ﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩ

قوله تعالى : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون ( ٢٨ )
وفيه مسألتان :
[ ١٢ ] : المسألة الأولى : في تفسير الموتتين والحياتين في الآية.
يرى ابن حزم أن الموتة الأولى : هي حينما كانت الأرواح متفرقة عن الأجساد قبل خلقها، ثم اجتمعتا فكانت الحياة الأولى، ثم افترقنا فكانت الموتة الثانية، وهي فراق الأنفس للأجساد، ثم يكون الإحياء الثاني : وهو اجتماعهما يوم القيامة.
قال ابن حزم :
الموت إنما هو أن يكون الجسد مفارقا للنفس، فإن الحياة اجتماع النفس والجسد، فكانا مفترقين فكنا أمواتا، ثم اجتمعنا فحيينا، ثم تفرقنا فمتنا، ثم يجتمعان فنحيا١.
وقال في موضع آخر :
الموتة الأولى : هي افتراق الأرواح عن الأجساد أول خلق الله عز وجل، إذ أخذ العهد عليها. قال الله عز وجل : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالو ابلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ١٧٢ ٢.
فصح يقينا أن الأرواح كلها كانت من حينئذ مخلوقة، أجساما، موجودة، عاقلة، عالمة، مميزة، ملزمة عهد الله عز وجل والإيمان به.
ثم كانت الحياة الأولى : وهي جمع الأرواح والأجساد في الدنيا، ثم كانت الموتة الثانية التي لا بد منها، وترجع الأرواح إلى حيث رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء٣ عند سماء الدنيا ؛ أرواح أهل السعادة عن يمين آدم عليه السلام، وأرواح أهل الشقاوة عن يساره٤.
ثم يكون الإحياء الثاني : وهو جمع الأرواح والأجساد ثانية يوم القيامة، ثم خلود لا موت فيه أبد الأبد بلا نهاية إلا عيسى عليه السلام٥ ومن أحياه الله تعالى علامة لنبوة نبي٦، أو آية٧، ثم أماتهم، فإن هؤلاء خصوا بنص القرآن بحياة ثالثة، وموتة ثالثة فقط
* دليله :
١ قوله تعالى : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون ٨
٢ وقوله تعالى : ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل ٩ ١٠
[ ١٣ ] : المسألة الثانية : هل ترد الروح للجسد عند المساءلة في القبر
يرى ابن حزم أن الروح لا ترد للجسد عند المساءلة في القبر، والمساءلة إنما هي الروح فقط ؛ لأنها لو ردت للبدن، للزم من ذلك أن الله أحيانا ثلاثا، وأماتنا ثلاثا، وهذا مخالف للآية
وابن حزم يثبت عذاب القبر ونعيمه، لكن للروح فقط، دون الجسد
قال ابن حزم :
فتنة القبر وعذابه والمساءلة إنما هي للروح فقط، بعد فراقه للجسد إثر ذلك، قبر أو لم يقبر
برهان ذلك :
١ قول الله تعالى : ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم ١١
وهذا قبل يوم القيامة بلا شك، وإثر الموت، وهذا هو عذاب القبر
٢ وقال تعالى : وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ١٢
٣ وقال الله تعالى : النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ٤٦ ١٣
فهذا العرض المذكور هو عذاب القبر، وإنما قيل عذاب القبر فأضيف إلى القبر لأن المعهود في أكثر الموتى أنهم يقبرون
٤ وأما من ظن أن الميت يحيي في قبره فخطأ ؛ لأن الآيات التي ذكرنا١٤ تمنع من ذلك، ولو كان ذلك لكان الله تعالى قد أماتنا وأحيانا ثلاثا، وهذا باطل، وخلاف القرآن
٥ وقوله تعالى : الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون٤٢ ١٥
فصح بنص القرآن أن روح من مات لا ترجع إلى جسده إلا إلى الأجل المسمى، وهو يوم القيامة
٦ وكذلك أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى الأرواح ليلة أسري به عند سماء الدنيا، عن يمين آدم عليه السلام : أرواح أهل السعادة، وعن شماله : أرواح أهل الشقاء١٦
٧ وأخبر عليه السلام يوم بدر١٧، إذ خاطب القتلى وأخبر أنهم وجدوا ما توعدهم به حقا قبل أن يكون لهم قبور، فقال المسلمون : يا رسول الله : أتخاطب قوما قد جيفوا فقال عليه السلام : " ما أنتم بأسمع لما أقول منهم " ١٨
فلم ينكر عليه السلام على المسلمين قولهم : إنهم قد جيفوا وأعلمهم أنهم سامعون
فصح أن ذلك لأرواحهم فقط بلا شك، وأما الجسد فلا حس له
٨ ولم يأت قط عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خبر يصح أن أرواح الموتى ترد إلى أجسادهم عند المساءلة، ولو صح ذلك عنه عليه السلام لقلنا به، فإذ لا يصح فلا يحل لأحد أن يقوله
وإنما انفرد بهذه الزيادة من رد الأرواح المنهال بن عمرو١٩ ٢٠ وحده، وليس بالقوي، تركه شعبة٢١ وغيره، وسائر الأخبار الثابتة على خلاف ذلك٢٢.
وهذا الذي قلنا هو الذي صح أيضا عن الصحابة رضي الله عنهم لم يصح عن أحد منهم غير ما قلنا.
كما حدثنا محمد بن سعيد بن نبات، حدثنا إسماعيل بن إسحاق، حدثنا عيسى بن حبيب، حدثنا [ عبد الرحمن بن عبد الله ] ٢٣ بن محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، عن جده محمد بن عبد الله، عن سفيان بن عيينة، عن منصور بن صفية، عن أمه صفية بنت شيبة قالت : دخل ابن عمر المسجد فأبصر ابن الزبير مطروحا قبل أن يصلب، فقيل له : هذه أسماء بنت أبي بكر الصديق، فمال إليها فعزاها وقال : " إن هذه الجثث ليست بشيء، وإن الأرواح عند الله. فقالت : وما يمنعني وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل " ٢٤.
١٠ وحدثنا محمد بن نبات، ثنا أحمد بن عون الله، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني، ثنا أبو موسى محمد بن المثنى الزمن، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص عن ابن مسعود، في قول الله عز وجل : ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ٢٥ قال ابن مسعود : هي التي في البقرة : وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ٢٦ ٢٧.
١١ فهذا ابن مسعود وأسماء بنت أبي بكر الصديق، وابن عمر رضي الله عنهم، ولا مخالف لهم من الصحابة رضي الله عنهم تقطع أسماء وابن عمر أن الأرواح باقية عند الله، وأن الجثت ليست بشيء، ويقطع ابن مسعود بأن الحياة مرتان، والوفاة كذلك وهذا قولنا وبالله التوفيق.
١٢ وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى موسى عليه السلام قائما في قبره يصلي ليلة الإسراء٢٨ وأخبر أنه رآه في السماء السادسة، أو السابعة٢٩، وبلا شك إنما رأى روحه، وأما جسده فموارى بالتراب بلا شك.
فعلى هذا أن موضع كل روح يسمى قبرا له، فتعذب الأرواح حينئذ، وتسأل حيث كانت، وبالله تعالى التوفيق٣٠.

