وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم ما لا تعلمون { ٣٠ }.
تفسير المفردات
خليفة : أي عن نوع آخر، أو خليفة عن الله في تنفيذ أوامره بين الناس، السفك والسفح والسكب : الصب، تنزيهه تعالى عما لا يليق به، والتقديس : إثبات ما يليق من صفات الكمال.
المعنى الجملي
هذه الآية كالتي قبلها تعداد للنعم الصارفة عن العصيان والكفر، الداعية إلى الإيمان والطاعة، فإن خلق آدم على تلك الصورة، وما أوتيه من نعمة العلم وحسن التصرف في الكون، وجعله خليفة الله في أرضه – لمن أجل النعم التي يجب على ذريته أن يشكروه عليها بحسن طاعته، والبعد عن كفرانه ومعصيته.
وفيها وفيما بعدها قصص لأخبار النشأة الإنسانية أبرز فيه حكما وأسرارا جاءت في صورة مناظرة وحوار – وهو من المتشابه الذي لا يمكن حمله على المعنى الظاهر منه، لأنه إما استشارة من الله لعباده، وذلك محال، وإما إخبار منه للملائكة فاعتراض منهم ومحاجة، وذلك لا يليق بالله ولا بملائكته بحسب ما جاء في وصفهم في قوله : لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ومن ثم كان للعلماء في هذا وأمثاله رأيان :
رأي المتقدمين منهم، وهو تفويض الأمر إلى الله في بيان المراد من كلامه، مع العلم بأنه لا يخبرنا بشيء إلا لنستفيد به في أخلاقنا وأعمالنا، بذكر ما يقرب المعاني إلى عقولنا.
فهذا الحوار المصور بصورة القول والمراجعة والسؤال والجواب لا ندرك حقيقة المراد منه، وإن كنا نجزم بأن هناك مقاصد أريد إفادتها بهذه العبارات، وأن الله كان يعد لآدم هذا الكون، وأن لذلك المخلوق كرامة لديه بما أودعه فيه من فضائل ومزايا، وفائدة ذكر ذلك لنا من نواح عدة :
بيان أن لا مطمع للإنسان في معرفة جميع أسرار الخليقة وحكمها، فالملائكة وهم أولى منا بعلمها عجزوا عن معرفتها.
أن الله هدى الملائكة بعد حيرتهم، وأجابهم عن سؤالهم، بأن أرشدهم إلى الخضوع والتسليم أولا بقوله : إني أعلم ما لا تعلمون ثم بالدليل ثانيا بأن علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة.
أن الله جلت قدرته رضي لخلقه أن يسألوه عما خفي عليهم من أسراره في الخليقة، والسؤال كما يكون بالمقال يكون بالحال بالتوجه إلى الله أن يفيض عليهم العلم بمعرفة ما أشكل عليهم.
تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عن تكذيب المشركين له ومحاجتهم بلا برهان يستندون إليه – بأنه لا بدع في ذلك، فالملائكة طلبوا الدليل والبرهان من ربهم فيما لا يعلمون، فالأنبياء يجدر بهم أن يصبروا على المكذبين ويعاملوهم كما عامل الله الملائكة المقربين، ويأتوهم بالبراهين الساطعة، والحجج الدامغة.
رأي المتأخرين منهم – وهو تأويل ما اشتبه علينا من قواعد الدين، لأنها إنما وضعت على أساس العقل، فإذا ورد في النقل شيء يخالف حكم العقل، حمل النقل على غير الظاهر منه بتأويله حتى يتفق مع حكم العقل.
وعلى هذا – فالقصة وردت مورد التمثيل ليقربها سبحانه من أذهان خلقه بإفهامهم حال النشأة الآدمية وما لها من ميزة خاصة – بأن أخبر ملائكته بأنه جاعل في الأرض خليفة – فعجبوا وسألوه بلسان المقال إن كانوا ينطقون، أو بلسان الحال بالتوجه إليه تعالى أن يفيض عليهم المعرفة – كيف تخلق هذا النوع ذا الإرادة المطلقة والاختيار الذي لا حد له، وربما اتجه بإرادته إلى خلاف المصلحة والحكمة، وذلك هو الفساد، فألقى عليهم بطريق الإلهام وجوب الخضوع والتسليم لمن هو عليم، فما يضيق عنه علم أحد يتسع له علم من هو أعلم منه، وهذا الجواب ربما لا يذهب بالحيرة، ومن تم تفضل على الملائكة وأبان لهم الحكمة في خلق هذا النوع، فعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة، فعلموا أن في فطرة هذا النوع استعدادا لعلم ما لم يعلموا، وأنه أهل للخلافة في الأرض، وأن سفك الدماء لا يذهب بحكمة الاستخلاف وفائدته.
وخلاصة هذا – إن الملائكة تشوفوا لمعرفة الحكمة في استخلاف ذلك المخلوق الذي من شأنه ما قالوا، ومعرفة السر في تركهم وهم المجبولون على تسبيحه وتقديمه – فأعلمهم أنه أودع فيه من السر ما لم يودعه فيهم، هذا مجمل ما جلى به الأستاذ الإمام محمد عبده رحمه الله هذا البحث حين تفسيره للآية ونقله عنه صاحب المنار في تفسيره.
الإيضاح
وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة أي واذكر لقومك مقال ربك للملائكة : إني جاعل آدم خليفة عن نوع آخر كان في الأرض، وانقرض بعد أن أفسد في الأرض وسفك الدماء وسيحل هو محله، يرشد إلى ذلك قوله تعالى بعد ذكر إهلاك القرون ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم ومن ثم استنبط الملائكة سؤالهم بالقياس عليه، وعلى هذا فليس آدم أول أصناف العقلاء من الحيوان في الأرض.
ويرى جمع من المفسرين أن المراد بالخلافة الخلافة عن الله في تنفيذ أوامره بين الناس، ومن ثم اشتهر " الإنسان خليفة الله في الأرض " ويشهد له قوله تعالى : يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض .
وهذا الاستخلاف يشمل استخلاف بعض أفراد الإنسان على بعض، بأن يوحي بشرائعه على ألسنة أناس منهم يصطفيهم ليكونوا خلفاء عنه، واستخلاف هذا النوع على غيره من المخلوقات بما ميزه به من قوة العقل، وإن كنا لا نعرف سرها ولا ندرك كنهها، وهو بهذه القوة غير محدود الاستعداد ولا محدود العلم، يتصرف في الكون تصرفا لا حد له، فهو يبتدع ويفتن في المعدن والنبات، وفي البر والبحر والهواء، ويغير شكل الأرض فيجعل الماحل خصبا، والحزن سهلا، ويولد بالتلقيح أزواجا من النبات لم تكن، ويتصرف في أنواع الحيوان كما شاء بضروب التوليد، ويسخر كل ذلك لخدمته.
ولا أدل على حكمة الله من جعل الإنسان الذي اختص بهذه المواهب خليفة في الأرض يظهر عجائب صنعه وأسرار خليقته.
قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء أي أتجعل من يقتل النفوس المحرمة بغير حق خليفة في الأرض ؟
ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك أي أتستخلف من هذه صفته ونحن المعصومون ؟
قال إني أعلم ما لا تعلمون أي قال لهم ربهم : إني أعلم من المصلحة في استخلافه ما هو خفي عليكم، وفي هذا إرشاد للملائكة أن يعلموا أن أفعاله كلها بالغة غاية الحكمة والكمال وإن عمى ذلك عليهم.
تفسير المراغي
المراغي