ثم هدد الحق تعالى عباده، على مخالفة ما أمرهم به، فقال :
للَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيا أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
قلت : من قرأ فيغفر ؛ بالجزم، فعلى العطف على الجواب، ومن قرأ بالرفع فعلى الاستئناف، أي : فهو يغفرُ.
يقول الحقّ جلّ جلاله : لله ما في السماوات وما في الأرض خلقاً وملكاً وعبيداً، يتصرف فيهم كيف شاء ؛ يرحم من يشاء بفضله، ويعذب من يشاء بعدله، وإن تبدوا أي : تظهروا ما في أنفسكم من السوء والعزم عليه، أو تخفوه في قلوبكم، يحاسبكم به الله يوم القيامة ؛ فيغفر لمن يشاء مغفرته، ويعذب من يشاء تعذيبه، والله على كل شيء قدير لا يعجزه عذاب أحد ولا مغفرته. وعبَّر الحق تعالى بالمحاسبة دون المؤاخذة، فلم يقل : يؤاخذكم به الله ؛ لأن المحاسبة أعم، فتصدق بتقرير الذنوب دون المؤاخذة بها، لقوله - عليه الصلاة والسلام :" يدنو المؤمن من ربه حتى يضع كنفه عليه، فيقرره بذنوبه، فيقول : هل تعرف كذا ؟ فيقول : يا رب، أعرف، فيوقفه على ذنبه ذنباً، ذنباً فيقول الله تعالى : أنا الذي سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم ". فلله الفضل والمنّة، وله الحمد والشكر.
الإشارة : وإن تبدوا ما في أنفسكم من الخواطر الردية والطوارق الشيطانية، أو تخفوه في قلوبكم، حتى يحول بينكم وبين شهود محبوبكم، يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء فيمحو ظلمته من قلبه ؛ بإلهام التوبة والمبادرة إلى اليقظة، ويعذب من يشاء بتركه مع ظلمة تلك الأغيار، وخوضه في بحار تلك الأكدار، فما منع القلوب من مشاهدة الأنوار إلا اشتغالها بظلمة الأغيار، فرّغْ قلبك من الأغيار تملأه بالمعارف والأسرار، فإن أردت أن تكون عين العين، فامح من قلبك نقطة الغين، وهي نقطة السوى، ولله درّ القائل :
| إِنْ تَلاشَى الكونُ عن عَيْنِ كشْفِي | شاهَدَ السرُّ غَيْبَه في بَيَاني |
| فاطْرح الكونَ عن عِيانِكَ وامْحُ | نقطةَ الغَيْنِ إنْ أردتَ تَرَاني |
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي