وأفعالهم والاشارة ان القوم لما أظهروا خلاف ما اضمروا وزعموا غير ما كتموا عرض نقد دعواهم على محك معناهم فما أفلحوا عند الامتحان إذ عجزوا عن البرهان وعند الامتحان يكرم الرجل او يهان: قال الحافظ خود بود كر محك تجربه آمد بميان تا سيه روى شود هر كه دروغش باشد وهذه حال المدعين من اهل السلوك وغيرهم قال اهل الحقيقة عللوا القتال بما يرجع الى حظوظهم فخذلوا ولو قالوا كيف لا نقاتل وقد عصوا الله وخربوا بلاد الله وقهروا عباد الله واطفأوا نور الله لنصروا. وأفادت الآية ان خواص الله فيهم قليلة قال تعالى وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ وهذا فى كل زمان لكن الشيء العزيز القليل أعلى بهاء من الكثير الذليل: قال السعدي قدس سره
خاك مشرق شنيده ام كه كنند... بچهل سال كاسه چينى
صد بروزى كنند در بغداد... لاجرم قيمتش همى بينى
وانما كان اهل الحق اقل مع ان الجن والانس انما خلقوا لاجل العبادة كما قال تعالى وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ لان المقصود الأعظم هو الإنسان الكامل وقد حصل أو لأن المهديين وان قلوا بالعدد لكنهم كثيرون بالفضل والشرف كما قيل قليل إذا عدوا كثير إذا شدوا اى أظهروا الشدة. وقد روى عن ابن مسعود رضى الله عنه السواد الأعظم هو الواحد على الحق والحكمة لا تقتضى اتفاق الكل على الإخلاص والإقبال الكلى على الله فان ذلك مما يخل بامر المعاش ولذلك قيل لولا الحمقى لخربت الدنيا بل تقتضى ظهور ما أضيف اليه كل من اليدين فللواحدة المضاف إليها عموم السعداء الرحمة والجنان وللاخرى القهر والغضب ولوازمهما فلا بد من الغضب لتكميل مرتبة قبضة الشمال فانه وان كان كلتا يديه يمينا مباركة لكن حكم كل واحدة يخالف الاخرى فعلى العاقل ان يحترز من اسباب الغضب ويجتهد في نيل كرم الرب قال على كرم الله وجهه [من ظن انه بدون الجهد يصل فهو متمن ومن ظن انه بذل الجهد فهو متعن] اللهم أفض علينا من سجال فضلك وكرمك وأوصلنا إليك بك يا ارحم الراحمين وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ وذلك ان اشمويل لما سأل الله تعالى ان يبعث لهم ملكا اتى بعصا وقرن فيه دهن القدس وقيل له ان صاحبكم الذي يكون ملكا طوله طول هذه العصا وانظر القرن الذي فيه الدهن فاذا دخل عليك رجل ونش الدهن الذي في القرن فهو ملك بنى إسرائيل فدهن به رأسه وملك عليهم قال وهب ضلت حمر لابى طالوت فارسله وغلاما له في طلبها فمرا ببيت اشمويل فقال الغلام لو دخلنا على هذا النبي فسألنا عن الحمر ليرشدنا ويدعو لنا بحاجتنا فدخلا عليه فبينماهما عنده يذكر ان له شأن الحمر إذ نش الدهن الذي في القرن فقام اشمويل فقاس طالوت بالعصا فكان على طولها فقال لطالوت قرب رأسك فقربه فدهنه بدهن القدس ثم قال له أنت ملك بنى إسرائيل الذي أمرني الله ان أملكه عليهم قال بأى آية قال بآية انك ترجع وقد وجد أبوك حمره فكان كذلك ثم قال اشمويل لبنى إسرائيل إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ اسم أعجمي ممتنع من الصرف لتعريفه وعجمته مَلِكاً حال منه اى فاطيعوه وقاتلوا عدوكم معه قالُوا متعجبين من ذلك ومنكرين قيل انهم كفروا بتكذيبهم نبيهم وقيل كانوا مؤمنين لكن تعجبوا وتعرفوا وجه الحكمة
فى تمليكه كما قال الملائكة أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا من أين يكون له ذلك ويستأهل وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ اولى بالرياسة عليه منه بالرياسة علينا وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ اى لم يعط تروه وكثرة من المال فيشرف بالمال إذا فاته الحسب يعنى كيف يتملك علينا والحال انه لا يستحق التملك لوجود من هو أحق منه ولعدم ما يتوقف عليه الملك من المال ولا بد للملك من مال يقتصد به. وسبب هذا الاستبعاد ان النبوة كانت مخصوصة بسبط معين من أسباط بنى إسرائيل وهو سبط لاود بن يعقوب ومنه كان موسى وهارون وسبط المملكة سبط يهودا بن يعقوب ومنه كان داود وسليمان ولم يكن طالوت من أحد هذين السبطين بل هو من ولد بنيامين بن يعقوب وكانوا عملوا ذنبا عظيما ينكحون النساء على ظهر الطريق نهارا فغضب الله عليهم ونزع الملك والثروة منهم وكانوا يسمونه سبط الإثم وكان طالوت يتحرف بحرفة دنية كان رجلا دباغا يعمل الادم فقيرا او سقاء او مكاريا قالَ لهم نبيهم ردا عليهم إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ اى اختاره فان لم يكن له نسب ومال فله فضيلة اخرى وهو قوله وَزادَهُ بَسْطَةً اى سعة وامتدادا فِي الْعِلْمِ المتعلق بالملك او به وبالديانات ايضا وَالْجِسْمِ بطول القامة وعظم التركيب لان الإنسان يكون أعظم في النفوس بالعلم وأهيب في القلوب بالجسم وكان أطول من غيره برأسه ومنكبيه حتى ان الرجل القائم كان يمد يده فينال رأسه لما استبعدوا تملكه بسقوط نسبه وبفقره رد عليهم ذلك اولا بان ملاك الأمر هو اصطفاء الله وقد اختاره عليكم وهو اعلم بالمصالح منكم وثانيا بان العمدة فيه وفور العلم ليتمكن به من معرفة امور السياسة وجسامة البدن ليعظم
خطره في القلوب ويقدر على مقاومة الأعداء ومكابدة الحروب وقد خصه الله تعالى منهما بحظ وافر وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ لما انه مالك الملك والملكوت فعال لما يريد فله ان يؤتيه من يشاء من عباده وَاللَّهُ واسِعٌ يوسع على الفقير ويغنيه عَلِيمٌ بمن يليق بالملك ممن لا يليق به وفي التأويلات النجمية انما حرم بنوا إسرائيل من الملك لانهم كانوا معجبين بانفسهم متكبرين على طالوت ناظرين اليه بنظر الحقارة من عجبهم قالوا ونحن أحق بالملك منه ومن تكبرهم عليه قالوا أنى يكون له الملك علينا ومن تحقيرهم إياه قالوا ولم يؤت سعة من المال فلما تكبروا وضعهم الله وحرموا من الملك: قال السعدي قدس سره
| يكى قطره باران ز ابرى چكيد | خجل شد چو پهناى دريا بديد |
| كه جايى كه درياست من كيستم | كر او هست حقا كه من نيستم |
| چوخود را بچشم حقارت بديد | صدف در كنارش بجان پروريد |
| سپهرش بجايى رسانيد كار | كه شد نامور لؤلوى شاهوار |
| بلندى از ان يافت كو پست شد | در نيستى كوفت تا هست شد |
للشاربين. قالوا يخلق الله اللبن وسيطابين الفرث والدم يكتنفانه وبينه وبينهما برزخ من قدرة الله لا ينبغى أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة بل هو خالص من ذلك كله. قيل إذا أكلت البهيمة العلف فاستقر في كرشها وهو من الحيوان بمنزلة المعدة من الإنسان طبخته فكان أسفله فرثا وأوسطه مادة اللبن وأعلاه مادة الدم والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها فتجرى الدم في العروق واللبن في الضروع وتبقى الفرث في الكرش فسبحان الله ما أعظم قدرته وألطف حكمته لمن تأمل والإنسان له استعداد الصلاح والفساد فتارة يظهر في الأولاد الصلاح المبطون في الآباء وتارة يكون الأمر بالعكس وامر الإيجاد يدور على الإظهار والإبطان فانظر الى آدم وابنيه قابيل وهابيل ثم وثم الى انتهاء الزمان. والحاصل ان طالوت ولو كان اخس الناس عند بنى إسرائيل لكنه عظيم شريف عند الله لما ان النظر الإلهي إذا تعلق بحجر يجعله جوهرا وبشوك يجعله وردا وريحانا فلا معترض لحكمه ولاراد لقضائه فالوضيع من وضعه الله وان كان قد رفعه الناس والرفيع من رفعه الله وان كان قد وضعه الناس. والعاقل إذا تأمل أمثال هذا يجد من نفسه الانصاف والسكوت وتفويض الأمر الى الحي الذي لا يموت والله يقول الحق وهو يهدى السبيل وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ طلبوا علامة من نبيهم على كون طالوت ملكا عليهم فقالوا ما آية ملكه فقال إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ اى علامة سلطنته أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ من التوب وهو الرجوع وسمى تابوتا لانه ظرف توضع فيه الأشياء وتودع فلا يزال يرجع اليه ما يخرج منه وصاحبه يرجع اليه فيما يحتاج اليه من مودعاته والمراد به صندوق التوراة وكان قد رفعه الله بعد وفاة موسى عليه السلام سخطا على بنى إسرائيل لما عصوا واعتدوا فلما طلب القوم من نبيهم آية تدله على ملك طالوت قال لهم ان آية ملكه ان يأتيكم التابوت من السماء والملائكة يحفظونه فاتاهم كما وصف والقوم ينظرون اليه حتى نزل عند طالوت وهذا قول ابن عباس رضى الله عنهما. وقال ارباب الاخبار ان الله تعالى انزل على آدم عليه السلام تابوتا فيه تماثيل الأنبياء عليهم السلام من أولاده وكان من عود الشمشار ونحوا من ثلاثة اذرع في ذراعين فكان عند آدم عليه السلام الى ان توفى فتوارثه أولاده واحد بعد واحد الى ان وصل الى يعقوب عليه السلام ثم بقي في أيدي بنى إسرائيل الى ان وصل الى موسى عليه السلام فكان يضع فيه التوراة ومتاعا من متاعه وكان إذا قاتل قدمه فكانت تسكن اليه نفوس بنى إسرائيل وكان عنده الى ان توفى ثم تداولته أيدي بنى إسرائيل وكانوا إذا اختلفوا في شىء تحاكموا اليه فيكلمهم ويحكم بينهم وكانوا إذا حضروا القتال يقدمونه بين أيديهم ويستفتحون به على عدوهم وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر ثم يقاتلون العدو فاذا سمعوا في التابوت صيحة استيقنوا النصر فلما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وسلبوه وجعلوه في موضع البول والغائط فلما أراد الله ان يملك طالوت سلط الله عليهم البلاء حتى ان كل من بال عنده ابتلى بالبواسير وهلكت من بلادهم خمس مدائن فعلم الكفار ان ذلك سبب استهانتهم بالتابوت فاخرجوه وجعلوه على عجلة وعقلوها على ثورين فاقبل الثوران يسيران وقد وكل الله بهما اربعة من الملائكة يسوقونهما حتى أتيا
صفحة رقم 385
