وإذ قال ربك للملائكة تعداد لنعمة ثالثة، فإن خلق آدم وتفضيله على الملائكة نعمة تعم ذريته وفيه حث على الإتيان بأوامره تعالى، والانتهاء عن مناهيه، قال البغوي : خلق الله السماء والأرض والملائكة والجن وأسكن الملائكة السماء –والجن الأرض- فمكثوا زمانا طويلا في الأرض، ثم ظهر الحسد والبغي فأفسدوا واقتتلوا- فبعث الله إليهم جندا من الملائكة يقال لهم الجن وهم خزان الجنان اشتق اسمه من الجنة رأسهم إبليس فكان رئيسهم و مرشدهم وأكثرهم علما- فهبطوا إلى الأٍرض وطردوا الجن إلى شعوب الجبال وجزائر البحور و سكنوا الأرض وخفف الله عنهم العبادة، وأعطى الله إبليس ملك الأرض وملك سماء الدنيا وخزانة الجنة فكان يعبد الله تارة في الأرض وتارة ي السماء و تارة في الجنة فدخله العجب فقال في نفسه ما أعطاني الله هذا الملك إلا لأني أكرم الملائكة عليه فقال الله تعالى له ولجنده إني جاعل في الأرض خليفة ومما ذكر البغوي يظهر أن إبليس كان من الملائكة كما يدل عليه ظاهر الاستثناء، فإن قيل روى مسلم عن أبي هريرة قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال :«خلق الله التربة يوم السبت و خلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الإثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق وآخر ساعة من النهار فيما بين العصر إلى الليل »(١) وهذا الحديث يدل على أن خلق آدم بعد خلق الأرض يوم سابعة فكيف يتصور مكث الجن زمانا طويلا في الأرض ثم طردهم إلى شعوب الجبال وسكونة إبليس وجنوده من الملائكة زمانا طويلا، ثم قوله تعالى : إني جاعل في الأرض خليفة قلت : لا دليل في الحديث على أن المراد بالجمعة التي خلق فيها آدم أو جمعة بعد خلق الأرض لعل ذلك الجمعة بعد مضي الدهور- ولولا هذا التأويل لزم خلق السماوات والأرض في سبعة أيام والثابت بالقرآن خلق السماوات والأرض في ستة أيام والله أعلم. والمراد بالخليفة آدم عليه السلام فإنه خليفة الله في أرضه لإقامة أحكامه وتنفيذ قضاياه وهداية عباده وجذبهم إلى الله وإعطائهم مراتب قربه تعالى وذلك لاحتياج من الله تعالى إلى الخليفة بل لقصور المستخلف عليهم عن قبول فيضه وتلقي أمره بغير وسط، وكذلك كل نبي بعده خليفة الله قالوا تعجبا واستخبارا عن مراشد أمرهم لا اعتراضا وحسدا فإنهم عباد مكرمون أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء وهم ذرية آدم إنما عرفوا ذلك بإخبار من الله تعالى ونحن نسبح بحمدك حال مقررة لجهة الإشكال والمعنى أتستخلف العصاة ونحن معصومون أحقاء بالخلافة، والتسبيح : تبعيد الله عن السوء من سبح في الأرض والماء أي بعد، وبحمدك في موضع الحال أي متلبسين بحمدك على ما وقفتنا لتسبيحك ونقدس لك والتقديس أيضا بمعنى التسبيح ويقال : قدس إذا طهر أي بعد عن الأقذار واللام زائدة أي نقدسك، أو المعنى نقدس أي نطهر أنفسنا عن الذنوب لأجلك، كأنهم قابلوا الفساد المفسر بالشرك بالتسبيح وسفك الدماء بالتقديس. سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الكلام أفضل قال :«ما اصطفى الله لملائكته سبحان الله وبحمده »(٢) رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر، وهو صلوات الخلق وعليها يرزقون رواه ابن أبي شيبة عن جابر والبغوي عن الحسن. قال إني أعلم ما لا تعلمون قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو إني بفتح الياء والباقون بالسكون إن الملائكة يعلمون بإخبار من الله تعالى من البشر صالحين وعصاة وكفارا فلا جرم زعموا أن الملائكة أفضل منهم لكونهم كلهم معصومين : لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (٣) فاستخلافهم أولى واستخلاف البشر موجب للفساد كما وقع من شرارهم، ولم يعلموا أن الله تعالى يستودع في قلوب بعضهم محبة ذاتية منه تعالى موجبة للمعية الذاتية والمحبوبية الصرفة كما نطق برأس المحبوبين، «المرء مع من أحب »(٤) رواه الشيخان من حديث ابن مسعود وأنس وابن حبان عن أنس، في الحديث القدسي «لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به »(٥) الحديث، ويكون لهم قرب ومنزلة من الله تعالى لا يتصور لغيرهم، بحيث يكون التقرب إلى عباد الله الصالحين موجبا للتقرب إليه تعالى، روى مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إن لله تعالى يقول يوم القيامة : ابن آدم مرضت فلم تعدني قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟ قال : أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده، يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني »(٦) الحديث.
اعلم أنه قد تقرر عند الأكابر من الصوفية أن ضوء الشمس كما يتحملها الأرض لكثافتها دون غيرها من عناصر الخلق كذلك التجلي الذاتي لا يتحملها إلا عنصر التراب وأما غيرها من العناصر فلنوع من الكثافة التي فيها يتحمل التجليات الصفاتية دون الذاتية وأما لطائف عالم الأمر فلا نصيب لها إلا من التجليات الظلية، والإنسان لما كان مركبا من اللطائف العشرة التي هي أجزاء العالم الكبير ولم يجتمع في شيء من أفرادها إلا بعضها كان هو أهلا للخلافة وحاملا للأمانة التي عرضها الله تعالى على السموات والأرض والجبال وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما على نفسه بتحمل ما لم يتحمله غيره جهولا لعظمة المحمول ومسمى بالعالم الصغير صورة وأكبر من الكبير معنى، حيث قال الله تعالى :«لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن »(٧) فخلق الله تعالى آدم من أديم الأرض أي وجهها بأن قبض من جميع ألوانها وعجنت بالمياه المختلفة وسواه ونفخ في الروح، أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم منهم الأحمر والأبيض وبين ذلك، والسهل والحزن و الخبيث والطيب »(٨) قلت : والحكمة فيه استجماع استعداده.
٢ أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة، باب: فضل سبحان الله وبحمده٢٧٣١.
٣ سورة التحريم، الآية: ٦.
٤ أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: علامة الحب في الله عز وجل٦١٦٨ وأخرجه مسلم وهو مروي أيضا عند أصحاب السنن.
٥ أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: التواضع٦٥٠٢.
٦ أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: فضل عيادة المريض٢٥٦٩.
٧ أغلب أقوال العلماء على أنه موضوع انظر كشف الخفاء٢٢٥٦.
٨ أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة البقرة٢٩٥٥ وأخرجه أبو داود في كتاب: السنة، باب: في القدر٤٦٨١.
التفسير المظهري
المظهري