١ الأصول والفروع ١٧.
٢ الأعراف: ١٧٢.
٣ حديث الإسراء، أخرجه البخاري من حديث أنس بن مالك في كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء حديث (٣٤٩) وفي كتاب أحاديث الأنبياء باب ذكر إدريس عليه السلام حديث (٣٣٤٢) وأخرجه مسلم، في كتاب الإيمان، باب الإسراء، برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات وفرض الصلوات، حديث ١٦٣.
٤ وقال في موضع آخر: ثم ينقلنا بالموت الثاني ـ الذي هو فراق الأنفس الأجساد ثانية ـ إلى البرزخ الذي تقيم فيه الأنفس إلى يوم القيامة، وتعود أجسامنا ترابا. الفصل (١٥٨/٢)
وقال في بيان دار البرزخ: هي التي ترجع إليها النفوس عند خروجها من هذه الدار وفراقها أجسادها وهي عند سماء الدنيا الفصل (١٦٠/٢) بتصرف يسير..

٥ يرى ابن حزم أن عيسى عليه السلام أماته الله عز وجل ثم رفعه إليه وأنه ينزل في آخر الزمان، وهذا إحياء ثلاث والذي عليه الجمهور أن الله تعالى رفعه إليه، ولم يمت بعد انظر رأي ابن حزم في: الدرة (١٩٨ـ ١٩٩) والمحلى (٤٣/١) ورأي الجمهور في: تفسير القرطبي (٦٥/٤) وتفسير ابن كثير (٣٧٤/١) وشرح العقيدة الواسطية (٣٢٨) ومجموع الفتاوى (٣٢٢/٤).
٦ كإحياء عيسى الموتى بإذن الله قال تعالى: ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ٤٩ [آل عمران ٤٩]
وكإحياه سبحانه الموتى أية لموسى عليه السلام، قال تعالى: وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون ٧٢ فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون٧٣ [البقرة الآيتان: ٧٣، ٧٢].

٧ كقوله تعالى: ألم ترى إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف ح١ر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ٢٤٣ [البقرة: ٢٤٣] وقوله تعالى: أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير٢٥٩ [البقرة: ٢٥٩].
٨ البقرة: ٢٨.
٩ غافر: ١١.
١٠ الدر فيما يجب اعتقاده (٢٠٩ـ ٢١١) وانظر: الفصل (١٥٨/٢) (٢٦٩/٣)، والمحلى (٤٢/١ـ٤٤).
١١ الأنعام: ٩٣.
١٢ أل عمران: ١٨٥.
١٣ غافر: ٤٦.
١٤ هي قوله تعالى: كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون ٢٨ [البقرة: ٢٨]
وقوله تعالى: ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين [غافر: ١١].

١٥ الزمر: ٤٢.
١٦ سبق تخريجه ص ٦٣.
١٧ بدر: قريةصغيرة قرب "المدينة المنورة" على طريق القوافل بين مكة والشام، يتزود المسافرون من بئرها بالماء، وقعت فيها غزوة بدر الكبرى في ١٧ من رمضان في السنة الثانية من الهجرة وانتصر فيها المسلمون على المشركين انظر: معجم البلدان (٣٥٧/١ ـ ٣٥٨) وتهذيب الأسماء واللغات (٣٧/١).
١٨ أخرجه البخاري من حديث ابن عمر في كتاب الجنائز باب ما جاء في عذاب القبر، حديث (١٣٧٠) ومن حديث أبي طلحة في كتاب المغازي، باب قتل أبي جهل حديث (٣٩٧٦) ومن حديث ابن عمر في كتاب المغازي الباب الثاني عشر، حديث (٤٠٢٦)
وأخرجه مسلم في من حديث أنس بن مالك عن عمر، في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، حديث (٢٨٧٣) وحديث (٢٨٧٥).

