ﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻ

)وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) ( البقرة : ٢٤٨ )
التفسير :
قوله تعالى : وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت ؛ آية يعني علامة، كما قال تعالى : أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل [ الشعراء : ١٩٧ ] يعني علامة تدل على أنه حق.
قوله تعالى : أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم ؛ أنْ ، وما دخلت عليه في تأويل مصدر خبر إنّ ؛ و التابوت شيء من الخشب، أو من العاج يشبه الصندوق ؛ ينزل، ويصطحبونه معهم، وفيه السكينة - يعني أنه كالشيء الذي يسكنهم، ويطمئنون إليه - ؛ وهذا من آيات الله.
قوله تعالى : وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون وهم الأنبياء تركوا العلم، والحكمة ؛ لأن الأنبياء لم يورِّثوا درهماً، ولا ديناراً ؛ وإنما ورثوا العلم ؛ فهذا التابوت كان مفقوداً، وجاء به هذا الملِك الذي بعثه الله لهم، وصار معهم يصطحبونه في غزواتهم فيه السكينة من الله سبحانه وتعالى : أنهم إذا رأوا هذا التابوت سكنت قلوبهم، وانشرحت صدورهم ؛ وفيه أيضاً مما ترك آل موسى، وآل هارون - عليهما الصلاة والسلام - من العلم، والحكمة.
وقوله تعالى : آل موسى وآل هارون ؛ خص موسى، وهارون - عليهما الصلاة والسلام -، لأنهما جاءا برسالة واحدة.
وقوله تعالى : تحمله الملائكة : الجملة حال من التابوت ؛ و الملائكة عالم غيبي خلقوا من نور ؛ وسبق الكلام مبسوطاً في أحوالهم١.
قوله تعالى : إن في ذلك لآية بالنصب اسم إن مؤخراً ؛ والمشار إليه :«التابوت تحمله الملائكة، وفيه سكينة من الله، وبقية مما ترك آل موسى، وآل هارون ».
قوله تعالى : إن كنتم مؤمنين أي ذوي إيمان.
الفوائد :
١ - من فوائد الآية : رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده، حيث يؤيد الأمور بالآيات لتقوم الحجة ؛ لقوله تعالى : وقال لهم نبيهم إن آية ملكه ؛ ولو شاء الله عزّ وجلّ لفعل ما يفعل بدون آية، وانتقم من المكذبين، والمستكبرين ؛ ولكن من رحمته عزّ وجلّ أنه يبعث بالآيات حتى تطمئن القلوب، وحتى تقوم الحجة ؛ ولهذا ما من رسول أرسل إلا أوتي ما على مثله يؤمن البشر ؛ وحصول الآيات حكمة ظاهرة ؛ لأنه لو خرج رجل من بيننا، وقال : أنا رسول الله إليكم :«افعلوا ما آمركم به، واتركوا ما أنهاكم عنه ؛ وإلا فإن دماءكم وأموالكم حلال لي » ؛ فإنه لا يطاع ؛ ولكن من رحمة الله عزّ وجلّ، وحكمته أن جعل للرسل آيات حتى تقوم الحجة، ويستجيب الناس.
٢ - ومن فوائد الآية : ما في التابوت من الآيات العظيمة، حيث كان هذا التابوت مشتملاً على ما تركه آل موسى، وآل هارون من العلم، والحكمة من وجه ؛ وكان أيضاً سكينة للقوم تسكن إليه نفوسهم، وقلوبهم، ويزدادون قوة في مطالبهم.
٣ - ومنها : أن للسكينة تأثيراً على القلوب ؛ لقوله تعالى : فيه سكينة من ربكم ؛ وتأمل كيف أضافه إلى ربوبيته إشارة إلى أن في ذلك عناية خاصة لهؤلاء القوم ؛ والسكينة إذا نزلت في القلب اطمأن الإنسان، وارتاح، وانشرح صدره لأوامر الشريعة، وقَبِلها قبولاً تاماً.
٤ - ومنها : إثبات الملائكة ؛ لقوله تعالى : تحمله الملائكة ؛ وفي قوله تعالى : الملائكة دليل على أن التابوت كبير.
٥ - ومنها : أن الآيات إنما ينتفع بها المؤمن ؛ لقوله تعالى : إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين .
٦ - ومنها : تأكيد الشيء بأدوات التأكيد، والتكرار ؛ وهنا في هذه الآية اجتمع التكرار، والأدوات ؛ فقوله تعالى : إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت ، ثم قوله تعالى : إن في ذلك لآية لكم : فهذا أكد بالتكرار ؛ وأكد أيضاً ب إن ، واللام : إن في ذلك لآية لكم : فهذا أكد بالأدوات.
٧ - ومنها : فضيلة الإيمان، وأن الإيمان أكبر ما يكون تأثيراً في الانتفاع بآيات الله عزّ وجلّ ؛ لقوله تعالى : إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين .
٨ - ومنها : أن الإنسان إذا ازداد إيماناً ازداد فهماً لكتاب الله سبحانه وتعالى، وسنّة رسوله ( ص ) ؛ لأن الشيء إذا علق على وصف فإنه يزداد بزيادة ذلك الوصف، وينقص بنقصانه ؛ فكلما تم الإيمان كان انتفاع الإنسان بآيات الله أكثر، وفهمه لها أعظم.
٩ - ومنها : أن الملائكة أجسام ؛ لقوله تعالى : تحمله الملائكة ؛ وأما قول من يقول : إنهم عقول فقط ؛ أو أنهم أرواح، وليس لهم أجسام فقول ضعيف ؛ بل باطل ؛ لأن الله تعالى يقول : جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة [ فاطر : ١ ] ؛ والنبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل على خلقته - أو على صورته - التي خلق عليها له ستمائة جناح قد سد الأفق٢.

١ انظر ٢/٢٧٥..
٢ راجع البخاري ص٤١٥، كتاب التفسير، ٥٣ سورة النجم، باب (لقد رأى من آيات ربه الكبرى)، حديث رقم ٤٨٥٨، وصحيح مسلم ص٧٠٨، كتاب الإيمان، باب ٧٧: معنى قول الله عز وجل: (ولقد رءاه نزلة أخرى...)، حديث رقم ٤٣٢ [٢٨٠] ١٧٤..

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن صالح بن محمد عثيمين المقبل الوهيبي التميمي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير