وإذ نجيناهم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم { ٤٩ }.
تفسير المفردات
النجو : المكان العالي من الأرض، لأن من صار إليه يخلص وينجو، ثم سمي كل فائز ناجيا لخروجه من الضيق إلى السعة، والآل : من آل يئول بمعنى رجع، لأنه يرجع إليك في قرابة أو رأي أو مذهب، ولا يضاف إلا لذوي القدر والخطر، وفرعون : لقب لمن ملك مصر قبل البطالسة ككسرى لملك الفرس، وقيصر لملك الروم، وخاقان لملك الترك، وتبع لملك اليمن، والنجاشي لملك الحبشة، وسامه : كلفه، والسوء : الشيء القبيح، وسوء العذاب، أشده وأفظعه، والبلاء : الاختبار والامتحان وهو تارة يكون بما يسر ليشكر العبد ربه، وتارة بما يضر ليصبر، وتارة بهما ليرغب ويرهب.
المعنى الجملي
فصل في هذه الآية نعمة مما أنعم به على هذا الشعب العظيم، ذكر فيها ما حل بهم من العذاب والبلاء جزاء ما صنعوا من جرائم وارتكبوا من آثام، ثم ما كان من لطف الله بهم، إذ رفع عنهم البلاء ليتوبوا ويعرفوا قدر نعمته عليهم كما قال : وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون .
وقد امتن على اليهود الذين كانوا عصر التنزيل بنعمة كانت لآبائهم، لأن الإنعام على أمة إنعام شامل لأفرادها سواء منهم من أصابه ذلك ومن لم يصبه، لما يكون له من الأثر في مجموع الأفراد يرثه الخلف عن السلف، فصنوف البلاء التي ذكر بها اليهود في القرآن كانت للشعب من جراء جرائم وقعت من مجموعه.
وقد روى المؤرخون أن أول من دخل مصر من بني إسرائيل يوسف عليه السلام وانضم إليه إخوته بعد، وتكاثر نسلهم حتى بلغوا في مدى أربعمائة سنة نحو ستمائة ألف حين خرجوا من مصر باضطهاد فرعون وقومه لهم، إذ قد رأى تبسط اليهود في البلاد ومزاحمتهم للمصريين، فراح يستذلهم ويكلفهم شاق الأعمال في مختلف المهن والصناعات، وهم مع ذلك يزدادون نسلا، ويحافظون على عاداتهم وتقاليدهم لا يشركون المصريين في شيء ولا يندمجون في غمارهم، إلى مالهم من أنانية وإباء وترفع على سواهم، اعتقادا منهم بأنهم شعب الله وأفضل خلقه، فهال المصريين ما رأوا وخافوا إذا هم كثروا أن يغلبوهم على بلادهم، ويستأثروا بخيراتها وينتزعوها من بين أيديهم، وهم ذلك الشعب النشيط المجد العامل المفكر، فعملوا على انقراضهم بقتل ذكرانهم واستحياء بناتهم، فأمر فرعون القوابل أن يقتلن كل ذكر إسرائيلي حين ولادته.
والعبرة من هذا القصص أنه كما أنعم على اليهود، ثم اجترحوا الآثام فعاقبهم، بصنوف البلاء، ثم تاب عليهم وأنجاهم، أنعم على الأمة الإسلامية بضروب من النعم، فقد كانوا أعداء فألف بين قلوبهم وأصبحوا بنعمته إخوانا، وكانوا مستضعفين في الأرض، فمكن لهم وأورثهم أرض الشعوب القوية، وجعل لهم فيها السلطان والقوة، وجعلهم أمة وسطا لا تفريط لديها ولا إفراط، ليكونوا شهداء على من أفرطوا أو قصروا.
ثم لما كفروا بهذه النعم أذاقهم الله ألوانا من العذاب على يد التتار في بغداد، وفي الحروب الصليبية، إذ جاس الغربيون خلال الديار الإسلامية، ولا يزالون يتنقصون بلادهم من أطرافها ويصبون عليهم العذاب وهم لاهون ساهون، وكلما حلت بهم كارثة أو أصابتهم جائحة أحالوا الأمر فيها على القضاء والقدر دون أن يتعرفوا أسبابها ويبادروا إلى علاجها، ويكونوا يدا واحدة على رفع ما يحل بهم من النكبات ويدهمهم من الويلات.
الإيضاح
وإذ نجيناكم من آل فرعون أي واذكروا وقت تنجيتنا إياكم أي تنجية آبائكم، وتنجيتهم تنجية لأعقابهم، وهو استعمال تعهده العرب في كلامها، يقولون قتلناكم يوم عكاظ أي قتل آباؤنا آباءكم.
يسومونكم سوء العذاب أي يكلفونكم ما يسوءكم ويذلكم من العذاب.
ثم فصل هذا العذاب بقوله :
يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم أي يقتلون الذكور ويستبقون البنات إذلالا لكم حتى ينقرض شعبكم من البلاد.
وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم أي وفي ذلكم العذاب والتنجية منه امتحان عظيم من ربكم كما قال تعالى : ونبلوكم بالشر والخير وقوله : من ربكم : أي من جهته تعالى بتسليطهم عليكم، وبعث موسى وتوفيقه لخلاصكم.
تفسير المراغي
المراغي