١٩ هو المنهال بن عمرو الأسدي مولاهم الكوفي، توفي سنة بضع عشرة ومائة، وثقه ابن معين والنسائي والعجلي وابن حبان، وقال ابن حجر: صدوق ربما وهم. انظر: الجرح والتعديل (٣٥٦/٨) تهذيب التهذيب (٢٨٣/١٠) التقريب (٢٨٣/٢).
٢٠ مراد ابن حزم بالزيادة هي قوله صلى الله عليه وسلم: "فتعاد روحه إلى جسده"
وقد جاءت هذه الزيادة من طريق المنهال بن عمرو، عن زاذان عن البراء بن عازب رضي الله عنه. والحديث بطوله: "عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله، وكأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت في الأرض، فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر، مرتين، أو ثلاثا، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة؛ نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت ـ عليه السلام ـ حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة. اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان. قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها، فلا يمرون ـ يعني بها ـ على ملإ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان. بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون، له فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي به إلى السماء السابعة، فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى. قال: فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيقولا ن له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت فينادي مناد في السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة. قال: فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره، قال: ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول: أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير. فيقول: أنا علمك الصالح فيقول: رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي. قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب. قال: فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملإ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهي به إلى السماء الدنيا فيستفتح له فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى. فتطرح روحه طرحا، ثم قرأ: ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولا له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فينادي مناد من السماء أن كذب فافرشوا له من النار وافتحوا له بابا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول: أبشر بالذي يسوءك هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: من أنت فوجهك الوجه يجيء بالشر. فيقول: أنا عملك الخبيث. فيقول: رب لا تقم الساعة" أهـ من مسند الإمام أحمد حديث (١٨٤٩١)
والحديث أخرجه:
ابن المبارك في الزهد (٤٣٠ـ ٤٣١) وأبو داود الطيالسي في مسنده حديث (٧٥٣) ص (١٠٢) وابن أبي شيبة في المصنف (٢٥٦/٣) والإمام أحمد في مسنده حديث (١٨٤٩١) و(١٨٤٩٢) و (١٨٤٩٣) و (٣٨٩/٤ـ٣٩٠) وهناد بن السري في الزهد (٢٠٥/١) وأبو داود في كتاب السنة، باب المسألة في القبر وعذاب القبر، حديث (٤٧٥٣) و (٤٧٥٤) والروياني في مسنده (٢٦٣/ ١ـ ٢٦٤) والطبري في تفسيره (٤٤٨/٧) والحاكم في المستدرك حديث (١٠٧) (٩٣/١) وقال: "صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي" والبيهقي في إثبات عذاب القبر (٣٧/١) وفي شعب الإيمان (٣٥٦/١)
درجة الحديث: صحيح.
قال أبو نعيم [كما في مجموع الفتاوى (٤٣٩/٥)]: وأما حديث البراء فحديث مشهور. رواه عن المنهال بن عمرو الجمم الغفير، وهو حديث أجمع رواة الأثر على شهرته واستفاضته.
وقال ابن تيمية: هذا حديث معروف جيد الإسناد مجموع الفتاوى (٢٧١/٤)
وصححه البيهقي [في إثبات عذاب القبر (٣٩/١) وفي شعب الإيمان (٣٥٧/١)] وابن القيم [في إعلام الموقعين (١٣٧/١) والروح (١٤٦/١٤٢) والسيوطي [في شرح الصدور (٦٢)] والهيثمي [في مجمع الزوائد (٥٠/٣)] والألباني [في صحيح سنن أبي داود (١٦٦/٣) وأحكام الجنائز (٢٠٢)]
ولم يقدح بهذه الرواية إلا الذهبي في السير (١٨٤/٥) حيث قال: حديثه [يريد المنهال بن عمرو] في شأن القبر بطوله، فيه نكارة وغرابة أ. هـ
ويبدو أن الذهبي رجع عن ذلك لأنه وافق الحاكم في تصحيحه لهذا الحديث كما تقدم.
وما ذكره ابن حزم ـ رحمه الله ـ من تفرد المنهال بن عمرو بهذه الزيادة فغير صحيح إذ قد رواه عن البراء بن عازب جماعة غير زاذان منهم عدي بن ثابت ومحمد بن عقبة، ومجاهد [انظر: مجموع الفتاوى ٤٤٢/٥، والروح لابن القيم ص ١٤٢]
وقد أخرجه من طريق عدي بن ثابت الحافظ ابن منده في كتاب "الروح والنفس" [كما في مجموع الفتاوى (٤٤٢/٥ـ ٤٤٤) والروح لابن القيم ١٤٢ـ ١٤٥] والبيهقي في شعب الإيمان (٣٥٨/١) وفيه: "فترد روحه إلى مضجعه"
وأخرجه ابن منده [في الموضع السابق] من طريق مجاهد فذكره بنحوه وفيه: "ردوا روح عبدي إلى الأرض"
قال ابن منده: هذا الحديث إسناده متصل مشهور رواه جماعة عن البراء [مجموع الفتاوى ٤٣٩/٥]
وقال ابن القيم: وأما قوله [أي ابن حزم] إن هذا الحديث لا يصح لتفرد المنهال بن عمرو وحده به، وليس بالقوي، فهذا من مجازفته ـ رحمه الله تعالى ـ فالحديث صحيح لا شك فيه وقد رواه عن البراء بن عازب جماعة غير زاذان منهم عدي بن ثابت ومحمد بن عقبة، ومجاهد.
وقال: هذا حديث ثابت مشهور مستفيض، صححه جماعة من الحفاظ، ولا نعلم أحدا من أئمة الحديث طعن فيه، بل رووه في كتبهم وتلقوه بالقبول، [الروح ص ١٤٢ ـ ١٤٦] باختصار وانظر: [مجموع الفتاوى ٤٤٦/٥].

٢١ هو شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي، مولاهم، أبو بسطام الواسطي، ثم البصري، ثقة حافظ متقن، أمير المؤمنين في الحديث وهو أول من جرح وعدل، توفي سنة ١٦٠ هـ انظر: سير أعلام النبلاء (٢٠٢/٧) التقريب (٣٣٨/١)
قال الإمام أحمد: ترك شعبة المنهال بن عمرو على عمد.
قال ابن أبي حاتم: لأنه سمع من داره صوت قراءة بالتطريب
قال الذهبي: وهذا لا يوجب غمز الشيخ.
وحكى الحاكم أن يحيى القطان غمز المنهال بن عمرو
وقال الجوزجاني فيه: سيء المذهب.
انظر: الجرح والتعديل (٣٥٦/٨) وميزان الاعتدال (٥٢٧/٦) وتهذيب التهذيب (٢٨٣/١٠).

٢٢ روي حديث البراء بن عازب من طرق أخرى غير طريق المنهال بن عمرو ـ وليس فيها ذكر لفظة "فتعاد روحه إلى جسده".
ومن هذه الطرق:
١ـ طريق خثيمة عن البراء.
أخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، حديث (٢٨٧١) ولفظه: عن البراء بن عازب: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة [إبراهيم: ٢٧] قال: نزلت في عذاب القبر.
٢ـ طريق سعد بن عبيدة عن البراء.
أخرجه البخاري، في كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، حديث (١٣٦٩) ولفظه: عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أقعد المؤمن في قبره أتي ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فذلك قوله: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت [إبراهيم: ٢٧}
وأخرجه بنحوه: مسلم، في كتاب صفة الجنة ونعيمها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، حديث (٢٨٧١).

٢٣ في الأصل [عبد الله بن عبد الرحمن] والصواب ما أثبته.
٢٤ رجال الإسناد:
إسماعيل بن إسحاق بن إبراهيم القرطبي، المعروف بابن الطحان عالما بالآثار والسنن، حافظا للحديث وأسماء الرجال والمحدثين، توفي سنة ٣٨٤ هـ انظر: تاريخ علماء الأندلس (٦٥) سير أعلام النبلاء (٥٠٢/١٦)
١ـ عيسى ابن عبد الرحمن بن حبيب بن واقف بن يعيش بن عبد الرحمن بن مروان بن سكثان من أهل شذونة، يكنى: أبا الأصبغ، رحل إلى المشرق فلقي بمكة ابن المقرئ عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن يزيد، فسمع منه حديث سفيان بن عيينة، مات سنة ٣٦٦ هـ تاريخ علماء الأندلس (٢٦٥) بغية الملتمس (٣٥٣)
٢ـ عبد الرحمن بن عبد الله: لم أقف على ترجمته.
٣ـ محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، أبو يحيى المكي ثقة، مات سنة ٢٥٦هـ التقريب (١٩٠/٢)
٤ـ سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي، أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ إمام فقيه إمام حجة إلا أنه تغير حفظه بآخره، وكان ربما دلس لكن عن الثقات، أخرج له الجماعة، مات سنة ١٩٨ هـ التقريب (٣٠٣/١)
٥ـ منصور بن عبد الرحمن بن طلحة بن الحارث العبدري، الحجي، المكي، وهو: ابن صفية بنت شيبة، ثقة، أخطأ ابن حزم في تضعيفه، روى له/ البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، مات سنة ١٣٨هـ التقريب (٢٨١/٢)
٦ـ صفية بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدرية لها رؤية وحدثت عن عائشة، وغيرها من الصحابة روى لها الجماعة. التقريب (٥٢٥/٢)
٧ـ وبقية رجال الإسناد تقدموا:
تخريج الأثر:
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٤٥، ٢٠٢/٦) والفاكهي في أخبار مكة (٢٧٥/٢ـ ٢٧٦) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة به وإسناده صحيح.
وخبر إهداء رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل رواه إسحاق بن بشر في كتابه "المبتدأ" [كما في (البداية والنهاية ٤٩/٢)] عن ابن عباس مرفوعا قال فيه ابن كثير: هذا سياق غريب جدا وحديث عجيب ورفعه منكر. البداية والنهاية (٥٠/٢).

٢٥ غافر: ١١.
٢٦ البقرة: ٢٨.
٢٧ رجال الإسناد:
ـ محمد بن عبد السلام بن ثعلبة الخشني الأندلسي القرطبي، كان ثقة مأمونا، سمع من أبي موسى الزمن، وحدث عنه قاسم بن أصبغ توفي سنة ٢٨٦ هـ انظر: تاريخ علماء الأندلس (٣٠٤) بغية الملتمس (٨٨) سير أعلام النبلاء (٤٥٩/١٣)
ـ محمد بن المثنى بن عبيد، العنزي، أبو موسى البصري، المعروف بالزمن، ثقة ثبت توفي سنة ٢٥٢ هـ التقريب (٢١٣/٢)
ـ محمد بن عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري، مولاهم أبو سعيد البصري، ثقة ثبت توفي سنة ١٩٨ هـ التقريب (٤٦٣/١)
ـ سفيان بن سعيد بن مسروق بن حمزة بن حبيب الثوري، أبو عبد الله من الحفاظ المتقنين والفقهاء في الدين توفي سنة ١٢٤ هـ
انظر: مشاهير علماء الأمصار (١٦٩/١) تاريخ بغداد (١٥١/٩)
ـ عمرو بن عبد الله الهمداني أبو إسحاق السبيعي مكثر، ثقة، عابد اختلط بآخره روى له الجماعة مات سنة ١٢٩ هـ التقريب (٧٩/٢)
ـ أبو الأحوص: هو عوف بن مالك بن نضلة، الجشمي، مشهور بكنيته، ثقة، قتل في ولاية الحجاج على العراق، روى له/ البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود والترمذي، والنسائي، وابن ماجه التقريب (٩٦/٢)
وبقية رجال الإسناد تقدموا.
تخريج الأثر:
أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٢٣/١) (٤٥/١١) من طريق محمد بن بشار وابن أبي حاتم في تفسيره (١٠١/١) محقق، من طريق محمد بن سنان، كلاهما عن عبد الرحمن بن مهدي به
وأخرجه الحاكم في المستدرك (٤٧٥/٢) وقال: "صحيح الإسناد" من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق به.
وأخرجه الطبراني في الكبير (٢١٤/٩) عن عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، عن الفريابي عن إسرائيل عن أبي الضحى عن ابن مسعود به.
درجة الأثر: إسناده صحيح.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠٢/٧) رواه الطبراني عن عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم وهو ضعيف.
قلت: لكن صح من طريق سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، كما هو عند ابن أبي حاتم والحاكم..

٢٨ عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أتيت (وفي رواية: مررت) على موسى ليلة أسري بي، عند الكثيب الأحمر، وهو قائم يصلي في قبره.
أخرجه مسلم في كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى صلى الله عليه وسلم حديث (٢٣٧٥).

٢٩ حديث الإسراء أخرجه الشيخان من حديث أنس رضي الله عنه وقد اختلفت الرواية في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم لموسى عليه السلام هل كانت في السماء السادسة أو السابعة؟
أما رواية السادسة.
فقد أخرجها البخاري في كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة حديث (٣٢٠٧) ومسلم في كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات وفرض الصلوات حديث (١٦٢) (١٦٤)
أما رواية السابعة:
فقد أخرجها البخاري، في كتاب التوحيد، باب قوله: وكلم الله موسى تكليما ١٦٤ [النساء: ١٦٤] حديث (١٥١٧)
ورجح ابن حجر رواية السادسة لأنها رواية الأكثر انظر: فتح الباري (٥٥٠/١).

٣٠ الفصل (٣٧٢/٢ـ ٣٧٤) وانظر: المحلى (٤١/١ـ٤٢) والدرة (٢٨٤ـ ٢٨٧).

آراء ابن حزم الظاهري في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير