الْمُؤْمِنِينَ فَهُمُ انْقَطَعُوا عَنِ الْمُؤْمِنِينَ وَاتَّصَلُوا بِالْكُفَّارِ فَذَاكَ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَثَالِثُهَا: أَنَّهُمْ نُهُوا عَنِ التَّنَازُعِ وَإِثَارَةِ الْفِتَنِ وَهُمْ كَانُوا مُشْتَغِلِينَ بِذَلِكَ.
الْمَسْأَلَةُ الْعِشْرُونَ: أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَالْأَظْهَرُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْفَسَادُ الَّذِي يَتَعَدَّى دُونَ مَا يَقِفُ عَلَيْهِمْ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الصَّدُّ عَنْ طَاعَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِأَنَّ تَمَامَ الصَّلَاحِ فِي الْأَرْضِ بِالطَّاعَةِ لِأَنَّ بِالْتِزَامِ الشَّرَائِعِ يَلْتَزِمُ الْإِنْسَانُ كُلَّ مَا لَزِمَهُ، وَيَتْرُكُ التَّعَدِّيَ إِلَى الْغَيْرِ، وَمِنْهُ زَوَالُ التَّظَالُمِ وَفِي زَوَالِهِ الْعَدْلُ الذي قامت به السموات وَالْأَرْضُ، قَالَ تَعَالَى فِيمَا حَكَى عَنْ فِرْعَوْنَ أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ [غَافِرٍ: ٢٦] ثُمَّ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ مَنْ فَعَلَ هَذِهِ الْأَفَاعِيلَ خَاسِرٌ فَقَالَ: أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وَفِي هَذَا الْخُسْرَانِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ خَسِرُوا نَعِيمَ الْجَنَّةِ لِأَنَّهُ لَا أَحَدَ إِلَّا وَلَهُ فِي الْجَنَّةِ أَهْلٌ وَمَنْزِلٌ، فَإِنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَجَدَهُ، وَإِنْ عَصَاهُ وَرِثَهُ الْمُؤْمِنُونَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ [الْمُؤْمِنُونَ: ١٠- ١١] وَقَالَ: إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ [الشُّورَى: ٤٥] وَثَانِيهَا: أَنَّهُمْ خَسِرُوا حَسَنَاتِهِمُ الَّتِي عَمِلُوهَا لِأَنَّهُمْ أَحْبَطُوهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَمْ يَصِلْ لَهُمْ مِنْهَا خَيْرٌ وَلَا ثَوَابٌ، وَالْآيَةُ فِي الْيَهُودِ وَلَهُمْ أَعْمَالٌ فِي شَرِيعَتِهِمْ، وَفِي الْمُنَافِقِينَ وَهُمْ يَعْمَلُونَ فِي الظَّاهِرِ مَا يَعْمَلُهُ الْمُخْلِصُونَ فَحَبِطَ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَثَالِثُهَا: أَنَّهُمْ إِنَّمَا أَصَرُّوا عَلَى الْكُفْرِ خَوْفًا مِنْ أَنْ تَفُوتَهُمُ اللَّذَّاتُ الْعَاجِلَةُ، ثُمَّ إنها تفوتهم إما عند ما يَصِيرُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَأْذُونًا فِي الْجِهَادِ أَوْ عِنْدَ مَوْتِهِمْ، وَقَالَ الْقَفَّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
وَبِالْجُمْلَةِ أَنَّ الْخَاسِرَ اسْمٌ عَامٌّ يَقَعُ عَلَى كُلِّ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَا يُجْزَى عَلَيْهِ فَيُقَالُ لَهُ خَاسِرٌ، كَالرَّجُلِ الَّذِي إِذَا تَعَنَّى وَتَصَرَّفَ فِي أَمْرٍ فَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ عَلَى نَفْعٍ قِيلَ لَهُ خَابَ وَخَسِرَ لِأَنَّهُ كَمَنْ أَعْطَى شَيْئًا وَلَمْ يَأْخُذْ بِإِزَائِهِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، فَسَمَّى الْكُفَّارَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِمَعَاصِي اللَّهِ خَاسِرِينَ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [الْعَصْرِ: ٢، ٣] وَقَالَ: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [الكهف: ١٠٣، ١٠٤] والله أعلم.
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٨]
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)
اعْلَمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمَّا تَكَلَّمَ فِي دَلَائِلِ التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْمَعَادِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ فَمِنْ هذه الموضع إلى قوله: يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [الْبَقَرَةِ: ٤٠] فِي شَرْحِ النِّعَمِ الَّتِي عَمَّتْ جَمِيعَ الْمُكَلَّفِينَ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: أَوَّلُهَا: نِعْمَةُ الْإِحْيَاءِ وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَإِنْ كَانَ بِصُورَةِ الِاسْتِخْبَارِ فَالْمُرَادُ بِهِ التَّبْكِيتُ وَالتَّعْنِيفُ، لِأَنَّ عِظَمَ النِّعْمَةِ يَقْتَضِي عِظَمَ مَعْصِيَةِ الْمُنْعِمِ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَالِدَ كُلَّمَا عَظُمَتْ نِعْمَتُهُ عَلَى الْوَلَدِ بِأَنْ رَبَّاهُ وَعَلَّمَهُ وَخَرَّجَهُ وَمَوَّلَهُ وَعَرَّضَهُ لِلْأُمُورِ الْحِسَانِ، كَانَتْ مَعْصِيَتُهُ لِأَبِيهِ أَعْظَمَ، فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِذَلِكَ عِظَمَ مَا أَقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ، بِأَنْ ذَكَّرَهُمْ نِعَمَهُ الْعَظِيمَةَ عَلَيْهِمْ لِيَزْجُرَهُمْ بِذَلِكَ عَمَّا أَقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ الْتَمَسُّكِ بِالْكُفْرِ وَيَبْعَثَهُمْ عَلَى اكْتِسَابِ الْإِيمَانِ، فَذَكَرَ تَعَالَى مِنْ نِعَمِهِ مَا هُوَ الْأَصْلُ فِي النِّعَمِ وَهُوَ الْإِحْيَاءُ، فَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ الْكُلِّيُّ، فَإِنْ قِيلَ لِمَ كَانَ الْعَطْفُ الْأَوَّلُ بِالْفَاءِ وَالْبَوَاقِي بِثُمَّ؟ قلنا لأن الإحياء الأول قد يعقب الْمَوْتُ بِغَيْرِ تَرَاخٍ، وَأَمَّا الْمَوْتُ فَقَدْ تَرَاخَى عَنِ الْإِحْيَاءِ وَالْإِحْيَاءُ الثَّانِي كَذَلِكَ مُتَرَاخٍ
عن الموت إن أريد به النور تراخياً ظاهرا، وهاهنا مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ مِنْ قِبَلِ الْعِبَادِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ كَانَ هُوَ الْخَالِقُ لِلْكُفْرِ فِيهِمْ لَمَا جَازَ أَنْ يَقُولَ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ/ مُوَبِّخًا لَهُمْ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ كَيْفَ تَسْوَدُّونَ وَتَبْيَضُّونَ وَتَصِحُّونَ وَتَسْقَمُونَ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ أَجْمَعَ مِنْ خَلْقِهِ فِيهِمْ. وَثَانِيهَا: إِذَا كَانَ خَلَقَهُمْ أَوَّلًا لِلشَّقَاءِ وَالنَّارِ وَمَا أَرَادَ بِخَلْقِهِمْ إِلَّا الْكُفْرَ وَإِرَادَةَ الْوُقُوعِ فِي النَّارِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يقال مُوَبِّخًا لَهُمْ كَيْفَ تَكْفُرُونَ؟. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ كَيْفَ تعقل مِنَ الْحَكِيمِ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ حَالَ مَا يَخْلُقُ الْكُفْرَ فِيهِمْ وَيَقُولُ: وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا [الْإِسْرَاءِ: ٩٤] حَالَ مَا مَنَعَهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ وَيَقُولُ: فَما لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [الِانْشِقَاقِ: ٢٠]، فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ [الْمُدَّثِّرِ: ٤٩] وَهُوَ يَخْلُقُ فِيهِمُ الْإِعْرَاضَ وَيَقُولُ: فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ... فَأَنَّى تُصْرَفُونَ وَيَخْلُقُ فِيهِمُ الْإِفْكَ وَالصَّرْفَ وَمِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ بِأَنْ يُعَدَّ مِنَ السُّخْرِيَةِ أَوْلَى مِنْ أَنْ يُذْكَرَ فِي بَابِ إِلْزَامِ الْحُجَّةِ عَلَى الْعِبَادِ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا قَالَ لِلْعَبِيدِ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ فَهَلْ ذَكَرَ هَذَا الْكَلَامَ تَوْجِيهًا لِلْحُجَّةِ عَلَى الْعَبْدِ وَطَلَبًا لِلْجَوَابِ مِنْهُ أَوْ لَيْسَ كَذَلِكَ؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِطَلَبِ هَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَكُنْ فِي ذِكْرِهِ فَائِدَةٌ فَكَانَ هَذَا الْخِطَابُ عَبَثًا، وَإِنْ ذَكَرَهُ لِتَوْجِيهِ الْحُجَّةِ عَلَى الْعَبْدِ، فَلِلْعَبْدِ أَنْ يَقُولَ حَصَلَ فِي حَقِّي أُمُورٌ كَثِيرَةٌ مُوجِبَةٌ لِلْكُفْرِ. فَالْأَوَّلُ: أَنَّكَ عَلِمْتَ بِالْكُفْرِ مِنِّي وَالْعِلْمُ بِالْكُفْرِ يُوجِبُ الْكُفْرَ. وَالثَّانِي: أَنَّكَ أَرَدْتَ الْكُفْرَ مِنِّي وَهَذِهِ الْإِرَادَةُ مُوجِبَةٌ لَهُ. وَالثَّالِثُ: أَنَّكَ خَلَقْتَ الْكُفْرَ فِيَّ وَأَنَا لَا أَقْدِرُ عَلَى إِزَالَةِ فِعْلِكَ. وَالرَّابِعُ: أَنَّكَ خَلَقْتَ فِيَّ قُدْرَةً مُوجِبَةً لِلْكُفْرِ. فِيَّ إِرَادَةً مُوجِبَةً لِلْكُفْرِ. وَالسَّادِسُ: أَنَّكَ خَلَقْتَ فِيَّ قُدْرَةً مُوجِبَةً لِلْكُفْرِ. وَالْخَامِسُ أَنَّكَ خَلَقْتَ فِيَّ إِرَادَةً مُوجِبَةً لِلْكُفْرِ. وَالسَّادِسُ أَنَّكَ خَلَقْتَ مُوجِبَةً لِلْإِرَادَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْكُفْرِ ثُمَّ لَمَّا حَصَلَتْ هَذِهِ الْأَسْبَابُ السِّتَّةُ فِي حُصُولِ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ يُوقَفُ عَلَى حُصُولِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ السِّتَّةِ فِي طَرَفِ الْإِيمَانِ وَهِيَ بِأَسْرِهَا كَانَتْ مَفْقُودَةً، فَقَدْ حَصَلَ لِعَدَمِ الْإِيمَانِ اثْنَا عَشَرَ سَبَبًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا مُسْتَقِلٌّ بِالْمَنْعِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَمَعَ قِيَامِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ الْكَثِيرَةِ كَيْفَ يُعْقَلُ أَنْ يُقَالَ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ؟
وَخَامِسُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ لِرَسُولِهِ قُلْ لَهُمْ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ أَعْنِي نِعْمَةَ الْحَيَاةِ وَعَلَى قَوْلِ أَهْلِ الْجَبْرِ لَا نِعْمَةَ لَهُ تَعَالَى عَلَى الْكَافِرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ عِنْدَهُمْ كُلَّ مَا فَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْكَافِرِ فَإِنَّمَا فَعَلَهُ لِيَسْتَدْرِجَهُ إِلَى الْكُفْرِ وَيَحْرِقَهُ بِالنَّارِ، فَأَيُّ نِعْمَةٍ تَكُونُ لِلَّهِ عَلَى الْعَبْدِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ وَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَدَّمَ إِلَى غَيْرِهِ صَحْفَةَ فَالُوذَجَ مَسْمُومٍ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ وَإِنْ كَانَ لَذِيذًا وَيُعَدُّ نِعْمَةً لَكِنْ لَمَّا كَانَ بَاطِنُهُ مُهْلِكًا فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَعُدُّهُ نِعْمَةً، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعَذَابَ الدَّائِمَ أَشَدُّ ضَرَرًا مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ فَلَا يَكُونُ لِلَّهِ تَعَالَى نِعْمَةٌ عَلَى الْكَافِرِ، فَكَيْفَ يَأْمُرُ رَسُولَهُ بِأَنْ يَقُولَ لَهُمْ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِمَنْ أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ النِّعَمِ الْعَظِيمَةِ، وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ عِنْدَ الْبَحْثِ يَرْجِعُ حَاصِلُهَا إِلَى التَّمَسُّكِ بِطَرِيقَةِ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، فَنَحْنُ أَيْضًا نُقَابِلُهَا بِالْكَلَامِ الْمُعْتَمَدِ فِي هَذِهِ الشُّبْهَةِ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ، فَلَوْ وُجِدَ لَانْقَلَبَ عِلْمُهُ جَهْلًا وَهُوَ مُحَالٌ وَمُسْتَلْزَمُ الْمُحَالِ مُحَالٌ، فَوُقُوعُهُ مُحَالٌ مَعَ أَنَّهُ قَالَ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ وَأَيْضًا فَالْقُدْرَةُ عَلَى الْكُفْرِ إِنْ كَانَتْ صَالِحَةً لِلْإِيمَانِ امْتَنَعَ كَوْنُهَا مَصْدَرًا لِلْإِيمَانِ عَلَى التَّعْيِينِ إِلَّا لِمُرَجِّحٍ، وَذَلِكَ الْمُرَجِّحُ إِنْ كَانَ مِنَ الْعَبْدِ عَادَ السُّؤَالُ، إن/ كَانَ مِنَ اللَّهِ فَمَا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ الْمُرَجِّحُ مِنَ اللَّهِ امْتَنَعَ حُصُولُ الْكُفْرِ، وَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ الْمُرَجِّحُ وَجَبَ، وَعَلَى هَذَا كَيْفَ لَا يُعْقَلُ قَوْلُهُ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُعْتَزِلِيَّ إِذَا طَوَّلَ كَلَامَهُ وَفَرَّعَ وُجُوهَهُ فِي الْمَدْحِ وَالذَّمِّ فَعَلَيْكَ بِمُقَابَلَتِهَا بِهَذَيْنَ الْوَجْهَيْنِ فإنهما يهدمان
جَمِيعَ كَلَامِهِ وَيُشَوِّشَانِ كُلَّ شُبَهَاتِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً الْمُرَادُ بِهِ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَنُطَفًا، لِأَنَّ ابْتِدَاءَ خَلْقِ آدَمَ مِنَ التُّرَابِ وَخُلِقَ سَائِرُ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ أَوْلَادِهِ إِلَّا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ النُّطَفِ، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ إِطْلَاقَ اسْمِ الْمَيِّتِ عَلَى الْجَمَادِ حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ مَجَازٌ لِأَنَّهُ شَبَّهَ الْمَوَاتَ بِالْمَيِّتِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ بِسَبِيلٍ لِأَنَّ الْمَيِّتَ مَا يَحِلُّ بِهِ الْمَوْتُ وَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ بِصِفَةِ مَنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَيًّا فِي الْعَادَةِ فَيَكُونُ اللَّحْمِيَّةُ وَالرُّطُوبَةُ وَقَالَ الْأَوَّلُونَ هُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ كَانُوا أَمْوَاتًا فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ فَأَحْيَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ أَخْرَجَهُمْ ثُمَّ أَمَاتَهُمُ الْمَوْتَةَ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، ثُمَّ أَحْيَاهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ. فَهُمَا حَيَاتَانِ وَمَوْتَتَانِ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ [الْمُلْكِ: ٢] وَالْمَوْتُ الْمُقَدَّمُ عَلَى الْحَيَاةِ هُوَ كَوْنُهُ مَوَاتًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ إِطْلَاقَ الْمَيِّتِ عَلَى الْمَوَاتِ ثَابِتٌ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَقْرَبُ، لِأَنَّهُ يُقَالُ فِي الْجَمَادِ إِنَّهُ مَوَاتٌ وَلَيْسَ بِمَيِّتٍ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ اسْتِعْمَالُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ قَالَ الْقَفَّالُ: وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً [الْإِنْسَانِ: ١] فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّ الْإِنْسَانَ كَانَ لَا شَيْءَ يُذْكَرُ فَجَعَلَهُ اللَّهُ حَيًّا وَجَعَلَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا وَمَجَازُهُ مِنْ قَوْلِهِمْ فُلَانٌ مَيِّتُ الذِّكْرِ. وَهَذَا أَمْرٌ مَيِّتٌ، وَهَذِهِ سِلْعَةٌ مَيِّتَةٌ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا طَالِبٌ وَلَا ذَاكِرٌ قَالَ الْمُخَبَّلُ السَّعْدِيُّ:
