{لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء
صفحة رقم 359
قدير آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} قوله عز وجل: للهِ مَا فِي السَّمَواتِ وما في الأرض في إضافة ذلك إلى الله تعالى قولان: أحدهما: أنه إضافة تمليك تقديره: الله يملك ما في السماوات وما في الأرض. والثاني: معناه تدبير ما في السماوات وما في الأرض. وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ إبداءُ ما في النفس هو العمل بما أضمروه، وهو مُؤَاخَذ به ومُحَاسَب عليه، وأما إخفاؤه فهو ما أضمره وحدّث به نفسه ولم يعمل به. وفيما أراد به قولان: أحدهما: أن المراد به كتمان الشهادة خاصة، قاله ابن عباس، وعكرمة، والشعبي. والثاني: أنه عام في جميع ما حدَّث به نفسه من سوء، أو أضمر من معصية، وهو قول الجمهور. واختلف في هذه الآية، هل حكمها ثابت في المؤاخذة بما أضمره وحدَّث به نفسه؟ أو منسوخ؟ على قولين: أحدهما: أن حكمها ثابت في المؤاخذة بما أضمره، واختلف فيه من قال بثبوته على ثلاثة أقاويل: أحدها: أن حكمها ثابت على العموم فيما أضمره الإِنسان فيؤاخِذ به من يشاء، ويغفر لمن يشاء، قاله ابن عمر، والحسن. والثاني: حكمها ثابت في مؤاخذة الإِنسان بما أضمره وإن لم يفعله، إلا أنَّ الله يغفره للمسلمين ويؤاخذ به الكافرين والمنافقين، قاله الضحاك، والربيع،
صفحة رقم 360
ويكون فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ محمولاً على المسلمين، وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ محمولاً على الكافرين والمنافقين. والثالث: أنها ثابتة الحكم على العموم في مؤاخذته المسلمين بما حدث لهم في الدنيا من المصائب والأمور التي يحزنون لها، ومؤاخذة الكافرين والمنافقين بعذاب الآخرة، وهذا قول عائشة رضي الله عنها. والقول الثاني: أن حكم الآية في المؤاخذة بما أضمره الإنسان وحدث به نفسه وإن لم يفعله منسوخ. واختلف من قال بنسخها فيما نسخت به على قولين: أحدهما: بما رواه العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة قال: انزل الله وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُم أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فاشتد ذلك على القوم فقالوا: يا رسول الله إنا لمؤاخذون بما نُحَدِّثُ به أنفسنا، هلكنا، فأنزل الله تعالى: لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وهو أيضاً قول ابن مسعود. والثاني: أنها نسخت بما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ دخل قلوبهم منها شيء لم يدخلها من شيء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا). قال: فألقى الله الإيِمان في قلوبهم، قال: فأنزل الله: ءَامَنَ الرَّسُولُ الآية. فقرأ: رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأَنَا. فقال تعالى: قد فعلت. رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا. قال: قد فعلت ربنا ولا تحملنا ما لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ. قال: قد فعلت. وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. قال: قد فعلت.
صفحة رقم 361
والذي أقوله فيما أضمره وحدّث به نفسه ولم يفعله إنه مُؤَاخَذ بمأثم الإعتقاد دون الفعل، إلا أن يكون كَفُّه عن الفعل ندماً، فالندم توبة تمحص عنه مأثم الإعتقاد. قوله عز وجل: ءَامَنَ الرَّسُولُ إلى قوله: وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ أما إيمان الرسول فيكون بأمرين: تحمُّل الرسالة، وإِبْلاَغ الأمة، وأما إيمان المؤمنين فيكون بالتصديق والعمل. كُلٌّءَامَنَ باللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ. والإِيمان بالله يكون بأمرين: بتوحيده، وقبول ما أنزل على رسوله. وفي الإِيمان بالملائكة وجهان: أحدهما: الإِيمان بأنهم رسل الله إلى أنبيائه. والثاني: الإِيمان بأن كل نفس منهم رقيب وشهيد. وَكُتُبِهِ قراءة الجمهور وقرأ حمزة: وكِتَابِهِ فمن قرأ وَكُتُبِهِ فالمراد به جميع ما أنزل الله منها على أنبيائه. ومن قرأ: وَكِتَابِهِ ففيه وجهان: أحدهما: أنه عنى القرآن خاصة. والثاني: أنه أراد الجنس، فيكون معناه بمعنى الأول وأنه أراد جميع الكتب والإِيمان بها والاعتراف بنزولها من الله على أنبيائه. وفي لزوم العمل بما فيها ما لم يرد نسخ قولان: ثم فيما تقدم ذكره من إيمان الرسول والمؤمنين - وإن خرج مخرج الخبر - قولان: أحدهما: أن المراد به مدحهم بما أخبر من إيمانهم. والثاني: أن المراد به أنه يقتدي بهم مَنْ سواهم. ثم قال تعالى: لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ يعني في أن يؤمن ببعضهم
صفحة رقم 362
دون بعض، كما فعل أهل الكتاب، فيلزم التسوية بينهم في التصديق، وفي لزوم التسوية في التزام شرائعهم ما قدمناه من القولين، وجعل هذا حكاية عن قولهم وما تقدمه خبراً عن حالهم ليجمع لهم بين قول وعمل وماض ومستقبل. وَقَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا أي سمعنا قوله وأطعنا أمره. ويحتمل وجهاً ثانياً: أن يراد بالسماع القبول، وبالطاعة العمل. غُفْرَانَكَ رَبَّنَا معناه نسألك غفرانك، فلذلك جاء به منصوباً. وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ يعني إلى جزائك. ويحتمل وجهاً ثانياً: يريد به إلى لقائك لتقدم اللقاء على الجزاء. لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فأنصرنا على القوم الكافرين. قوله عز وجل: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها يعني طاقتها، وفيه وجهان: أحدهما: وعدٌ من الله ورسوله وللمؤمنين بالتفصل على عباده ألا يكلف نفساً إلا وسعها. والثاني: أنه إخبار من النبي ﷺ ومن المؤمنين عن الله، على وجه الثناء عليه، بأنه لا يكلف نفساً إلا وسعها. ثم قال: لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت يعني لها ما كسبت من الحسنات، وعليها ما اكتسبت يعني من المعاصي. وفي كسبت واكتسبت وجهان: أحدهما: أن لفظهما مختلف ومعناهما واحد. والثاني: أن كسبت مستعمل في الخير خاصة، واكتسبت مستعمل في الشر خاصّة.
صفحة رقم 363
ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا قال الحسن: معناه: قولوا ربنا لا تؤاخذنا. إن نسينا فيه تأويلان: أحدهما: يعني إن تناسينا أمرك. والثاني: تركنا، والنسيان: بمعنى الترك كقوله تعالى: نسوا الله فنسيهم [التوبة: ٦٧]، قاله قطرب. أو أخظأنا فيه تأويلان: أحدهما: ما تأولوه من المعاصي بالشبهات. والثاني: ما عمدوه من المعاصي التي هي خطأ تخالف الصواب. وقد فرَّقَ أهل اللسان بين " أخطأ " وخطيء، فقالوا: " أخطأ " يكون على جهة الإثم وغير الإثم، وخطىء: لا يكون إلا على جهة الإثم، ومنه قول الشاعر:
| (والناس يلحون الأمير إذا هم | خطئوا الصواب ولا يُلام المرشد) |
| (يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم | والحامل الإصر عنهم بعدما عرضوا) |
.. ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به فيه قولان: أحدهما: ما لا طاقة لنا به مما كلفه بنو إسرائيل. الثاني: ما لا طاقة لنا به من العذاب. واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فيه وجهان: أحدهما: مالكنا. الثاني: ولينا وناصرنا. فانصرنا على القوم الكافرين روى عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: آمن الرسول بما أنزلنا إليه من ربه فلما انتهى إلى قوله تعالى: غفرانك ربنا قال الله تعالى: قد غفرت لكم، فلما قرأ: ربنا لا تؤخذنا إن نسينا أو أخطأنا قال الله تعالى: لا أؤخذكم. فلما قرأ: ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا قال الله تعالى: لا أحمل عليكم. فلما قرأ: ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به قال الله تعالى: لا أحملكم. فلما قرأ: واعف عنا قال الله تعالى: قد عفوت عنكم. فلما قرأ: (واغفر لنا} قال الله تعالى: قد غفرت لكم. فلما قرأ: وارحمنا قال الله تعالى: قد رحمتكم. فلما قرأ: فانصرنا على القوم الكافرين قال الله تعالى: قد نصرتكم. وروى مرثد بن عبد الله عن عقبة بن عامر الجهني قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " اقرؤوا هاتين الآيتين من خاتمة البقرة فإن الله تعالى أعطانيها من تحت العرش ". وروى أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: السورة التي
صفحة رقم 365
تذكر فيها البقرة فسطاطا القرآن، فتعلموها فإن تعليمها بركة وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة قيل: ومن البطلة؟ قال: السحرة ".
صفحة رقم 366النكت والعيون
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي
السيد بن عبد الرحيم بن عبد المقصود