الله تعالى علم أن القوم قد ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم بها كثيرا، فعلم الله أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق عليهم، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدرج وهذا الرفق
الإيضاح :
أي لتتفكروا في شئونهما معا، فتجتمع لكم مصالح الروح والجسد وتكونوا أمة وسطا، لا كمن ظنوا أن الآخرة لا تنال إلا بترك الدنيا وإهمال منافعها فخسروها وخسروا الآخرة، إذ الدنيا مزرعة الآخرة، ولا كالذين انصرفوا إلى اللذات، ففسدت أخلاقهم، وأظلمت أرواحهم، وصاروا كالبهائم، وخسروا الآخرة والدنيا.
وهذه الآية وما مثلها ترشد إلى أن الإسلام هاد إلى سعة دائرة الفكر واستعمال العقل في مصالح الدارين معا، ومن ثم قال العلماء إن الفنون والصناعات التي يحتاج إليها الناس في معايشهم – من الفروض الدينية، إذا أهملت الأمة شيئا منها ولم يقم من أفرادها من يكفيهم أمرها، كانت عاصية لأمر ربها مخالفة لدينه.
وعلى هذا سارت الأمة الإسلامية في القرون الأولى، فكانت إذا احتاجت إلى شيء مما يستدعيه التوسع في العمران، عدت القيام به من فروض الدين – إلى أن غلا أقوام في الدين وأهملوا مصالح الدنيا زعما منهم بأن ذلك من الزهد المطلوب والتوكل المحبوب، وما هو منهما في شيء، وكان نتيجة ذلك أن أهملت الشريعة، ولم توجد أمة إسلامية تقيمها، ولم يعد من المسلمين من يصلح لحكم الناس في هذه العصور التي اتسعت فيها مصالح الأمم والحكومات، بل قد أصبح كثير من العلماء يعد الاشتغال بالعلوم والفنون التي تتوقف عليها مصالح الدنيا، صادا عن الدين مبعدا عنه.
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى أي ويسألونك عن القيام بأمر اليتامى، أو عن مخالطتهم وكفالتهم.
أخرج أبو داود والنسائي والحاكم وغيرهم عن ابن عباس قال : لما نزلت آية ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن وآية : إن الذين يأكلون أموال اليتامى انطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه فجعل يفضل له الشيء من طعامه، فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، وذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى الآية.
وأشد ما ورد في الوصية باليتامى قوله تعالى : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وقد كان السابقون الأولون من المؤمنين يحفظون حدود الله ويأخذون القرآن بقوة، فتحدث لهم ذكرى وعظة لا يجد مثلها من بعدهم ممن لم يفهم القرآن كما فهموا.
وهذه الوصايا باليتامى ملكت على المؤمنين نفوسهم فتركتهم في حيرة وحرج من أمر القيام على اليتامى واستغلال أموالهم خوفا من أن ينالهم شيء من الظلم، وتأثم الصحابة من مخالطة اليتامى، فكان بعضهم يأبى القيام على اليتيم، وبعضهم يعزل اليتيم عن عياله، فلا يخالطونه في شيء حتى إنهم كانوا يطبخون له وحده، ثم فطنوا إلى ما في هذا من الحرج مع عدم المصلحة لليتيم، بل فيه مفسدة له في تربيته وضياع لماله، إلى ما في ذلك من الاحتقار والإهانة له، فيكون كالكلب أو كالداجن في مأكله ومشربه، ومن ثم احتاجوا إلى السؤال عما يجمع بين المصلحتين : مصلحة اليتيم ليعيش في بيت كافله عزيزا كأحد عياله، ومصلحة الكافل فيسلم من أكل شيء من ماله بغير حق، فأجيبوا بقوله تعالى :
قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ أي قل لمن يسأل عن المصلحة في معاملة اليتامى من عزل أو مخالطة – إن كل ما فيه صلاح لهم فهو خير، فعليكم أن تصلحوا نفوسهم بالتربية والتهذيب، وأموالهم بالتنمية والتثمير، ولا تهملوا شئونهم فتفسد أخلاقهم وتضيع حقوقهم، ولا وجه للتأثم من مخالطتهم في المأكل والمشرب والكسب، فهم إخوانكم في الدين، ومن شأن الإخوة أن يكونوا خلطاء في الملك والمعاش، وفي ذلك منفعة لهم لا ضرر عليهم، إذ كل واحد منهم يسعى في خير الجميع، والمخالطة مبنية على المسامحة، لانتفاء مظنة الطمع، فيكون اليتيم في البيت كالأخ الصغير تراعى مصلحته، ويتحرى له رجحان كفته.
وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ أي والله يعلم ما تضمره القلوب، وتميل إليه من قصد الإفساد أو الإصلاح في هذه المخالطة، وسيحاسبكم على الدقيق والجليل من الأمور.
وإنما نبه القلوب إلى ذكر علمه تعالى، لتلاحظ ذلك حين العمل، وترقب الجزاء على ما تعمل، حتى تأمن الزلل، وتبتعد عن مواطن الشبهة، فشهوة الطمع كثيرا ما تسول للإنسان أكل مال اليتيم، كما تزين له أكل مال أخيه الضعيف ولا وازع ولا زاجر إلا تقوى الله، ومراقبته في السر والعلن.
وكثير من الأوصياء على الأيتام يظهرون العفة والزهد في أكل أموالهم، وهم يلتهمونها التهاما، فتراهم بعد قليل أصبحوا من ذوي الثراء، وأجرهم المفروض ليس فيه الغناء.
ولو شاء الله لأعنتكم أي ولو شاء الله أن يكلفكم ما لا تطيقونه من القيام بشئون اليتامى وحفظ أموالهم دون أ يأذن لكم في مخالطتهم لفعل، لكنه الواسع رحمته لا يكلف النفس إلا ما تطيق كما قال : وما جعل عليكم في الدين من حرج ومن ثم أباح لكم مخالطتهم ومعاملتهم معاملة الإخوة، وعفا عما جرى العرف به من المسامحة فيه، إذ ذلك لا يستغني عنه الخلطاء، ووكل أمر ذلك إلى ضمائركم، مع مراقبة من لا تخفى عليه خافية، العليم بالسر والنجوى.
إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ أي لو شاء إعناتكم لعز على غيره أن يمنعه، ولكن جرت سنته أن يجعل شرائعه جامعة لمصالح عباده، جارية على ما توحي به الفطرة المعتدلة التي فطرهم عليها.
والحكمة في وصل السؤال عن الإنفاق والسؤال عن الخمر والميسر – أن السؤالين الأولين بينا حال طائفتين من الناس في بذلهم وإنفاقهم للمال فناسب أن يذكر بعدها السؤال عن طائفة هي أحق الناس بالإنفاق عليها، وبذل المال في تربيتها وإصلاح شئونها، وهي جماعة اليتامى، كأنه تعالى يذكرنا بأنه حين مخالطتهم وإصلاح أمورهم يجب أن تكون النفقة من أموالنا، وأنهم من الأصناف التي تستحق أن ينفق عليها من العفو الزائد على حاجتنا، ولا ينبغي أن نعكس ذلك ونطمع في فضول أموالهم.
ومما تقدم تعلم، كيف كانت عناية المؤمنين بأحكام دينهم وحفظ حدوده، وكيف شدد سبحانه في الأمر بشأن اليتامى، فلم يأذن في القيام عليهم إلا بقصد الإصلاح، ولا بمخالطتهم إلا مخالطة الإخوة، مع توجيه القلوب إلى مراقبته، والتذكير بإحاطة علمه، ومع كل هذا لا نرى من الأوصياء على اليتامى إلا الفساد والإفساد، دون مراقبة الله في أعمالهم، ومراجعة نفوسهم في أفعالهم، غير ناظرين إلى الوعيد الشديد الذي تقشعر من هوله الصم الجلاميد.
تفسير المراغي
المراغي