| وَأَحْيَيْتَ لِي ذِكْرِي وَمَا خَامِلًا | وَلَكِنَّ بَعْضَ الذِّكْرِ أَنْبَهُ مِنْ بَعْضِ |
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: احْتَجَّ قَوْمٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى بُطْلَانِ عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالُوا لِأَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّهُ يُحْيِيهِمْ مَرَّةً فِي الدُّنْيَا وَأُخْرَى فِي الْآخِرَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ حَيَاةَ الْقَبْرِ وَيُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ [الْمُؤْمِنُونَ: ١٥، ١٦] وَلَمْ يَذْكُرْ حَيَاةً فِيمَا بَيْنَ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ، قَالُوا وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ [غَافِرٍ: ١١] لِأَنَّهُ قَوْلُ الْكُفَّارِ، وَلِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ أَثْبَتُوا حَيَاةَ الذَّرِّ فِي صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ اسْتَخْرَجَهُمْ وَقَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الْأَعْرَافِ: ١٧٢] وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ حَصَلَ حَيَاتَانِ وَمَوْتَتَانِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى إِثْبَاتِ حَيَاةٍ فِي الْقَبْرِ، فَالْجَوَابُ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ عَدَمِ الذِّكْرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنْ لَا تَكُونَ حَاصِلَةً، وَأَيْضًا فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ حَيَاةَ الْقَبْرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. لأن قوله في يحييكم ليس هو الحياة الدائمة وإلا لم صَحَّ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ لِأَنَّ كَلِمَةَ ثُمَّ تَقْتَضِي التَّرَاخِيَ، وَالرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى حَاصِلٌ عَقِبَ الْحَيَاةِ/ الدَّائِمَةِ مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ فَلَوْ جَعَلْنَا الْآيَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ دَلِيلًا عَلَى حَيَاةِ الْقَبْرِ كَانَ قَرِيبًا.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ الْحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلُهُ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ يَعْنِي بِهِ الْعَامَّةَ، وَأَمَّا بَعْضُ النَّاسِ فَقَدْ أَمَاتَهُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ نَحْوَ مَا حَكَى فِي قَوْلِهِ: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها [الْبَقَرَةِ: ٢٥٩] إِلَى قَوْلِهِ: فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ وَكَقَوْلِهِ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ [الْبَقَرَةِ: ٢٤٣] وَكَقَوْلِهِ: فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ [الْبَقَرَةِ: ٥٥، ٥٦] وَكَقَوْلِهِ: فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى
[الْبَقَرَةِ: ٧٣] وَكَقَوْلِهِ:
وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيها [الْكَهْفِ: ٢١] وَكَقَوْلِهِ فِي قِصَّةِ أيوب صفحة رقم 377
عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ [الْأَنْبِيَاءِ: ٨٤] فإن الله تعالى رد عليه أهله بعد ما أَمَاتَهُمْ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: تَمَسَّكَ الْمُجَسِّمَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى فِي مَكَانٍ وَهَذَا ضَعِيفٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ إِلَى حُكْمِهِ يُرْجَعُونَ لِأَنَّهُ تَعَالَى يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ وَيَجْمَعُهُمْ فِي الْمَحْشَرِ وَذَلِكَ هُوَ الرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا وُصِفَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ إِلَى حَيْثُ لَا يَتَوَلَّى الْحُكْمَ غَيْرُهُ كَقَوْلِهِمْ رَجَعَ أَمْرُهُ إِلَى الْأَمِيرِ، أَيْ إِلَى حَيْثُ لَا يَحْكُمُ غَيْرُهُ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: هَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أُمُورٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى فَيَبْطُلُ بِهِ قَوْلُ أَهْلِ الطَّبَائِعِ مِنْ أَنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ كَذَا وَكَذَا مِنَ الْأَفْلَاكِ وَالْكَوَاكِبِ وَالْأَرْكَانِ وَالْمِزَاجَاتِ كَمَا حكى عن قوم في قوله: مَا هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [الْجَاثِيَةِ: ٢٤] الثَّانِي: أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلَى الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ الدَّالِّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّهُ أَحْيَا هَذِهِ الْأَشْيَاءَ بَعْدَ مَوْتِهَا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى فَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ ذَلِكَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ، الثَّالِثُ: أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى التَّكْلِيفِ وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ. الرَّابِعُ: أَنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى الْجَبْرِ وَالْقَدَرِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، الْخَامِسُ: أَنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى وُجُوبِ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّهُ قَالَ: فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْمَوْتِ ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ لَا يُتْرَكُ عَلَى هَذَا الْمَوْتِ. بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ أَمَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْمَوْتِ، فَقَدْ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ وتعالى أنه بعد ما كَانَ نُطْفَةً فَإِنَّ اللَّهَ أَحْيَاهُ وَصَوَّرَهُ أَحْسَنَ صُورَةٍ وَجَعَلَهُ بَشَرًا سَوِيًّا وَأَكْمَلَ عَقْلَهُ وَصَيَّرَهُ بَصِيرًا بِأَنْوَاعِ الْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ وَمَلَّكَهُ الْأَمْوَالَ وَالْأَوْلَادَ وَالدُّورَ وَالْقُصُورَ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى يُزِيلُ كُلَّ ذَلِكَ عَنْهُ بِأَنْ يُمِيتَهُ وَيُصَيِّرَهُ بِحَيْثُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا وَلَا يَبْقَى مِنْهُ فِي الدُّنْيَا خَبَرٌ وَلَا أَثَرٌ وَيَبْقَى مُدَّةً طَوِيلَةً فِي اللُّحُودِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ [الْمُؤْمِنُونَ: ١٠٠] يُنَادَى فَلَا يُجِيبُ وَيُسْتَنْطَقُ فَلَا يَتَكَلَّمُ ثُمَّ لَا يَزُورُهُ الْأَقْرَبُونَ، بَلْ يَنْسَاهُ الْأَهْلُ وَالْبَنُونَ. كَمَا قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ الرَّازِيُّ:
| يَمُرُّ أَقَارِبِي بِحِذَاءِ قَبْرِي | كَأَنَّ أَقَارِبِي لَمْ يَعْرِفُونِي |
مفاتيح الغيب
أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي