قوله تعالى : وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ٣٠
[ ١٦ ] : مسألة : في توجيه ما وقع من الملائكة من تزكيتهم لأنفسهم في الآية.
يرى ابن حزم أن قول الملائكة : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ليس هو من التزكية المذمومة التي يقصد بها الافتخار وانتقاص الآخرين وإنما خرج قولهم مخرج الإخبار بالحق، والحض على الخير.
قال ابن حزم :
فإن قال قائل : إن الله عز وجل ذكر أنهم [ أي الملائكة ] قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ١ هذه تزكية لأنفسهم وقد قال تعالى : فلا تزكوا أنفسكم ٢.
قلنا وبالله تعالى التوفيق :
مدح المرء لنفسه ينقسم قسمين :
أحدهما : ما قصد به المرء الافتخار بغيا وانتقاصا لغيره، فهذه هي التزكية وهو مذموم جدا.
والآخر : ما خرج مخرج الإخبار بالحق، كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " ٣ و " فضلت على الأنبياء بست " ٤ وكقول يوسف عليه السلام قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ٥٥ ٥، ولا يسمى هذا تزكية. ومن هذا الباب قول الملائكة هاهنا.
برهان هذا : أنه لو كان قولهم مذموما لأنكره الله عز وجل عليهم، فإذ لم ينكره الله تعالى فهو صدق. ومن هذا الباب قولنا : نحن المسلمون ونحن خير أمة أخرجت للناس.
وكقول الحواريين : نحن أنصار الله ٦.
فكل هذا إذا قصد به الحض على الخير لا الفخر، فهو خير.
فإن قال قائل : إن الله تعالى قال لهم : إني أعلم ما لا تعلمون ٧.
قلنا : نعم، وما شك الملائكة قط أن الله تعالى يعلم ما لا يعلمون، وليس هذا إنكارا٨.
٢ النجم: ٢٣.
٣ أخرجه مسلم في كتاب الفضائل، باب تفضيل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على جميع الخلائق حديث (٢٢٧٨) (١٤٢٣/٤).
٤ أخرجه من حديث أبي هريرة مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث (٥٢٣) (٣١١/١).
٥ يوسف: ٥٥.
٦ الصف: ١٤.
٧ البقرة: ٣٠.
٨ الفصل (٣٢٦/٢).
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري