ﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕ

لله ما في السموات وما في الأرض خلقا ومُلكا ومِلكا، قيل : فيه دليل على أن كل ما سواه تعالى متحيز ولا شيء من الممكنات مجردا وإلا لكان بيان خالقيته ومالكيته قاصرا لأن الأهم إثبات ملكية المجردات وهذا ليس بشيء بل التحقيق أن من الممكنات مجردات وهي أرواح البشر والملائكة وغيرهم وقد انكشف على أرباب القلوب من المجردات القلب والروح والسر والخفي والأخفى والله تعالى أعلم بخلقه وما يعلم جنود ربك إلا هو وإنما اقتصر ههنا على ذكر ما في السموات وما في الأرض بناء على قصر نظر العوام عليها وذكرها كاف للاستدلال على الصانع جلت قدرته، ولأن الاستدلال لا يتصور إلا بأمور مشهودة معلومة للعوام لا بأمور مختفية على الخواص ومن ثم لم يذكر ههنا العرش والكرسي مع أنهما ليسا في السموات والأرض والله أعلم.
وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه من الرذائل كالنفاق والرياء والعصبية وحب الدنيا والغضب والكبر والعجب والأمر والحرص وترك التوكل والصبر والحسد والحقد ونحو ذلك مما هو من أفعال القلوب والنفوس، عن جبير بن مطعم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ليس من من دعا إلى عصبية وليس منا من مات على عصبية " رواه أبو داود، وعن حارثة بن وهب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ألا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار كل عتل جواط مستكبر " متفق عليه، وفي رواية لمسلم " كل جواظ زنيم متكبر " وعن الحسن مرسلا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" حب الدنيا رأس كل خطيئة " رواه البيهقي في شعب الإيمان، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" حب أبي بكر وعمر إيمان وبغضهما نفاق " رواه ابن عدي، وعن جابر مرفوعا " حب أبي بكر وعمر من الإيمان وبغضهما كفر، ومن سب أصحابي فعليه لعنة الله ومن حفظني فيهم فأنا أحفظه يوم القيامة " رواه ابن عساكر، وعن النبي عليه الصلاة والسلام قال :" حب علي عبادة " وعن علي قال : والذي فلق الحبة وبرئ النسمة لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إلى أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق رواه مسلم، وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" فيك مثل من عيسى أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه وأحبته النصارى حتى أنزلوه بالمنزلة التي ليست له، ثم قال :" يهلك في رجلان محب مفرط يفرطني ما ليس في ومبغض يحمل شنآني على أن يبهتني " رواه أحمد، عن أبي هريرة مرفوعا قال الله تعالى :" الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما أدخلته النار " رواه مسلم، عن عطية السعدي مرفوعا، إن الغضب من الشيطان، رواه أبو داود عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعا " إن الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل " رواه البيهقي في الشعب وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا أول صلاح هذه الأمة اليقين والزهد وأول فسادها البخل والأمل " رواه البيهقي، وعن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من سعادة ابن آدم رضاؤه بما قضى الله ومن شقاوة ابن آدم ابن آدم سخطه بما قضى الله " رواه أحمد والترمذي، وعن معاذ بن جبل مرفوعا قال :" يطلع الله إلى جميع خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك مشاحن " رواه الدارقطني وصححه ابن حبان، وفي رذائل النفس ومحامدها أحاديث لا تكاد تحصى، وقيل معناه وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه من كتمان الشهادة، كذا قال الشعبي وعكرمة، أو من ولاية الكفار فهو نظير ما في آل عمران : لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء إلى أن قال : قل إن تخفوا ما في صدوركم الآية، كذا قال مقاتل، والتحقيق أن كتمان الشهادة وولاية الكفار داخلان فيما استقر في أنفسكم ولا وجه للتخصيص بعد ثبوت المؤاخذة على الجميع بالنصوص والإجماع، وقيل : المراد به العزم المصمم على المعاصي من أفعال الجوارح قال عبد الله بن المبارك قلت لسفيان أيؤاخذك الله العبد بالهم قال : إذا كان عزما أخذ بها، قلت : لو ثبت المؤاخذة على العزم فالعزم أيضا داخل في المعاصي القلبية، لكن الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :" من هم بسيئة فلم يعمل بها لم يكتب عليه وإذا عمل بها كتب بمثلها " الحديث يحاسبكم به الله يوم القيامة حساب عرض حسابا يسيرا فيغفر وذلك لمن يشاء مغفرته وإما حساب مناقشة فيأخذ به ويعذب من يشاء تعذيبه، قرأ أبو جعفر وابن عامر وعاصم ويعقوب يرفع الفعلين على الاستئناف والباقون بالجزم عطفا على جواب الشرط والله على كل شيء من العذاب والمغفرة وغير ذلك قدير لا يمكن لأحد الاعتراض عليه إن شاء عذب على الصغيرة وإن شاء غفر الكبيرة من غير توبة.
أجمع أهل السنة والجماعة على أن الحساب على المعاصي القلبية والنفسانية والقالبية حق والتعذيب على الذنوب صغائرها وكبائرها حق لكنه ليس بواجب بل في مشيئة الله تعالى، روى طاووس عن ابن عباس قال : فيغفر لمن يشاء الذنب العظيم يعني سواء تاب عنه المذنب أو لم يتب ويعذب من يشاء على الذنب الصغير لا يسأل عما يفعل وأنكر المعتزلة والروافض وغيرهم الحساب وقالت المعتزلة وغيرهم : بوجوب العذاب على العصاة وهذه الآية وغيرها من الآيات والأحاديث حجة لنا عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك " قلت : أوليس يقول الله تعالى فسوف يحاسب حسابا يسيرا ؟ فقال :" إنما ذلك العرض ولكن من نوقش في الحساب يهلك " متفق عليه، وعن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كتفه ويستره فيقول أتعرف ذنب كذا أتعرف ذنب كذا ؟ فيقول نعمأي رب، حتى قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال : سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم فيعطى كتاب حسناته فأما الكفار والمنافقون فينادي فينادي بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين متفق عليه، وعن عائشة قالت : جاء رجل فقعد بين يدي رسول الله صلى الله عليه فقال يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأشتمهم وأخبرهم فكيف أنا منهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا كان يوم القيامة يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم فإن كان عقابك إياهم بقدرذنوبهم كان كفافا لا لك ولا عليك وإن كان عقابك إياهم دون ذنبهم كان فضلا لك وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل " الحديث رواه الترمذي وفي كلي بابي الحساب والمغفرة أحاديث كثيرة لا تحصى.
فصل : ومن الناس من يدخلون الجنة بغير حسبا عن أبي أمامة قال سمعت رسول الله صلى الله عيله وسلم يقول :" وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب مع كل ألف سبعون ألفا وثلاث حثيات من حثيات ربي " رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وعن أسماء بنت يزيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" يحشر الناس في صعيد واحد يوم القيامة فينادي مناد فيقول أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل فيدخلون الجنة بغير حساب ثم يؤمر سائر الناس إلى الحساب " رواه البيهقي، وعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون " متفق عليه، وعنه كذلك في حديث طويل. قلت : والذي يظهر من سياق الكتاب والسنة أن لهؤلاء الذين لا يحاسبون هم الصوفية العلية المتعشقة فإن الله سبحانه علق الحساب برذائل النفس حين قال : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوا يحاسبكم به الله وذكر إبدائها وإخفائها للتسوية كما في قوله تعالى : استغر لهم أو لا تستغفر لهم وإنما علقه برذائل النفس دون أعمال الجوارح مع أن الحساب ليس مختصا بها لأنها أشد وأغلظ من أعمال الجوارح ولأنه منشأ للمعاصي القلبية غالبا وبعد تزكية النفس وتصفية القلب لا يصدر المعاصي إلا نادرا، كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم :" إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله " ولأن صدرت المعاصي نادرا فالنفس المطمئنة بالخيرات والقلب المصفى عن الزيغ والكدورات يندم فورا ويتوب إلى الله متابا بحيث يجعل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيم ، عن ابن معسود مرفوعا " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " رواه ابن ماجه والبيهقي، وعنه في شرح السنة موقوفا " الندم توبة " وهؤلاء القوم هم المسميون بفقراء المؤمنين في قوله صلى الله عليه وسلم :" أنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لي فيدخلني ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر " وقد مر في تفسير قوله تعالى : ورفع بعضهم درجات . اعلم أن الفقير من لا شيء له وهؤلاء القوم لا شيء عليهم من الوجود وتوابعه، أما الرذائل وصفات النفس الأمارة بالسوء فقد انسلبت منهم بأسرها، وأما الوجود وصفات الكمال فوجدوها مستعارة مستودعة من الله ذي الجلال والإكرام فلما أدوا الأمانة إلى أهلها ونسبوها إليه تعالى لم يبق منهم اسم ولا رسم لذلك لا ترى منهم عجبا ولا كبرياء ولا شيئا من مقتضيات الألوهية الباطلة نعوذ بالله منها، وكلمة مع في قوله صلى الله عليه وسلم سبعون ألفا من كل ألف سبعون ألفا، تدل على أن سبعين ألفا تابع لك ألف فلعل المراد به والله أعلم بمراده أنهم سبعون ألفا من المكملين مع كل ألف منهم سعبون ألفا من الكاملين من العلماء الراسخين والصديقين والأولياء الصالحين، وقوله صلى الله عليه وسلم :" وثلاث حثيات من حثيات ربي " الظاهر أنه ليس المراد به كثرتهم لأنه لو أريد الكثرة فحثية واحدة من حثياته تعالى يتسعه الأولون والآخرون فإن الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه، بل المراد به التنويع، فلعل المراد بالحثيات الثلاث الذين بذلوا أنفسهم في سبيل الله وهم الشهداء، والذين بذلوا عمرهم في طاعة الله ما عدا المذكورين السابقين من العلماء المريدين المتشبثين بالأولياء، والذين بذلوا أموالهم ابتغاء مرضات الله هؤلاء هم الذين أحبوهم وسلكوا سبيلهم وإن لم يبلغوا درجة الأولين، وقوله عليه السلام وعلى ربهم يتوكلون صفتهم من حيث الباطن وتتجافى جنوبهم سيماهم من حيث الظاهر، جعلني الله سبحانه منهم بفضله ومنه.

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير