ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕ

ولمَّا نزل قوله تعالى : وإن تبدوا ما في أنفسكم. . . الآية. شق ذلك على الصحابة - رضي الله عنهم - فجاء الصدِّيقُ والفاروق وعبدُ الرحمان ومعاذ، وناسُ من الأنصار، فَجَثَوْا على الرُّكَب، وقالوا : يا رسول الله، ما نزلت علينا آيةٌ أشدُّ من هذه الآية وأنا إن أخذنا بما نُحَدِّثُ به أنفَسنا هَلَكْنَا ! فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم :" هكذا نزلت ". فقالوا : كُلِّفنا من العمل ما لا نطيق، فقال - عليه الصلاة والسلام :" فلعلكم تقولون كما قالت بنو إسرائيل : سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا [ البقرة : ٩٣ ]، قولوا : سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [ البقرة : ٢٨٥ ]، فقالوا : سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ، وذَلَّتْ بها أَلْسِنَتُهُمْ، فأَنْزَلَ اللّهُ التخفيف، وحكى ما وقع لهم من الإيمان والإذعان، فقال :
آمَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ
قلت : من قرأ : لا نفرق بالنون، فعلى حذف القول، أي : قالوا : لا نفرق، ومن قرأ بالياء فيرجع إلى الكل، أي : لا يفرق كل واحد منهم بين أحد من رسله، و بين : من الظروف النسبية، لا تقع إلا بين شيئين أو أشياء، تقول : جلست بين زيد وعمرو، وبين رجلين، أو رجال، ولا تقول بين زيد فقط، وإنما أضيف هنا إلى أحد لأنه في معنى الجماعة، أي : لا نفرق بين آحاد منهم كقوله عليه الصلاة والسلام :" ما أُحلَّت الغنائم لأحدٍ، سُودِ الرؤوس، غيركم ". و غفرانك : مفعول مطلق، أي : اغفر لنا غفرانك. أو : نطلب غفرانك، فيكون مفعولاً به.
يقول الحقّ جلّ جلاله : آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه إيمان تحقيق وشهود والمؤمنون كل على قدر إيقان، كل واحد منهم آمن بالله على ما يليق به من شهود وعيان، أو دليل وبرهان، وآمن بملائكته وأنهم عباد مكرمون لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [ التّحْريم : ٦ ]، وكتبه وأنها كلام الله، مشتملة على أمر ونهي ووعد ووعيد وقصص وأخبار، وما عرف منها ؛ كالتوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وجب الإيمان به بعينه، وما لم يعرف وجب الإيمان به في الجملة، ورسله وأنهم بشر متصفون بالكمالات، منزّهون عن النقائص، كما يليق بحالهم، حال كون الرسول والمؤمنون قائلين لا نفرق بين أحد من رسله أو : لا يفرق كل منهم بين أحد من رسله ؛ بأن يصدقوا بالبعض، دون البعض كما فرقت اليهود والنصارى، وقالوا أي المؤمنين سمعنا وأطعنا أي : سمعنا قولك وأطعنا أمرك، نطلب غفرانك يا ربنا وإليك المصير بالبعث والنشور، وهذا إقرار منهم بالبعث الذي هو من تمام أركان الإيمان.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : يُفهم من سرّ الآية أن مَن شَقّ عليه أمر من الأمور، أو عَسرت عليه حاجةٌ، أو نزلت به شدة أبو بليّة، فليرجعْ إلى الله، ولينطرح بين يدي مولاه، وليعتقد أن الأمور كلها بيده ؛ فإن الله تعالى لا يخليه من معونته ورفده، فيخفف عنه ما نزل به، أو يقويه على حمله، فإن الصحابة - رضي الله عنهم - لما شق عليهم المحاسبة على الخواطر سلَّموا وأذعنوا لأمر مولاهم، فأنزل عليهم التخفيف، وأسقط عنهم في ذلك التكليف، وكل من رجع في أموره كلها إلى الله قضيت حوائجه كلها بالله. " من علامات النُّجْحِ في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات ".
وقوله تعالى : ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ، قيل : هو الحب لله، فلا يسأل العبد من مولاه من حبه إلا ما يطيقه، وتأمل قضية الرجل الذي سأل سيدنا موسى عليه السلام أن يرزقه الله حبه، فلما سأل ربه موسى عليه السلام هام ذلك الرجل، وشق ثيابه، وتمزقت أوصاله حتى مات. فناجى موسى رضي الله عنه ربه في شأنه، فقال : يا موسى، ألف رجل كلهم سألوني ما سأل ذلك الرجل، فقسمت جزءاً من محبتي بينهم، فنابه ذلك. الجزء. أو كما قال سبحانه.
وقال بعض الصالحين : حضرتُ مجلس ذي النون، في فسطاط مصر، فَحَزَرْت٣ في مجلسه سبعين ألفاً، فتكلم ذلك اليوم في محبته تعالى فمات أحدَ عشرَ رجلاً في المجلس، فصاح رجل من المريدين فقال : يا أبا الفيض، ذكرْتَ محبة الله تعالى فاذكر محبة المخلوقين، فتأوّه ذو النون تأوّهاً شديداً، ومدّ يده إلى قميصه، وشقه اثنتين، وقال : آه ! غلقت رهونهم، واستعبرت عيونهم، وحالفوا السُّهَاد، وفارقوا الرُّقاد، فليلُهم طويل، ونومهم قليل، أحزانهم لا تُنْفذ. وهمومهم لا تفقد، أمورهم عسيرة، ودموعهم غزيرة، باكية عيونهم، قريحة جفونهم، عاداهم الزمان والأهل والجيران.
قلت : هذه حالة العباد والزهاد، أُولي الجد والاجتهاد، غلب عليهم الخوف المزعج، أو الشوق المقلق، وأما العارفون الواصلون ؛ فقد زال عنهم هذا التعب، وأفضوا إلى الراحة بعد النصب، قد وصلوا إلى مشاهدة الحبيب، ومناجاة القريب، فعبادتهم قلبية، وأعمالهم باطنية، بين فكرة ونظرة، مع العكوف في الحضرة، قد سكن شوقهم وزال قلقهم، قد شربوا ورووا، وسكروا وصحوا، لا تحركهم الأحوال، ولا تهيجهم الأقوال، بل هم كالجبال الرواسي، نفعنا الله بذكرهم، وجعلنا من حزبهم. آمين.
قوله تعالى : واعف عنا ، قال الورتجبي : أي : واعف عنا قلة المعرفة بك، واغفر لنا التقصير في عبادتك، وارحمنا بمواصلتك ومشاهدتك. هـ. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير