ﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮ ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾ ﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌ ﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤ ﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓ

تكفرون وتجحدون بِاللَّهِ اى بوحدانيته ومعكم ما يصرفكم عن الكفر الى الايمان من الدلائل الانفسية والآفاقية والاستفهام إنكاري لا بمعنى انكار الوقوع بل بمعنى انكار الواقع واستبعاده والتعجيب منه لان التعجب من الله يكون على وجه التعجيب والتعجيب هو ان يدعو الى التعجب وكانه يقول ألا تتعجبون انهم يكفرون بالله كما في تفسير ابى الليث وقال القاضي هو استخبار والمعنى أخبروني على أي حال تكفرون وَكُنْتُمْ أَمْواتاً جمع ميت كاقوال جمع قيل اى والحال انكم كنتم أمواتا اى أجساما لا حياة لها عناصر واغذية ونطفا ومضغا مخلقة وغير مخلقة قال في الكشاف فان قلت كيف قيل لهم أموات حال كونهم جمادا وانما يقال ميت فيما نصح منه الحياة من البنى قلت بل يقال ذلك لعادم الحياة لقوله تعالى بَلْدَةً مَيْتاً فَأَحْياكُمْ بخلق الأرواح ونفخها فيكم في أرحام أمهاتكم ثم في دنياكم وهذا الزام لهم بالبعث والفاء للدلالة على التعقيب فان الأحياء حاصل اثر كونهم أمواتا وان توارد عليهم في تلك الحالة أطوار مترتبة بعضها متراخ عن بعض كما أشير اليه آنفا ثم لما كان المقام في الدنيا قد يطول جاء بثم حرف التراخي فقال ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند انقضاء آجالكم وكون الامانة من دلائل القدرة ظاهر واما كونها من النعم فلكونها وسيلة الى الحياة الثانية التي هي الحيوان الابدى والنعمة العظمى ثُمَّ يُحْيِيكُمْ للسؤال في القبور فيحيى حتى يسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين ويقال من ربك ومن نبيك وما دينك ودل ثم التي للتعقيب على سبيل التراخي على انه لم يرد به حياة البعث فان الحياة يومئذ يقارنها الرجوع الى الله بالحساب والجزاء وتتصل به من غير تراخ فلا يناسب ثم اليه ترجعون ودلت الآية على اثبات عذاب القبر وراحة القبر كما في التيسير ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ بعد الحشر لا الى غيره فيجازيكم بأعمالكم ان خيرا فخير وان شرا فشر واليه تنشرون من قبوركم للحساب فما اعجب كفركم مع علمكم بحالكم هذه فان قيل ان علموا انهم كانوا أمواتا فاحياهم ثم يميتهم لم يعلموا انه يحييهم ثم اليه يرجعون قلت تمكنهم من العلم بهما لما نصب لهم من الدلائل منزل منزلة علمهم في ازاحة العذر سيما وفي الآية تنبيه على ما يدل به على صحتهما وهو انه تعالى لما قدر ان أحياهم اولا قدران يحييهم ثانيا فان بدأ الخلق ليس باهون عليه من إعادته هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ هذا بيان نعمة اخرى اى قدر خلقها لاجلكم ولانتفاعكم بها في دنياكم ودينكم لان الأشياء كلها لم تخلق في ذلك الوقت ما فِي الْأَرْضِ اى الذي فيها من الأشياء جَمِيعاً نصب حالا من الموصول الثاني وقد يستدل بهذا على ان الأصل في الأشياء الإباحة كما في الكواشي وقال في التيسير اهل الإباحة من المتصوفة الجهلة حملوا اللام في لكم في قوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ على الإطلاق والإباحة على الإطلاق وقالوا لا حظر ولا نهى ولا امر فاذا تحققت المعرفة وتأكدت المحبة سقطت الخدمة وزالت الحرمة فالحبيب لا يكلف حبيبه ما يتعبه ولا يمنعه ما يريده ويطلبه وهذا منهم كفر صريح وقد نهى الله تعالى وامر وأباح وحظر ووعد وأوعد وبشر وهدد والنصوص ظاهرة والدلائل متظاهرة فمن حمل هذه الآية على الإباحة المطلقة فقد انسلخ من الدين بالكلية انتهى كلام التيسير ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ قصد إليها اى الى خلقها بإرادته ومشيئته قصدا سويا بلا صارف يلويه ولا عاطف يثنيه من ارادة شىء آخر في تضاعيف خلقها

صفحة رقم 90

او غير ذلك ولا تناقض بين هذا وبين قوله وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها لان الدحو البسط وعن الحسن خلق الله الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر اى الحجر ملئ الكف عليها دخان يلتزق بها ثم اصعد الدخان وخلق منه السموات وامسك الفهر في موضعه ثم بسط منه الأرض كذا في الكواشي وقال ابن عباس رضى الله عنهما أول ما خلق الله جوهرة طولها وعرضها مسيرة الف سنة في مسيرة عشرة آلاف سنة فنظر إليها بالهيبة فذابت واضطربت ثم ثار منها دخان فارتفع واجتمع زبد فقام فوق الماء فجعل الزبد أرضا والدخان سماء قالوا فالسماء من دخان خلقت وبريح ارتفعت وباشارة تفرقت وبلا عماد قامت وبنفخة تكسرت فَسَوَّاهُنَّ اى
اتمهن وقومهن وخلقهن ابتداء مصونات عن العوج والفطور لانه سواهن بعد ان لم يكن كذلك والضمير فيه مبهم فسر بقوله تعالى سَبْعَ سَماواتٍ فهو نصب على انه تمييز نحو ربه رجلا قال سلمان هي سبع اسم الاولى رقيع وهي من زمردة خضراء واسم الثانية أرفلون وهي من فضة بيضاء والثالثة قيدوم وهي من ياقوتة حمراء والرابعة ما عون وهي من درة بيضاء والخامسة دبقاء وهي من ذهب احمر والسادسة وفناء وهي من ياقوتة صفراء والسابعة عروباء وهي من نور يتلألأ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فيه تعليل كانه قال ولكونه عالما بكنه الأشياء كلها خلق ما خلق على هذا النمط الأكمل والوجه الانفع واستدلال بان من كان فعله على هذا النسق العجيب والترتيب الأنيق كان علميا فان إتقان الافعال وأحكامها وتخصيصها بالوجه الأحسن الانفع لا يتصور إلا من عالم حكيم رحيم وازاحة لما يختلج في صدورهم من ان الأبدان بعد ما تفتتت وتكسرت وتبددت اجزاؤها واتصلت بما يشاكلها كيف يجمع اجزاء كل بدن مرة ثانية بحيث لا يشذ شىء منها ولا ينضم إليها ما لم يكن معها فيعاد منها كما كان وفي هذه الآية اشارة الى مراتب الروحانيات فالاول عالم الملكوت الارضية والقوى النفسانية والثاني عالم النفس والثالث عالم القلب والرابع عالم العقل والخامس عالم السر والسادس عالم الروح والسابع عالم الخفاء الذي هو السر الروحي والى هذا أشار امير المؤمنين على رضى الله عنه بقوله سلونى عن طرق السماء فانى اعلم بها من طرق الأرض وطرقها الأحوال والمقامات كالزهد والتقوى والتوكل والرضى وأمثالها واعلم ان المراتب اثنتا عشرة على عدد السموات والعروش الخمسة وكان الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره يقول للتوحيد اثنا عشر بابا فالجلوتية يقطعونها بالتوحيد لان سرهم في اليقين والخلوتية يقطعونها بالأسماء لان سرهم فى البرزخ وهم يقولون جنة الافعال وجنة الصفات وجنة الذات وذلك لان الجنات على ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما سبع فاذا كان اربع منها لاهل اليقين اعنى الجلوتية فالثلاث لاهل البرزخ اعنى الخلوتية وهي الافعال والصفات والذات وفي التأويلات النجمية كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ اما خطاب توحيد للمؤمنين اى أتكفرون بالله وبانبيائه لانكم كُنْتُمْ أَمْواتاً ذرات فى صلب آدم فَأَحْياكُمْ باخراجكم من صلته وأسمعكم لذيذ خطاب ألست بربكم وأذاقكم لذات الخطاب ووفقكم للجواب بالصواب حتى قلتم بلى رغبة لا رهبة ثُمَّ يُمِيتُكُمْ بالرجعة الى أصلاب آبائكم والى عالم الطبيعة الانسانية ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ببعثة الأنبياء وقبول دعوتهم

صفحة رقم 91

ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ بدلالة الأنبياء وقدم التوحيد على جادة الشريعة الى درجات الجنات واما خطاب تشريف للانبياء والأولياء اى أتكفرون وكنتم أمواتا في كتم العدم فاحياكم بالتكوين فى عالم الأرواح ورشاش النور فخمر طينة أرواحكم بماء نور العناية وتخمير يد المحبة باربعى صباح الوصال ثم يميتكم بالمفارقة عن شهود الجمال الى مقبرة الحس والخيال ثم يحييكم اما الأنبياء فبنور نور الوحى واما الأولياء فبروح روح نور الايمان ثم اليه ترجعون اما الأنبياء فبالعروج واما الأولياء فبالرجوع بجذبات الحق كما قال تعالى ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ فلما اثبت ان الرجوع اليه امر ضرورى اما بالاختيار كقراءة يعقوب ترجعون بفتح التاء وكسر الجيم واما بالاضطرار كقراءة الباقين أشار الى ان الذي ترجعون اليه هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً اى ما خلقكم لشئ وخلق كل شىء لكم بل خلقكم لنفسه كما قال تعالى وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي معناه لا تكن لشئ غيرى فانى لست لشئ غيرك فبقدر ما تكون لى أكون لك كما قال عليه السلام (من كان لله كان الله له) وليس لشئ من الموجودات هذا الاستعداد اى ان يكون هو لله على التحقيق وان يكون الله له وفي هذا سر عظيم وافشاء سر الربوبية كفر فلا تشتغل بمالك عمن أنت له فتبقى بلا هو ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فيه اشارة الى ان وجود السموات والأرض كان تبعا لوجود الإنسان وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ اى عالم بخلق كل شىء خلقه ولاى شىء خلقه فكل ذرة من مخلوقاته تسبح بحمد ذاته وصفاته وتشهد على أحديته وصمديته وتقول ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك: قال المولى الجامى قدس سره

دو جهان جلوكاه وحدت تو شهد الله كواه وحدت تو
وَإِذْ مفعول اذكر مقدرة اى اذكر لهم واخبر وقت قالَ رَبُّكَ وتوجيه الأمر بالذكر الى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع انها المقصودة بالذات للمبالغة في إيجاب ذكرها لما ان إيجاب ذكر الوقت إيجاب الذكر ما وقع فيه بالطريق البرهاني ولان الوقت مشتمل عليها فاذا استحضر كانت حاضرة بتفاصيلها كانها مشاهدة عيانا لِلْمَلائِكَةِ اللام للتبليغ وتقديم الجار والمجرور في هذا الباب مطرد لما في المقول من الطول غالبا مع ما فيه من الاهتمام بما قدم والتشويق الى ما اخر والملائكة جمع ملك والتاء لتأكيد تأنيث الجماعة وسموا بها فانهم وسائط بين الله وبين الناس فهم رسله لان اصل ملك ملأك مقلوب مألك من الألوكة وهي الرسالة والملائكة عند اكثر المسلمين أجسام لطيفة قادرة على التشكل باشكال مختلفة والدليل ان الرسل كانوا يرونهم كذلك وروى في شرح كثرتهم ان بنى آدم عشر الجن وهما عشر حيوانات البر والكل عشر الطيور والكل عشر حيوانات البحار وهؤلاء كلهم عشر ملائكة السماء الدنيا وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الثانية وهكذا الى السماء السابعة ثم كل أولئك في مقابلة الكرسي نزر قليل ثم جمع هؤلاء عشر ملائكة سرادق واحد من سرادقات العرش التي عددها ستمائة الف طول كل سرادق وعرضه وسمكه إذا قوبلت به السموات والأرض وما فيهما وما بينهما لا يكون لها عنده قدر محسوس وما منه من مقدار شبر الا وفيه ملك ساجد او راكع او قائم لهم زجل بالتسبيح والتقديس ثم كل هؤلاء في مقابلة

صفحة رقم 92

الذين يحومون حول العرش كالقطرة في البحر ثم ملائكة اللوح الذين هم أشياع اسرافيل عليه السلام والملائكة الذين هم جنود جبريل عليه السلام لا يحصى أجناسهم ولا مدة أعمارهم ولا كيفيات عبادتهم الا باريهم العليم الخبير على ما قال تعالى وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وروى انه ﷺ حين عرج به الى السماء رأى ملائكة في موضع بمنزلة شرف يمشى بعضهم تجاه بعض فسأل رسول الله جبريل عليهما السلام الى اين يذهبون فقال جبريل عليه السلام لا أدرى الا انى أراهم منذ خلقت ولا ارى واحدا منهم قد رأيته قبل ذلك ثم سألا واحدا منهم منذكم خلقت فقال لا أدرى غير ان الله تعالى يخلق في كل اربعة آلاف سنة كوكبا وقد خلق منذ ما خلقنى اربعمائة الف كوكب فسبحانه من آله ما أعظم قدره وما أوسع ملكوته وأراد بهم الملائكة الذين كانوا في الأرض وذلك ان الله خلق السماء والأرض وخلق الملائكة والجن فاسكن
الملائكة السماء واسكن الجن الأرض والجن هم بنوا الجان والجان ابو الجن كآدم ابو البشر وخلق الله الجان من لهب من نار لا دخان لها بين السماء والأرض والصواعق تنزل منها ثم لما سكنوا فيها كثر نسلهم وذلك قبل آدم بستين الف سنة فعمروا دهرا طويلا في الأرض مقدار سبعة آلاف سنة ثم ظهر فيهم الجسد والبغي فافسدوا وقتلوا فبعث الله إليهم ملائكة سماء الدنيا وامر عليهم إبليس وكان اسمه عزازيل وكان أكثرهم علما فهبطوا الى الأرض حتى هزموا الجن وأخرجوهم من الأرض الى جزائر البحور وشعوب الجبال وسكنوا الأرض وصار امر العبادة عليهم أخف لان كل صنف من الملائكة يكون ارفع في السموات يكون خوفهم أشد وملائكة السماء الدنيا يكون أمرهم أيسر من الذين فوقهم واعطى الله إبليس ملك الأرض وملك السماء الدنيا وخزانة الجنة وكان له جناحان من زمرد أخضر وكان يعبد الله تارة في الأرض وتارة في السماء وتارة في الجنة فدخله العجب فقال في نفسه ما أعطاني الله هذا الملك الا لانى أكرم الملائكة عليه وايضا كل من اطمأن الى الدنيا امر بالتحول عنها فقال الله تعالى له ولجنوده إِنِّي جاعِلٌ اى مصير فِي الْأَرْضِ دون السماء لان التباغي والتظالم كان في الأرض خَلِيفَةً وهو آدم عليه السلام لانه خلف الجن وجاء بعدهم ولانه خليفة الله في ارضه اى أريد ان اخلق في الأرض بدلا منكم ورافعكم الى فكرهوا ذلك لانهم كانوا أهون الملائكة عبادة واعلم ان الله تعالى يحفظ العالم بالخليفة كما يحفظ الخزائن بالختم وهو القطب الذي لا يكون في كل عصر الا واحدا فالبدء كان بآدم عليه السلام والختام يكون بعيسى عليه السلام والحكمة في الاستخلاف قصور المستخلف عليه عن قبول فيضه وتلقى امره بغير واسطة لان المفيض تعالى في غاية التنزه والتقدس والمستفيض منغمس غالبا في العلائق الدنيئة كالاكل والشرب وغيرهما والعوائق الطبيعية كالاوصاف الذميمة فالاستفاضة منه انما تحصل بواسطة ذى جهتين اى ذى جهة التجرد وجهة التعلق وهو الخليفة أيا كان ولذا لم يستنبئ الله ملكا فان البشر لا يقدر على الاستفادة منه لكونه خلاف جنسه ألا يرى ان العظم لما عجز عن أخذ الغذاء من اللحم لما بينهما من التباعد جعل الله تعالى بحكمته بينهما الغضروف المناسب لهما ليأخذ من اللحم ويعطى العظم وجعل السلطان الوزير بينه وبين رعيته إذ هم اقرب الى قبولهم منه وجعل

صفحة رقم 93

المستوقد الحطب اليابس بين النار وبين الحطب الرطب وفائدة قوله تعالى لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً اربعة امور الاول تعليم المشاورة في أمورهم قبل ان يقدموا عليها وعرضها على ثقاتهم ونصحائهم وان كان هو بعلمه وحكمته البالغة غنيا عن المشاورة: قال في المثنوى

مشورت ادراك وهشيارى دهد عقلها مر عقل را يارى دهد
كفت پيغمبر بكن اى رأى زن مشورت كه المستشار مؤتمن
ويقال اعقل الرجال لا يستغنى عن مشاورة اولى الألباب وأفره الدواب لا يستغنى عن السوط وأورع النساء لا تستغنى عن الزوج والثاني تعظيم شأن المجعول بان بشر بوجوده سكان ملكوته ولقبه بالخليفة قبل خلقه والثالث اظهار فضله الراجح على ما فيه من المفاسد بسؤالهم وهو قوله أَتَجْعَلُ إلخ وجوابه وهو قوله إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ إلخ والرابع بيان ان الحكمة تقتضى ما يغلب خيره فان ترك الخير الكثير لاجل الشر القليل شر كثير كقطع العضو الذي فيه آكلة شر قليل وسلامة جميع البدن خير كثير فلو لم يقطع ذلك العضو سرت تلك الآفة الى جميع البدن وأدت الى الهلاك الذي هو شر كثير قالُوا استئناف كانه قيل فماذا قالت الملائكة حينئذ فقيل قالوا أَتَجْعَلُ فِيها اى الأرض مَنْ يُفْسِدُ فِيها كما أفسدت الجن وفائدة تكرار الظرف تأكيد الاستبعاد وَيَسْفِكُ الدِّماءَ اى يصبها ظلما كما يسفك بنوا الجان والتعبير عن القتل بسفك الدماء لما انه أقبح انواع القتل قال بعض العارفين الملائكة الذين نازعوا في آدم ليسوا من اهل الجبروت ولا من اهل الملكوت السماوية فانهم لغلبة النورية عليهم واحاطتهم بالمراتب يعرفون شرف الإنسان الكامل ورتبته عند الله وان لم يعرفوا حقيقته كما هي بل نازعت ملائكة الأرض والجن والشياطين الذين غلبت عليهم الظلمة والنشأة الموجبة للحجاب وفي قوله تعالى إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً بتخصيص الأرض بالذكر وان كان خليفة في العالم كله في الحقيقة هو ايماء ايضا بان ملائكة الأرض هم الطاعنون إذا الظن لا يصدر الا ممن هو في معرض ذلك المنصب واهل السموات مدبرات للعالم العلوي فما قالت الملائكة الارضية الا بمقتضى نشأتهم التي هم عليها من غبطة منصب الخلافة في الأرض والغيرة على منصب ملكهم وتعبدهم بما هم عليه من التسبيح والتقديس فكل اناء يترشح بما فيه واما الاعتراض على فعل الحكيم والنزاع في صنعه عند حضرته فمعفو عنه لكمال حكمته وإتقان صنعته: قال في المثنوى
زانكه اين دمها اگر نالايقست رحمت من بر غضب هم سابقست
از پى اظهار اين سبق اى ملك در تو بنهم داعيه إشكال وشك
تا بگويى ونكيرم بر تو من منكر حلمم نيارد دم زدن
صد پدر صد مادر اندر حلم ما هر نفس زايد در افتد در فنا
حلم ايشان كف بحر حلم ماست كف رود آيد ولى دريا بجاست
وفي الفتوحات ان هاروت وماروت من الملائكة الذين نازعوا آدم ولاجل هذا ابتلاهما الله تعالى بإظهار الفساد وسفك الدماء فافهم سر قوله عليه السلام (دع الشماتة عن أخيك فيعافيه الله تعالى

صفحة رقم 94

ويبتليك) وايضا من تلك الملائكة الطاعنين بسفك الدماء الملائكة التي أرسلها الله تعالى نصرة للمجاهدين وسفك الدماء غيرة على دين الله وشرعه كذا في حل الرموز وكشف الكنوز وَنَحْنُ اى والحال انا نُسَبِّحُ اى ننزهك عن كل ما لا يليق بشأنك ملتبسين بِحَمْدِكَ على ما أنعمت علينا من فنون النعم التي من جملتها توفيقنا لهذه العبادة فالتسبيح لاظهار صفات الجلال والحمد لتذكير صفات الانعام وَنُقَدِّسُ تقديسا لَكَ اى نصفك بما يليق بك من العلو والعزة وننزهك عما لا يليق بك فاللام للبيان كما في سقيا لك متعلقة بمصدر محذوف ويجوز ان تكون مزيدة اى نقدسك قال في التيسير التسبيح نفى ما لا يليق به والتقديس اثبات ما يليق به وقال الشيخ داود القيصري قدس سره التسبيح أعم من التقديس لانه تنزيه الحق عن نقائص الإمكان والحدوث والتقديس تنزيهه عنها وعن الكمالات اللازمة للاكوان لانها من حيث اضافتها الى الأكوان تخرج عن إطلاقها وتقع في نقائص التقييد انتهى وكانه قيل أتستخلف من شأن ذريته الفساد مع وجود من ليس من شانه ذلك أصلا والمقصود عرض احقيتهم منهم بالخلافة والاستفسار عمار جح بنى آدم عليهم مع ما هو متوقع منهم من الفساد وكأنه قيل فماذا قال الله تعالى حينئذ فقيل قالَ الله إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ من الحكمة والمصلحة باستخلاف آدم عليه السلام وان من ذريته الطائع والعاصي فيظهر الفضل والعدل فلا تعترضوا على حكمى وتقديرى ولا تستكشفوا عن غيبة تدبيرى فليس كل مخلوق يطلع على غيب الخالق ولا كل أحد من الرعية يقف على سر الملك وفي الآية تنبيه للسالك بان يتأدب بين يدى الحق تعالى وخلفائه والمشايخ والعلماء لئلا يظهر بالانانية واظهار العلم عندهم لانه سالك لطريق الفناء والفاني لا يكون كطاووس تعشق بنفسه واعجب بذاته بل لا يرى وجوده أصلا فقد وعظنا الله تعالى بزجره للملائكة بقوله إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ: قال السعدي

نرود مرغ سوى دانه فراز چون دگر مرغ بيند اندر بند
پند كير از مصائب ديكران تا نكيرند ديكران ز تو پند
وفي التأويلات النجمية وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً انما قال جاعل وما قال خالق لمعنيين أحدهما ان الجاعلية أعم من الخالقية فان الجاعلية هي الخالقية وشىء آخر وهو ان يخلقه موصوفا بصفة الخلافة إذ ليس لكل أحد هذا الاختصاص كما قال تعالى يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ اى خلقناك مستعدا للخلافة فاعطينا كها والثاني ان للجعلية اختصاصا بعالم الأمور وهو للملكوت وهو ضد عالم الخلق لانه هو عالم الأجسام والمحسوسات كما قال تعالى أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ اى الملك والملكوت فانه تعالى حيث ذكر ما هو مخصوص بعالم الأمر ذكره بالجعلية لامتياز الأمر عن الخلق كما قال تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ فالسموات والأرض لما كانتا من الأجسام المحسوسات ذكرهما بالخلقية والظلمات والنور لما كانتا من الملكوتيات غير المحسوسات ذكرهما بالجعلية وانما قلنا الظلمات والنور من الملكوتيات لقوله تعالى اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ فيفيد انها من الملكوتيات لا من المحسوسات واما الظلمات والنور التي من المحسوسات فانها داخلة

صفحة رقم 95

فى السموات والأرض فافهم جدا فكذلك لما اخبر الله تعالى عن آدم بما يتعلق بجسمانيته ذكره بالخلقية كما قال إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ ولما اخبر عما يتعلق بروحانيته ذكره بالجعلية وقال إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً وفي انى جاعل اشارة اخرى وهو اظهار عزة آدم عليه السلام على الملائكة لينظروا اليه بنظر التعظيم ولا ينكروا عليه بما يظهر منه ومن أولاده من أوصاف البشرية فانه تعالى يقول ولذلك خلقهم وسماه خليفة وما شرف شيأ من الموجودات بهذه الخلقة والكرامة وانما سمى خليفة لمعنيين أحدهما انه يخلف عن جميع المخلوقات ولا يخلفه المكونات بأسرها وذلك لان الله جمع فيه ما في العوالم كلها من الروحانيات والجسمانيات والسماويات والأرضيات والدنيويات والاخرويات والجماديات والنباتيات والحيوانيات والملكوتيات فهو بالحقيقة خليفة كل وأكرمه باختصاص كرامة ونفخت فيه من روحى وما أكرم بها أحدا من العالمين وأشار الى هذا المعنى بقوله تعالى وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ فلهذا الاختصاص ما صلح الموجودات كلها ان تكون خليفة لآدم ولا للحق تعالى والثاني انه يخلف وينوب عن الله صورة ومعنى اما صورة فوجوده في الظاهر يخلف عن وجود الحق في الحقيقة لان وجود الإنسان يدل على وجود موجده كالبناء يدل على وجود الباني ويخلف وحدانية الإنسان عن وحدانية الحق وذاته عن ذاته وصفاته عن صفاته فيخلف حياته عن حياته وقدرته عن قدرته وإرادته عن إرادته وسمعه عن سمعه وبصره عن بصره وكلامه عن كلامه وعلمه عن علمه ولا مكانية روحه عن لا مكانيته ولا جهتيته عن لا جهتيته فافهم ان شاء الله تعالى وليس لنوع من المخلوقات ان يخلف عنه كما يخلف آدم وان كان فيهم بعض هذه لانه لا يجتمع صفات الحق في أحد كما يجتمع في الإنسان ولا يتجلى صفة من صفاته لشئ كما يتجلى لمرآة قلب الإنسان صفاته واما الحيوانات فانها وان كان لها بعض هذه الصفات ولكن ليس لها علم بوجود موجدها واما الملائكة فانهم وان كانوا عالمين بوجود موجدهم ولكن لا يبلغ حد علمهم الى ان يعرفوا أنفسهم بجميع صفاتها ولا الحق بجميع صفاته ولذا قالوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا وكان الإنسان مخصوصا بمعرفة نفسه بالخلافة وبمعرفة جميع اسماء الله تعالى واما معنى فليس في العالم مصباح يستضئ بنار نور الله فيظهر أنوار صفاته في الأرض خلافة عنه الا مصباح الإنسان فانه مستعد لقبول فيض نور الله لانه اعطى مصباح السر في زجاجة القلب والزجاجة في مشكاة الجسد وفي زجاجة القلب زيت الروح يكاد زيتها يضئ من صفات العقل ولو لم تمسسه نار النور وفي مصباح السر فتيلة الخفاء فاذا أراد الله ان يجعل في الأرض خليفة يتجلى بنور جماله لمصباح السر الإنساني فيهدى لنوره فتيلة خفاء من يشاء فيستنير مصباحه بنار نور الله فهو على نور من ربه فيكون خليفة الله في ارضه فيظهر أنوار صفاته في هذا العالم بالعدل والإحسان والرأفة والرحمة لمستحقيها وبالعزة والقهر
والغضب والانتقام لمستحقيها كما قال تعالى (يا داود انا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) وقال لحبيبه عليه السلام بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ وقال في حقه وحق المؤمنين مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ولم يظهر هذه الصفات لا على الحيوان ولا على الملك وناهيك بحال هاروت وماروت لما أنكرا على ذرية آدم من اتباع الهوى والقتل

صفحة رقم 96

والظلم والفساد وقالا لو كنا بدلا منهم خلفاء الأرض ما كنا نفعل مثل ما يفعلون فالله تعالى انزلهما الى الأرض والبسهما لباس البشرية وأمرهما ان يحكما بين الناس بالحق ونهاهما عن الشرك والقتل بغير حق والزنى وشرب الخمر قال قتادة فما مر عليهما شهر حتى افتتنا فشربا الخمر وسفكا الدم وزنيا وقتلا وسجدا للصنم فثبت ان الإنسان مخصوص بالخلافة وقبول فيضان نور الله فلو كان للملائكة هذه الخصوصية لما افتتنا بهذه الأوصاف المذمومة الحيوانية والسبعية كما كان الأنبياء عليهم السلام معصومين من مثل هذه الآفات والأخلاق وان كانت لازمة لصفاتهم البشرية ولكن بنور التجلي تنور مصباح قلوبهم واستنار بنور قلوبهم جميع مشكاة جسدهم ظاهرا وباطنا وأشرقت الأرض بنور ربها فلم يبق لظلمات هذه الصفات مجال الظهور مع استعلاء النور فالملائكة من بدو الأمر لما نظروا الى جسد آدم شاهدوا ظلمات البشرية والحيوانية والسبعية في ملكوت الجسد بالنظر الملكوتي الملكي ولم تكن تلك الصفات غائبة عن نظرهم قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ فقولهم هذا يدل على معان مختلفة منها ان الله أنطقهم بهذا القول ليتحقق لنا ان هذه الصفات الذميمة في طينتنا مودعة وجبلتنا مركبة فلانأمن من مكر أنفسنا الأمارة بالسوء ولا نعتمد عليها ولا نبرئها كما قال تعالى حكاية عن قول يوسف عليه السلام وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي ومنها لنعلم ان كل عمل صالح نعمله هو بتوفيق الله إيانا وفضله ورحمته وكل فساد وظلم نعمله هو من شؤم طبيعتنا وخاصية طينتنا كما قال تعالى ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وكل فساد وظلم لا يجرى علينا ولا يصدر منا فذلك من حفظ الحق وعصمة الرب لقوله إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي ومنها لنعلم ان الله تعالى من كمال فضله وكرمه قد قبلنا بالعبودية والخلافة وقال من حسن عنايته في حقنا للملائكة المقربين إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ لكيلا نقنط من رحمته وننقطع عن خدمته ومنها لنعلم ان فساد الاستعداد امر عظيم وبناء جسيم ومبنى الخلافة على الاستعداد والقابلية وليس للملائكة هذا الاستعداد والقابلية فلا نتغافل عن هذه السعادة ونسعى في طلبها حق السعاية ومنها ان الملائكة انما قالوا أَتَجْعَلُ فِيها إلخ لانهم نظروا الى جسد آدم قبل نفخ الروح فشاهدوا بالنظر الملكي في ملكوت جسده المخلوق من العناصر الاربعة المتضادة صفات البشرية والبهيمية والسبعية التي تتولد من تركيب أضداد العناصر كما شاهدوها في أجساد الحيوانات والسباع الضاريات بل عاينوها فانها خلقت قبل آدم فقاسوا عليها أحواله بعد ان شاهدوها وحققوها وهذا لا يكون غيبا في حقهم وانما يكون غيبا لنا لانا ننظر بالحس والملكوت يكون لاهل الحس غيبا ومنا من ينظر بالنظر الملكوتي فيشاهد الملائكة والملكوتيات بالنظر الروحاني كما قال تعالى وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وقال أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فحينئذ لا يكون غيبا فالغيب ما غاب عنك وما شاهدته فهو شهادة فالملكوت للملائكة شهادة والحضرة الإلهية لهم غيب وليس لهم الترقي الى تلك الحضرة وان في الإنسان صورة من عالم الشهادة المحسوسة وروحا من عالم الغيب الملكوتي غير المحسوس وسرا مستعدا لقبول فيض الأنوار الإلهية فبالتربية يترقى من عالم الشهادة الى عالم الغيب وهو

صفحة رقم 97

روح البيان

عرض الكتاب
المؤلف

إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء

الناشر دار الفكر - بيروت
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية