ﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕ

قوله تعالى : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله قال أبو بكر : رُوي أنها منسوخة بقوله : لا يكلّف الله نفساً إلا وسعها حدثنا عبدالله بن محمد بن إسحاق المروزي قال : حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال : حدثنا عبدالرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله قال : نسخها قوله تعالى : لا يكلف الله نفساً إلا وسعها . وحدثنا عبدالله بن محمد قال : حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال : أخبرنا عبدالرزاق عن معمر قال : سمعت الزهري يقول في قوله تعالى : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه قال : قرأها ابنُ عمر وبَكَى قال : إنّا لمأخوذون بما نحدِّث به أنفسنا، فبكى حتى سُمع نشيجُه، فقام رجلٌ من عنده فأتى ابن عباس فذكر ذلك له فقال : يرحم الله ابن عمر لقد وَجَد منها المسلمون نحواً مما وجد حتى نزلت بعدها : لا يكلف الله نفساً إلا وسعها . ورُوي عن الشعبي عن أبي عبيدة عن عبدالله بن مسعود قال : نسختها الآية التي تليها : لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت . وروى معاوية بن صالح عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله : أنها لم تنسخ، لكن الله إذا جمع الخلق يوم القيامة يقول إني أخبركم مما في أنفسكم مما لم تطّلِعْ عليه ملائكتي ؛ فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدّثوا به أنفسهم، وهو قوله : يحاسبكم به الله فيغفر لمن شاء ويعذب من يشاء . قوله تعالى : ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم [ البقرة : ٢٢٥ ] من الشكّ والنفاق. ورُوي عن الربيع بن أنس مثل ذلك. وقال عمرو بن عبيد : كان الحسن يقول : هي محكمةٌ لم تُنسخ. ورُوي عن مجاهد أنها محكمة في الشك واليقين.
قال أبو بكر : لا يجوز أن تكون منسوخة لمعنيين : أحدهما أن الأخبار لا يجوز فيها النسخُ لأنَ نَسْخَ مُخْبِرَهَا يدل على البَدَاءِ والله تعالى عالم بالعواقب غير جائز عليه البداء.
والثاني : أنه لا يجوز تكلف ما ليس في وُسْعِها لأنه سَفَهٌ وعَبَثٌ والله تعالى يتعالى عن فعل العبث. وإنما قول من رُوي عنه أنها منسوخة فإنه غلطٌ من الراوي في اللفظ، وإنما أراد بيان معناها وإزالة التوهم عن صَرْفِهِ إلى غير وجهه. وقد رَوَى مِقْسَمٌ عن ابن عباس : أنها نزلت في كتمان الشهادة ؛ ورُوي عن عكرمة مثله. ورُوي عن غيرهما أنها في سائر الأشياء. وهذه أوْلى، لأنه عموم مكتف بنفسه، فهو عامٌ في الشهادة وغيرها. ومن نظائر ذلك في المؤاخذة بكسب القلب قوله تعالى : ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم [ البقرة : ٢٢٥ ]، وقال تعالى : إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم [ النور : ١٩ ]، وقال تعالى : في قلوبهم مَرَض [ البقرة : ١٠ ] أي شكّ.
فإن قيل : رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" إنَّ الله عَفَا لأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ به أنْفُسَها ما لم يَتكَلَّمُوا به أو يَعْمَلُوا به ". قيل له : هذا فيما يلزمه من الأحكام فلا يقع عتقه ولا طلاقه ولا بيعه ولا صدقته ولا هبته بالنية ما لم يتكلم به، وما ذكر في الآية فيما يُؤاخذ به مما بين العبد وبين الله تعالى : وقد رَوَى الحسنُ بن عطية عن أبيه عن عطية عن ابن عباس في قوله تعالى : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فقال : سِرُّ عملك وعلانيته يحاسبك به الله، وليس من عبد مؤمن يُسِرُّ في نفسه خيراً ليعمل له، فإن عمل به كُتِبَ له به عشرُ حسنات وإن هو لم يقدر أن يعمل به كُتِبَ له به حَسَنَةٌ من أجل أنه مؤمن، وإن الله رضي بسرِّ المؤمنين وعلانيتهم، وإن كان شرّاً حدَّث به نفسه اطّلع الله عليه أخبر به يوم تُبْلى السرائر، فإن هو لم يعمل به لم يؤاخذه الله به حتى يعمل، فإن هو عمل به تجاوز الله عنه كما قال : أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم [ الأحقاف : ١٦ ] وهذا على معنى قوله :" إن الله عَفَا لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا به أو يعملوا به ".

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

الجصاص

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير