وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦) }
شرح الكلمات:
آمَنَ : صدق جازماً بصحة الخبر ولم يتردد أو يشك فيه قط.
الرَّسُولُ : نبينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
كُلٌّ : كل من الرسول والمؤمنين.
لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ١ : نؤمن بهم جميعاً ولا نكون؛ كاليهود والنصارى نؤمن ببعض ونكفر ببعض.
سَمِعْنَا : سماع فهم واستجابة طاعة.
الْمَصِيرُ : المرجع: أي رجوعنا إليك يا ربنا فاغفر لنا.
لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً٢ : التكليف: الإلزام مما فيه كلفة ومشقة تحتمل.
إِلا وُسْعَهَا٣ : إلا ما تتسع لها طاقتها ويكون في قدرتها.
لَهَا مَا كَسَبَتْ : من الخير.
وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ : من الشر.
٢ روى القرطبي عن أبي هريرة أنه قال: ما وددت أن أحداً ولدتني أمه إلا جعفر أبي طالب، فإني تبعته يوماً وأنا جائع فلما بلغ منزله فلم يجد فيه سوى نحي سمن قد بقي فيه أثاره فشق بين أيدينا فجعلنا نلعق ما فيه من السمن ونربه، وهو يقول: ما كلف الله نفساً فوق طاقتها: ولا تجود يد إلا بما تجد. الرب بضم الراء: ما يطبخ من التمر.
٣ وسواس الصدر مما لا طاقة للعبد بدفعه بحال وقد سأل عنه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال، ما رواه مسلم عن علقمة بن عبد الله قال: سأل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الوسوسة، قال: "تلك صريح الإيمان".
لا تُؤَاخِذْنَا : لا تعاقبنا.
إِنْ نَسِينَا : فتركنا ما أمرتنا به أو فعلنا ما نهيتنا عنه نسياناً منا غير عمد.
أَوْ أَخْطَأْنَا : فعلنا غير ما أمرتنا خطأ منا بدون إرادة فعل منا له ولا عزيمة.
إِصْراً ١: تكليفاً شاقاً يثقل علينا وياسرنا فيحبسنا عن العمل.
مَوْلانَا : مالكنا وسيدنا ومتولي أمرنا لا مولى لنا سواك.
معنى الآيتين:
ورد أنه لما نزلت الآية (٢٨٤) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ... وفيها ... وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ... اضطربت لها نفوس المؤمنين، وقالوا من ينجو منا إذا كنا نؤاخذ بما يخفى في أنفسنا من الهم والوسواس وحديث النفس فأمرهم الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالرضا بحكم الله تعالى والتسليم به فقال لهم: "قولوا سمعنا وأطعنا ولا تكونوا كاليهود: قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا... فلما قالوها صادقين أنزل الله تعالى هاتين الآيتين: آمَنَ الرَّسُولُ... فأخبر عن إيمانهم مقروناً بإيمان نبيهم تكريماً لهم وتطميناً فقال: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ٢ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ... وأخبر عنهم بقولهم الذي كان سبب استجابة الله تعالى لهم فقال عنهم: ... وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ وأخبرهم تعالى أنه لرحمته بهم وحكمته في تصرفه في خلقه لا يكلف نفساً إلا ما تتسع له طاقتها وتقدر على فعله، وإن لها ما كسبت من الخير فتجزى به خيراً وعليها ما اكتسبت من الشر فتجزى به شراً إلا أن يعفو عنها ويعفر لها فقال: لا يُكَلِّفُ٣ اللهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ... وعلمهم كيف يدعونه ليقول لهم قد فعلت، كما صح به الخبر فقال قولوا: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ٤ وفعلاً
٢ روى مسلم عن ابن عباس لما نزلت: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ... الآية، قال: دخل قلوبهم منها شيء فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا". قال: فألقى الله في قلوبهم الإيمان فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل قوله: لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا الآية.
٣ ورد في فضل خاتمة البقرة أحاديث كثيرة منها: قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أوتيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يؤتهن نبي قبلي".
قد عفا عنهم في النسيان والخطأ وخفف عنهم في التشريع فما جعل عليهم في الدين من حرج، وعفا عنهم وغفر لهم ورحمهم ونصرهم على الكافرين بالحجة والبيان وفي المعارك بالسيف والسنان فله الحمد والمنة وهو الكبير المتعال.
هداية الآيتين:
من هداية الآيتين:
١- تقرير أركان الإيمان وهي الإيمان وملائكته وكتبه ورسله.
٢- وجوب الإيمان بكافة الرسل وحرمه الإيمان ببعض وترك البعض وهو كفر والعياذ بالله تعالى،
٣- وجوب طاعة الله ورسوله والتسليم والرضا بما شرع الله ورسوله وحرمة رد شيء من ذلك.
٤- رفع الحرج١ عن هذه الأمة رحمة بها.
٥- عدم المؤاخذة بالنسيان٢ أو الخطأ فمن نسي وأكل أو شرب وهو صائم فلا إثم عليه أو أخطأ فقتل فلا إثم عليه.
٦- العفو عن حديث النفس٣ لنزول الآية فيه ما لم يتكلم المؤمن أو يعمل.
٧- تعليم هذا الدعاء واستحباب الدعاء به إئتساء بالرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه وقد ورد من قرأ هاتين الآيتين٤ عند النوم كفتاه آمَنَ الرَّسُولُ... السورة.
٢ حديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". أي: رفع إثمه. أما أحكامه، ففيها تفصيل: فالغرامات لا تسقط، فمن كسر آنية خطأ أو نسياناً يغرمها لصاحبها، ومن نسى صلاة مفروضة قضاها، ومن قتل خطأ دفع الدية ويسقط القصاص بالخطأ، كما يسقط الكفر بالنطق خطأ وسهواً.
٣ شاهده حديث: "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل". رواه الجماعة.
٤ لحديث مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من قرأ هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه". أي: من قام الليل لحديث: "من قرأ بعد العشاء مرتين أجزأتاه من قيام الليل، وكفتاه من شر الشيطان، فلا يكون له عليه سلطان".
سورة آل عمران١
مدنية
وآياتها مائتا آية بلا خلاف
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
جابر بن موسى بن عبد القادر بن جابر أبو بكر الجزائري