منزل طالوت فلما سألوا نبيهم البينة على ملك طالوت قال لهم النبي ان آية ملكه انكم تجدون التابوت في داره فلما وجدوه عنده أيقنوا بملكه فالاتيان على هذا مجاز لانه اتى به ولم يأت هو بنفسه فنسب الإتيان اليه توسعا كما يقال ربحت التجارة وعلى الوجه الاول حقيقة فِيهِ اى في إتيان التابوت سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ اى سكون لكم وطمأنينة كائنة من ربكم او الضمير للتابوت قال بعض المحققين السكينة تطلق على ثلاثة أشياء بالاشتراك اللفظي. أولها ما اعطى بنوا إسرائيل في التابوت كما قال تعالى إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ قال المفسرون هي ريح ساكنة طيبة تخلع قلب العدو بصوتها رعبا إذا التقى الصفان وهي معجزة لانبيائهم وكرامة لملوكهم. والثانية شىء من لطائف صنع الحق يلقى على لسان المحدث الحكمة كما يلقى الملك الوحى على قلوب الأنبياء مع ترويح الاسرار
وكشف السر. والثالثة هي التي أنزلت على قلب النبي عليه السلام وقلوب المؤمنين وهي شىء يجمع نورا وقوة وروحا يسكن اليه الخائف ويتسلى به الحزين كما قال تعالى فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وقال بعضهم التابوت هو القلب والسكينة ما فيه من العلم والإخلاص وذكر الله الذي تطمئن اليه القلوب وإتيانه تصيير قلبه مقر العلم والوقار بعد ان لم يكن كذلك وَبَقِيَّةٌ كائنة مِمَّا من للتبعيض تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ هما رضاض الألواح وعصا موسى من آس الجنة وثيابه ونعلاه وعمامة هارون وشىء من التوراة وخاتم سليمان وقفيز من المن وهو الترنجبين الذي كان ينزل على بنى إسرائيل ويأكلونه في ارض التيه. وآلهما أنفسهما والآل مقحم او انباؤهما او اتباعهما تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ حال من التابوت اى ان آية ملكه إتيانه حال كونه محمولا للملائكة او استئناف كأنه قيل كيف يأتى فقيل تحمله الملائكة ثم ان التابوت لم تحمله الملائكة في الروايتين بل نزل من السماء الى الأرض بنفسه والملائكة كانوا يحفظونه في الرواية الاولى واتى به على العجلة وعلى الثورين بسوق الملائكة على الرواية الاخيرة وانما أضيف الحمل في القولين جميعا الى الملائكة لان من حفظ شيأ في الطريق جاز ان يوصف بانه حمل ذلك الشيء وان لم يحمله بل كان الحامل غيره كما يقول القائل حملت الامتعة الى زيد إذا حفظها في الطريق وان كان الحامل غيره إِنَّ فِي ذلِكَ يحتمل ان يكون من تمام كلام النبي وان يكون ابتداء خطاب من الله اى في رد التابوت ايها الفريق لَآيَةً عظيمة لَكُمْ دالة على ملك طالوت وصدق قول نبيكم في ان الله جعله ملكا فانه امر مناقض للعادة إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ مصدقين بالله فصدقوا بتمليكه عليكم وفي الآية اشارة الى ان آية ملك الخلافة للعبد ان يظفر بتابوت قلب فيه سكينة من ربه وهي الطمأنينة بالايمان والانس مع الله وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون وهي عصا الذكر كلمة لا اله الا الله وهي كلمة التقوى وهي الحية التي إذا فتحت فاها تلقف سحرة صفات فرعون النفس فعصا ذكر الله في تابوت القلوب وقد أودعها الله بين إصبعي جماله وجلاله كما قال عليه السلام (قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن) فبصفة الجلال يلهمها فجورها وبصفة الإكرام يلهمها تقواها كما قال تعالى فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ولم يستودعها ملكا مقربا ولانبيا مرسلا فشتان بين امة سكينتهم فيما للاعداء عليه تسلط وبين امة
روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء