ثم سألوا أيضاً عن مخالطة اليتامى، فأجابهم الحقّ تعالى بقوله :
. . . وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
قلت : العنت : التعب والمشقة، أعنتكم : أتعبكم.
يقول الحقّ جلّ جلاله : ويسألونك عن مخالطة اليتامى أي : خَلْط مال اليتامى بمال الوصيّ، أو القائم به، فيأكلون جميعاً، قل لهم : يفعلون ما هو إصلاح لليتيم وأحفظ لماله، فإنْ كان خلط مال اليتيم مع مال الوصي أحفظُ لماله، وأوفر، فهو خير، فإنما هم إخوانكم في الدين، وإن كان عزلُ ما لهم عن مالكم، وأكله وحده، أوفر لماله، فاعتزالهم خير، والله يعلم من قصدُه الإفساد، ممن قصده الإصلاح، فيعامل كل واحد بقصده، ولو شاء الله لأمركم بعزلهم وحفظ مالهم مطلقاً، فيُحرجكم، ويشق عليكم، إن الله عزيز غالب، لا يعجزه شيء، حكيم لا يفعل شيئاً إلا لحكمة ومصلحة.
ولما نزل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً. . . [ النِّساء : ١٠ ] الآية، تحرَّج الصحابة من مخالطة اليتامى، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية.
الإشارة : كل من لا شيخ له في طريق القوم فهو يتيم، لا أبَ له، فإن ادعى شيئاً من الخصوصية سُمي عندهم لقيطاً أو دعياً، أي ؛ منسوباً إلى غير أبيه، وما زالت الأشياخ تُحذِّر من مخالطة العوام، ومن مخالطة المتفقرة الجاهلة، أعني : الذين لا شيخ لهم يصلح للتربية، حتى قالوا : مخالطتهم سُم قاتل. وقال بعضهم : يجتنب المريد مخالطة ثلاثة أصناف من الناس : المتفقرة الجاهلين، والقراء المداهنين، والجبابرة المتكبرين.
قلت : وكذلك الفروعية المتجمدين على ظاهر الشريعة، فصُحبتهم أقبحُ من الجميع، ومن ابتلى بمخالطة العوام فلينصحهم، ويرشدهم إلى مصالح دينهم، إنما هم إخوان في الدين، والله يعلم المفسد من المصلح، فمن خالطهم طمعاً في مالهم أو جاههم، أفسده الله، ومن خالطهم نُصحاً وإرشاداً أصلحه الله، ولو شاء الله لأمر الفقراء باعتزالهم بالكلية، وفي ذلك حرج ومشقة، ومِنْ حكمته تعالى أن جعلهم حجاباً لأهل الحجاب، ومدخلاً لذوي الألباب، حجاباً للضعفاء، ومدخلاً ومشهداً للأقوياء. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي