ﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻ

وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ٢٤٨ فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ٢٤٩ ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ٢٥٠ فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين ٢٥١ تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين ٢٥٢
قوله تعالى : وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت يدل على أن بني إسرائيل لم يقتنعوا بما احتج به عليهم نبيهم من استحقاق طالوت الملك بما اختاره الله وأعده له باصطفائه، وإيتائه من سعة العلم وبسطة الجسم ما يمكنه من القيام بأعبائه، حتى جعل لذلك آية تدلهم على العناية به، وهي عود التابوت إليهم وهذا التابوت المعروف صندوق له قصة معروفة في كتب اليهود ففي أول الفصل الخامس والعشرين من سفر الخروج ما نصه :
" وكلم الرب موسى قائلا كلم بني إسرائيل أن يأخذوا لي تقدمة. من كل من يحثه قلبه يأخذون تقدمتي. وهذه هي التقدمة التي يأخذونها منهم : ذهب وفضة ونحاس وأسمانجوني وأرجوان وقرمز وبوص وشعر معزى وجلود كباش محمرة وجلود نخس وخشب سنط وزيت للمنارة وأطياف لدهن المسحة وللبخور العطر وحجارة جزع وحجارة ترصيع للرداء والصدرة، فيصنعون لي مقدسا لأسكن في وسطهم بحسب جميع ما أنا أريك عن مثال المسكن ومثال جميع آنيته، وهكذا تصنعون فيصنعون تابوتا من خشب السنط طوله ذراعان ونصف، وعرضه ذراع ونصف، وارتفاعه ذراع ونصف. وتغشيه بذهب نقي، من داخل وخارج تغشيه، وتصنع عليه إكليلا من ذهب حواليه. وتسبك له أربع حلقات من ذهب وتجعلها على قوائمه الأربع، على جانبه الواحد حلقتان وعلى جانبه الثاني حلقتان. وتصنع عصوين من خشب السنط وتغشيهما بذهب، وتدخل العصوين في الحلقات على جانبي التابوت ليحمل التابوت بهما. تبقى العصوان في حلقة التابوت لا تنزعان منها. وتضع في التابوت الشهادة التي أعطيك. وتصنع غطاء من ذهب نقي طوله ذراعان ونصف وعرضه ذراع ونصف. وتصنع كروبين من ذهب صنعة خراطة تضعهما على طرفي الغطاء فاصنع كروبا واحدا على الطرف من هنا، وكروبا آخر على الطرف من هناك، من الغطاء تصنعون الكروبين على طرفيه. ويكون الكروبان باسطين أجنحتهما إلى فوق مظللين بأجنحتهما على الغطاء ووجهاهما كل واحد إلى آخر. نحو الغطاء يكون وجها الكروبين. وتجعل الغطاء على التابوت من فوق وفي التابوت تضع الشهادة التي أعطيك اه.
هذا ما ورد في صفة الأمر بصنع ذلك التابوت الديني وذكر بعده كيفية صنع المائدة الدينية وآنيتها والمسكن والمذبح وخيمة العهد ومنارة السراج والثياب المقدسة. ثم فصل في الفصل ٢٧، منه كيف كان صنع هذا التابوت والمائدة والمنار ومذبح البخور، وهي غرائب يعدها عقلاء هذه العصور ألاعيب، والحكمة فيها والله أعلم أن بني إسرائيل كانوا وقد استعبدهم وثنيو المصرين أحقابا قد ملكت قلوبهم عظمة تلك الهياكل الوثنية، وما فيها من الزينة والصنعة التي تدهش الناظر، وتشغل الخاطر، فأراد الله تعالى أن يشغل قلوبهم عنها بمحسوسات من جنسها تنسب إليه سبحانه وتعالى وذكر به، فالتابوت سمي أولا تابوت الشهادة أي شهادة الله سبحانه، ثم تابوت الرب وتابوت الله، كذلك أضيف إلى الله تعالى كل شيء صنع للعبادة. وهذا مما يدل على أن تلك الديانة ليست دائمة، فلا غرو إذا نسخ الإسلام كل هذا الزخرف والصنعة من المساجد التي يعبد فيها الله تعالى حتى لا يشغل المصلي عن مناجاة الله بشيء منها، وما كلفه ذلك الشعب الذي وصفته كتبه المقدسة بأنه صلب الرقبة أو كما تقول العرب " عريض القفا " على قرب عهده بالوثنية وإحاطة الشعوب الوثنية به من كل جانب لا يليق بحال البشر في طور ارتقائهم، إذ لا يربى الرجل العاقل، بمثل ما يربى به الطفل أو اليافع. وفي سائر فصول سفر الخروج الثلاثة تفصيل لما قدمه بنو إسرائيل لصنع تلك الدار التي يقدس فيها الله، ولصنع الخيمة والتابوت وغير ذلك. وغرضنا منها معرفة حقيقة التابوت عندهم فإنك لتجد في بعض كتب التفسير وكتب القصص عندنا أقوالا غريبة عنه منها أنه نزل مع آدم من الجنة ومنشأ تلك الأقوال ما كان ينبذ به الإسرائيليون من القصص بين المسلمين مخادعة لهم، ليكثر الكذب في تفسيرهم للقرآن فيضلوا به، ويجد رؤساء اليهود مجالا واسعا للطعن في القرآن يصدون به قومهم عنه.
وفي آخر فصول سفر الخروج أن موسى عليه الصلاة والسلام وضع اللوحين اللذين فيهما شهادة الله أي وصايا لبني إسرائيل في التابوت، وفي كتبهم الأخرى أنه كان بعده عند فتاة يشوع أي ( يوشع ) وأنهم كانوا يستنصرون بهذا التابوت فإذا ضعفوا في القتال وجيء به وقدموه تثوب إليهم شجاعتهم، وينصرهم الله تعالى، أي ينصرهم بتلك الشجاعة التي تتجدد لهم بإحضار التابوت نفسه، ولذلك غلبوا على التابوت فأخذ منهم عندما ضعف يقينهم وفسدت أخلاقهم، فلم يغن عنهم التابوت شيئا كما قال الأستاذ الإمام رحمه الله تعالى.
أقول : وفي سفر تثنية الاشتراع أن موسى لما كمل كتابة هذه التوراة أمر اللاويين حاملي تابوت عهد الرب قائلا خذوا كتاب التوراة هذا وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم ليكون شاهدا عليكم.
ثم كانت حرب الفلسطينيين وبني إسرائيل على عهد عاليا أو عالي الكاهن فانتصر الفلسطينيون وأخذوا التابوت من بني إسرائيل بعد أن نكلوا بهم تنكيلا فمات عالي قهرا، وكان صموئيل الذي يدعى في الكتب العربية شمويل قاضيا لبني إسرائيل من بعده وهو نبيهم الذي طلبوا منه أن يبعث لهم ملكا ففعل كما تقدم، وجعل رجوع التابوت إليهم آية لملك طالوت الذي أقامه لهم وقالوا في سبب إتيان التابوت إن أهل فلسطين ابتلوا بعد أخذ التابوت بالفيران في زرعهم والبواسير في أنفسهم، فتشاءموا منه، وظنوا أن إله إسرائيل انتقم منهم فأعادوه على عجلة تجرها بقرتان، ووضعوا فيه صور فيران وصور بواسير من الذهب جعلوا ذلك كفارة لذنبهم.
ومن المدون في التاريخ المقدس عنهم أنه لما أحرق البابليون هيكل سليمان فقدت التوراة وتابوت العهد معا لأنهما قد أحرقا فيه.
وأما قوله تعالى في التابوت : فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون فقد كثرت فيه الروايات ومنها ما لا يدل عليه نقل ولا يقبله عقل، على أنها متعارضة لا يمكن الجمع بينها كما ترى في تفسير ابن جرير، وهو أم التفاسير، وقد أوردنا ما أوردنا من كتب اليهود ليعلم أن أكثر ما ذكر عن التابوت وعما فيه من الغرائب لا أصل له في تلك الكتب وإنما وحي الله تعالى ناطق بأن فيه سكينة. والسكينة في اللغة ما تسكن إليه النفس ويطمئن به القلب، وفي إتيان الصندوق سكينة لا تخفى لما كان له من الشأن الديني عند القوم، أو فيه ما يحدث لهم سكينة وهي الفيران والبواسير الذهب التي تدل على خوف العدو، أو الألواح أو رضاضتها، وهي البقية مما ترك آل موسى وآل هارون، وروي عن عطاء نحو ما قلناه.
قال ابن جرير وأولى هذه الأقوال بالحق في معنى السكينة ما قاله عطاء بن أبي رباح من أنها الشيء تسكن إليه النفوس من الآيات. وقوله : تحمله الملائكة يحتمل وجهين أحدهما : أن المراد بالملائكة صور الكروبين وقد حمل التابوت أي وضع عليهما كما تقول في وصف القصور والتماثيل المصنوعة : فيها فلان على فرس من نحاس، تريد تمثال الفرس وثانيهما : أن البقرتين اللتين حملتا التابوت من بعض الفلسطينيين إلى بني إسرائيل كانتا تسيران مسخرتين بإلهام الملائكة. وفي كتب القوم أن البقرتين اللتين جرتا عجلة التابوت لم يكن لهما قائد ولا سائق وما يجري بإلهام لا كسب فيه للبشر وهو من الخير يسند إلى إلهام الملائكة، روى نحو هذا ابن جرير قال : حدثنا الحسن قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول وكل بالبقرتين اللتين سارتا بالتابوت أربعة من الملائكة يسوقونهما الخ.
وختم الآية بقوله تعالى : إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين قالوا يحتمل أن يكون هذا تتمة كلام نبي بني إسرائيل لهم أي أن في مجيء التابوت علامة أو حجة لكم تدل على عناية الله بكم، واصطفائه لكم هذا الملك الذي ينهض بشؤونكم وينكل بأعدائكم، فعليكم أن ترضوا بملكه ولا تفرقوا عنه. ويحتمل أن يكون استئناف كلام منه تعالى لهذه الأمة معناه أن فيما أوحاه الله تعالى إلى نبيه عليه الصلاة والسلام من هذه القصة آية بينة على نبوته إذ لولا الوحي لما كان يعرفها وهو الأمي الذي لم يقرأ شيئا، ولا كان يعرف ما انطوت عليه من العبرة والفائدة، ولاسيما ما يعتبر في الملوك من الصفات التي تؤهلهم للقيام بأعباء السياسة وأعمال الرياسة، وإنما يكون ذلك آية بينة وعبرة نافعة لمن يؤمن بالله وآياته التي يؤيد بها أنبيائه ورسله عليهم السلام، لذلك قيدها بالشرط الذي حذف جوابه لدلالة الكلام عليه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:السنن الاجتماعية في القرآن والأمم والاستقلال :
أذكر ما يظهر لي من السنن والأحكام الاجتماعية في آيات هذه القصة مفصلة معدودة لعلها توعى، وتحفظ فلا تنسى إن شاء الله تعالى.
السنة الأولى : إن الأمم إذا اعتدي على استقلالها، وأوقع الأعداء بها، فهضموا حقوقها، تتنبه مشاعرها لدفع الضيم وتفكر في سبيله، فتعلم أنها الوحدة التي يمثلها الزعيم العادل، والقائد الباسل، فتتوجه إلى طلبه حتى تجده كما وقع من بني إسرائيل بعد تنكيل أهل فلسطين بهم.
الثانية : إن شعور الأمة بوجوب حفظ حقوقها، وصيانة استقلالها، إنما يكون على حقيقته وكماله في خواصها، فمتى كثر هؤلاء الخواص في أمة فإنهم هم الذين يطلبون الرئيس الذي يملك عليهم، كما علمت من إسناد طلب الملك إلى الملأ من بني إسرائيل وهم شيوخهم وأهل الفضل فيهم.
الثالثة : متى عظم الشعور في نفوس خواص الأمة بوجوب حفظ استقلالها، ودفع ضيم الأعداء عنها، فإنه لا يلبث أن يسري إلى عامتها، فيظن الناقص أن عنده من النعرة والحمية للأمة ما عند الكامل، حتى إذا خرجت من طور الفكر والشعور إلى طور العمل والظهور، انكشف عجز الأدعياء المدعين، ولم ينفع إلا صدق الصادقين، كما علم من قوله تعالى : فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قيلا منهم والله عليم بالظالمين .
الرابعة : إن من شأن الأمم الاختلاف في اختيار الرئيس الذي يكون له الملك عليها، والاختلاف مدعاة التفرق، فيجب أن يكون هناك مرجع يقبله الجمهور من الأمة. لذلك لجأ الملأ من بني إسرائيل إلى نبيهم وطلبوا منه أن يختار لهم رجلا يكون ملكا عليهم. وقد جعل الإسلام المرجع لاختيار إمام المسلمين مبايعة أولي الأمر لمن يختارونه من أنفسهم، وهم أهل الحل والعقد والمكانة في الأمة الذين هم عون السلطان وقوته باحترام الأمة لهم وثقتها بهم، لذلك لم ينصب النبي صلى الله عليه وسلم إماما للمسلمين في أمر الزعامة والحكم، ولكن استنبط بعض العظماء من الصحابة رضاء النبي صلى الله عليه وسلم بإمامة أبي بكر الدنيوية، بإنابته عنه في الإمامة الدينية، وهي إمامة الصلاة إذ أمر عندما اشتد مرضه، بأن يصلي أبو بكر بالناس مكانه، ومع هذا قال عمر : إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله المسلمين شرها. أي أن الشورى في انتخابه لم تكن تامة. وإنما كان هو الذي عجل بالبيعة خوفا من عاقبة طول أمد الخلاف مع إجماعهم على عدم دفن النبي صلى الله عليه وسلم قبل نصب الخليفة له، ولكن خلافته وإمامته ( رض ) لم تثبت بالفعل إلا بمبايعة الأمة له.
الخامسة : إن الناس لا يتفقون على التقليد أو الاتباع فيما يرونه مخالفا لمصلحتهم الاجتماعية، ولذلك اختلف بنو إسرائيل على نبيهم في جعل طالوت ملكا عليهم، واحتجوا على ذلك بما لا ينهض حجة إلا في ظن المنكرين. ومن عجيب أمر الناس أن كلا منهم يحسب أنه يعرف الصواب في السياسة ونظام الاجتماع في الأمم والدول، فلا تعرض مسألة على عامي إلا ويبدي فيها رأيا يقيم عليه دليلا على أن هذا العلم هو أعلى من سائر العلوم التي يعترف الجاهلون بها بجهلهم، فلا يحكمون فيها كما يحكمون في علم السياسة والاجتماع. وما يعقله إلا الأفراد من الناس، ومن فروع هذه القاعدة أن عامة المسلمين لهذا العهد يرون أن الدعوة إلى جعل الخلافة موافقة للقواعد الشرعية التي يعتقدونها مخالفة لمصلحتهم، وكثير منهم يعد الداعي إلى ذلك عدوا لهم بل للإسلام نفسه١.
السادسة : إن الأمم في طور الجهل ترى أن أحق الناس بالملك والزعامة أصحاب الثروة الواسعة كما علم من قول المنكرين على ملك طالوت في تأييد إنكارهم [ ولم يؤت سعة من المال ] وأصحاب الأنساب الشريفة، كما علم مما فسر به العلماء قوله لهم، ونحن أحق بالملك منه . فهذا الاعتقاد من السنن العامة في الأمم الجاهلة خاص، فإنها هي التي تخضع لأصحاب العظمة الوهمية، وهي التي ليست صفة لنفس صاحبها كالمال والانتساب إلى بعض العظماء في عرفهم، سواء كانت عظمتهم بحق أو بغير حق. هذا موضع الخطأ في تعظيم ذي النسب، ويشتد خطره إذا صار أهل الأنساب يستعلون على الناس بأنسابهم دون علومهم وأعمالهم. والقرآن لم يصرح بأن ذلك هو وجه قولهم أنهم أحق بالملك. وفي المسألة نظر لا محل هنا لبسطه، ولكن نقول بالإجمال إن الانتساب إلى أهل الشرف الحقيقي، وهم أصحاب المعارف الصحيحة والأخلاق الفاضلة، والنفوس الكريمة العزيزة له أثر في النفس عظيم، فإن سليل الشرفاء جدير بأن يحافظ على كرامة نفسه فلا يدنسها بالخيانة، ثم أنه لا بد أن يرث شيئا من فضائلهم النفسية فيكون استعداده للخير أعظم في الغالب.
وإنك لتجد الأمم الراقية في العلم والاجتماع تختار ملوكها من سلالة الملوك والأمراء وتحافظ على قوانين الوراثة في ذلك، وما ارتقى عن هذا إلا أصحاب الحكومة الجمهورية، وقد جاء حكم الإسلام في هذه المسألة وسطا لم يغفل أمر النسب بالمرة لئلا تتسع دائرة الخلاف بطمع كل قبيلة في الإمامة الكبرى، ولم يجعل الأمر في بيت معين لما في ذلك من الغوائل، بل جعله في قبيلة عظيمة كثيرة العدد لا تخلو ممن هو أهل للإمامة، وهي محترمة في نفسها كانت محترمة في العصر الأول، ويرجى أن يدوم احترامها ما دام الإسلام الذي أتم الله نعمته على البشر بجعل رسول الله وخاتم النبيين منها ألا وهي قريش. فمن الحكمة في ذلك أن تظل الرياسة العليا للأمة مرتبطة بتاريخ ماضيها وقوم مؤسسها كارتباط دينها بوطنه في عبادتها الشخصية والاجتماعية وهما الصلاة والحج.
السابعة : إن الشروط التي تعتبر في اختيار الرجل في الملك هي ما استفدناه من قوله تعالى : إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم الآية كما تقدم.
الثامنة : هي ما أفاده قوله تعالى : والله يؤتي ملكه من يشاء كما بيناه معززا بالشواهد من الكتاب العزيز على أن مشيئته تعالى إنما تنفذ بمقتضى سننه العامة في تغيير أحوال الأمم بتغييرهم ما في أنفسهم، وفي سلب ملك الظالمين وإيراث الأرض للصالحين، وتأويل هذه الآيات وأمثالها مشاهد في كل زمان، وأين المبصرون ؟ أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون ( الأنبياء : ٤٤ ) أو لم يسمعوا دعوة الأنبياء بقوله تعالى في سورة الشعراء : فاتقوا الله وأطيعون* ولا تطيعوا أمر المسرفين* الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ( الشعراء : ١٥٠- ١٥٢ ) أيظن المسلم الغافل أن مشيئة الله تعالى في قوله : قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء ( آل عمران : ٢٦ ) هي عبارة عن مخالفة سننه التي بينتها الآيات التي ذكرناها وما في معناها مما لم نذكره ؟ بل أقول ولا أخشى في الحق لومة لائم : أيظن المسلمون أن تنازع الأمم والدول على ممالكهم وسلبها من أيديهم مخالف لعدل الله العام وسننه الحكيمة التي جاء بها القرآن ؟ كلا إنه تعالى ما فرط في الكتاب من شيء، ولكنهم هم الذين فرطوا فذاقوا جزاء تفريطهم، فإن تابوا وأصلحوا تاب الله عليهم، وإلا فقد مضت سنة الأولين.
التاسعة : إن طاعة الجنود للقائد في كل ما يأمر به وينهى عنه شرط في الظفر واستقامة الأمر. وقوانين الجندية في هذا الزمان مبنية على طاعة الجيش لقواده في المنشط والمكره والمعقول وغير المعقول. فإذا أمر القائد بتسليم الديار أو الأموال أو الأنفس للأعداء وجب تسليمها في قانون كل دولة، نعم أنهم قرنوا بهذا الحق للقائد إيجابهم على أن يبرم الأمور باستشارة أهل الرأي في الفنون العسكرية وهم الذين يسمونهم أركان الحرب. ولكن هؤلاء ورئيسهم مقيدون بدستور الدولة العام، وبموافقة مجلس نواب الأمة على ما نص الدستور على وجوب موافقتهم عليه، ومن خالف ذلك يحاكم ويعاقب.
العاشرة : إن الفئة القليلة قد تغلب بالصبر والثبات وطاعة القواد، الفئة الكثيرة التي أعوزها الصبر والاتحاد، مع طاعة القواد، لأن نصر الله مع الصابرين ـ أي جرت سنته بأن يكون النصر، أثرا للثبات والصبر، وأن أهل الجزع والجبن هم أعوان لعدوهم على أنفسهم، وهذا مشاهد في كل زمان، وهو كثير لا مطرد كما جاء في الآية الكريمة.
الحادية عشرة : إن الإيمان بالله تعالى والتصديق بلقائه من أعظم أسباب الصبر والثبات في مواقف الجلاد، فإن الذي يؤمن بأن له إلها غالبا على أمره يمده بمعونته الإلهية، كما أمده بالقوى الروحية والجسدية، فإذا ظفر بإذنه كان مصلحا في الأرض مستعمرا فيها، وإذا قبضه إليه بانتهاء أجله المسمى كان في رحمته ناعما فيها، لهو جدير بأن يستخف بالأهوال، ويثبت في القتال ثبات الأجبال، وقد وافقنا كتاب الإفرنج في هذه المسألة، فصرحوا بأن من أسباب ثبات البوبر وبلائهم في حربهم للإنكليز كونهم أقوى إيمانا وأرسخ عقيدة، وجميع الأمم تشهد بأن الجيش العثماني أثبت جيوش العالم وأصبره وأشجعه، وقد تمنى قائد ألماني يعد من أشهر قواد الأرض لو أن له مئة ألف من هذا الجيش ليملك بها العالم، ذلك بأنه جيش يؤمن بلقاء الله تعالى إيمانا يقل في قواده من يساويه فيه٢.
الثانية عشرة : إن التوجه إلى الله تعالى بالدعاء مفيد في القتال كما يدل عليه قوله تعالى : فهزموهم بإذن الله إذ عطفها بالفاء على آية الدعاء، وذلك معقول المعنى فإن الدعاء هو آية ذلك الإيمان الذي بينا فائدته آنفا ولذلك قال عز وجل في سورة الأنفال : يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ( الأنفال : ٤٥ ) فيراجع تفسيرها في الجزء العاشر.
الثالثة عشرة : دفع الله الناس بعضهم ببعض من السنن العامة وهو ما يعبر عنه علماء الحكمة في هذا العصر بتنازع البقاء، ويقولون إن الحرب طبيعية في البشر لأنها من فروع سنة تنازع البقاء العامة. وأنت ترى أن قوله تعالى : ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ( البقرة : ٢٥١ ) ليس نصا فيما يكون بالحرب والقتال خاصة، بل هو عام لكل نوع من أنواع التنازع بين الناس الذي يقتضي المدافعة والمغالبة. ويظن بعض المتطفلين على علم السنن في الاجتماع البشري أن تنازع البقاء الذي يقولون إنه سنة عامة هو من أثرة الماديين في هذا العصر، وأنه جور وظلم، هم الواضعون له والحاكمون به، وأنه مخالف لهدى الدين، ولو عرف من يقولون هذا معنى الإنسان أو لو عرفوا أنفسهم، أو لو فهموا هذه الآية وما في معناها من سورة الحج لما قالوا ما قالوا.
الرابعة عشرة : قوله تعالى : لفسدت الأرض يؤيد السنة التي يعبر عنها علماء الاجتماع بالانتخاب الطبيعي أو بقاء الأمثل. ووجه ذلك جعل هذا من لوازم ما قبله، فإنه تعالى يقول إن ما فطر عليه الناس من مدافعة بعضهم بعضا من الحق والمصالحة هو المانع من فساد الأرض أي هو سبب بقاء الحق وبقاء الصلاح. ويعزز ذلك قوله تعالى في بيان حكمة الإذن للمسلمين بالقتال في سورة الحج :{ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير* الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا، ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز* الذين إن مكناهم في الأرض وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأ


تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير