الجَوابَ بالفاء - ولو كان قرضاً ههنا مصدراً لكان إقراضاً، ولكن قرضاً ههنا اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء.
فأما قرضته أقرُضه قرضاً: فجاوزته، وأصل القرض في اللغة القطع.
والقِرَاضُ من هذا أخِذ، فإنما أقرضته قطعت له قطعة يجازى عليها.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ: (وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ).
قيل في هذا غير قول: قال بعضهم: معناهُ يُقَترُ ويوسعُ، وقالَ بعضهم
يَسْلُب قوماً مَا أنعَمَ علَيهِم ويوسع عَلَى آخَرين (وقيل معنى - يقبض) أي
يقبض الصدقات ويخلفها، وإخلافها جائز أن يكون ما يعطي من الثواب في
الآخرة، وجائز أن يكون مع الثواب أن يخلفها في الدنيا.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)
الملأ أشراف القوم ووجوههمْ، ويروي أن النَبِي - ﷺ - سَمِعَ رجلًا من الأنصار وقد رجعوا من بدر يقول: ما قتلنا إلا عَجَائِزَ ضلْعاً، فقال - ﷺ -: أُولَئِكَ المَلَاءُ من قريش، لو حضرتَ فعالهم لاحتَقرْتَ فِعْلَك، والملأ في اللغة الخلُق، يقال أحْسِنوا مَلأكم، أي أخْلَاقَكمْ قال الشاعر:
تَنَادَوْا يآل بهثَةَ إذ رأونَا... فقلنا أحسِني مَلًأ جُهَيْنَا
أي خلقاً، ويقال: أحسني ممَالأةً أي معَاونَةً، ويقال رجل مَلِيء -
مهموز - أي بَين المَلآء يا هذا - وأصِل هذا كله في اللغة من شيء واحد.
فالمَلأ الرؤساء إِنما سمُّوا بذلك لأنهم ملءٌ بما يحتاج إليه منهم. والمَلأ الذي
في الخُلُق، إنما هو الخلق المليء بما يحتاج إليه، والملا: المُتسَعُ من
الأرض غير مهموز، يكتب بالألِف - والياءِ في قول قوم - وأما البصريون
فيكتبون بالألِف، قال الشاعر في الملا المقْصورِ الذي يدل على المتسَع من
الأرض:
ألَا غنيانِي وارفعا الصوتَ بالمَلا... فإن المَلَا عندي يزيد المَدَى بُعْدا
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ: (ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ).
الجَزْمُ في (نُقَاتِلْ في سبيل اللَّه) الوجهُ على الجوابِ للْمسْألَة الَّتِي في
لَفْظِ الأمْر، أي ابْعَثْ لَنَا - مَلِكاً نُقاتِلْ، أي إنْ تَبعث لنا مَلِكاً نُقَاتِلْ في سبيل الله، ومن قرأ " مَلِكاً يُقَاتِلُ " بالياءِ، فهو على صفة المَلِك ولكن نقاتلْ هو الوجهُ الذي عليه القراء، والرفع فيه بعيد، يجوز على معنى فَإنا نقاتل في سبيل الله، وكثيرٌ مِن النَّحوِّيينَ، لا يُجِيزُ الرفْعَ فِي نُقَاتِل. -
وقوله عزَّ وجلَّ: (قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا)
أي لعَلكم أن تَجْبنُبوا عَنِ القتال، وقرأ بعضُهم: هل عَسِيتم بكسر السين
إن كتب عليكم القتال، وهي قراءَة نافع، وأهل اللغة كلهم يقولون عَسَيْتُ أن أفْعَلَ ويختارونه، وموضع (ألَّا تُقَاتِلُوا) نَصْبٌ أعني موضع " أنْ " لأن
(أنَّ) وما عملت فيه كالمصدر، إِذا قلت عسيت أن أفعل ذاك فكأنك قلت عسيت فعل ذَلِكَ.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ: (قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ).
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل، الزجاج
عبد الجليل عبده شلبي