ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣ

وقوله ( جل وعلا ) : وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب [ البقرة : آية ٤٩ ] أي واذكروا إذ نجيناكم من آل فرعون، يعني : من فرعون وقومه القبط ؛ لأنهم كانوا يهينون بني إسرائيل.
قال بعض العلماء : أصل ( الآل ) : أهل، بدليل تصغيره على ( أهيل )، وبعضهم صغره على ( أويل )، ولا يطلق ( الآل ) على الأهل إلا إذا كان مضافا لمن له شرف وقدر، فلا تقول : آل الحجام، ولا آل الإسكاف.
و ( فرعون ) ملك مصر المعروف، وهو يطلق على من ملك مصر. وقال بعضهم : كل من ملك العمالقة يطلق عليه ( فرعون ).
اختلف في لفظ ( فرعون ) هل هو عربي أو أعجمي ؟ قيل : هو اسم أعجمي، منع من الصرف للعلمية والعجمة. وقال بعض العلماء : هو عربي، من تفرعن الرجل إذا كان ذا مكر ودهاء. والأول أظهر. وعلى أنه عربي فوزنه ( فعلول ) بلامين لا ( فعلون ) بالنون.
وقوله : يسومونكم سوء العذاب تقول العرب : سامه خسفا، إذا أولاه ظلما، وأذاقه عذابا، ومن هذا المعنى قول عمروا بن كلثوم في معلقته :
إذا ما الملك سام الناس خسفا*** أبينا أن نقر الذل فينا
وقوله : سوء العذاب أي : يذيقونكم ويولونكم سوء العذاب، أي : أصعب العذاب وأشده وأفظعه ؛ لأنهم كانوا يعذبونهم بأنواع من العذاب شاقة ذكر الله بعضا منها هنا حيث قال :
يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم
فالفعل المضارع الذي هو يذبحون بدل من الفعل المضارع الذي قبله الذي هو يسومونكم ، على حد قوله في الخلاصة :
ويبدل الفعل من الفعل كمن*** يصل إلينا يستعن بنا يعن
وإنما عبر بالتشديد في قراءة الجمهور في قوله : يذبحون دلالة على الكثرة ؛ لأنهم ذبحوا كثيرا من أبنائهم. يذبحون أبناءكم أي : الذكور ويستحيون نساءكم أي : بناتكم الإناث، يبقوهن حيات، ولم يذبحوهن.
والنساء على التحقيق اسم جمع لا واحد له من لفظه، واحدته امرأة.
وفي هذه الآية سؤال معروف ؛ لأن الله لما ذكر أنهم ساموهم سوء العذاب فسر قوله : يسومونكم سوء العذاب بالبدل بعده، وبين أن من ذلك العذاب العظيم السيئ : تذبيح الأبناء، واستحياء البنات. وفي هذا السؤال، وهو أن يقول : تذبيح الأبناء ظاهر أنه من ذلك العذاب الذي يسومونهم، أما استحياء البنات، وهو قوله : ويستحيون نساءكم فأين وجه كون هذا من سوء العذاب، مع أن بقاء البعض قد يظهر للناظر أنه أحسن من تذبيح الكل ؟ كما قال الهذلي :

حمدت إلهي بعد عروة إذ نجى خراش وبعض الشر أهون من بعض
الجواب عن هذا : أن استحياءهم للنساء استحياء هو من جملة العذاب ؛ لأنهم يستحيونهم ليعملوهم في الأعمال الشاقة، وليفعلوا بهم ما لا يليق من العار والشنار، وبقاء البنت – وهي عورة – تحت يد عدو لا يشفق عليها، يفعل بها ما لا يليق، ويكلفها ما لا تطيق، هذا من سوء العذاب بلا شك، وقد قال جل وعلا : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا [ النساء : آية ٩ ] والعرب كانوا ربما قتلوا بناتهم شفقة وخوفا عليهم مما يلاقونه مما لا يليق بعد موت الآباء، وهو كثير في شعرهم وقد قال رجل منهم في ابنة له تسمى مودة :
مودة تهوى عمر شيخ يسره*** لها الموت قبل الليل لو أنها تدري
يخاف عليها جفوة الناس بعده*** ولا ختن يرجى أود من القبر
ولما خطبت عند عقيل بن علفة المري ابنته الجرباء أنشد :
إني وإن سيق إلي المهر*** عبد وألفان وذود عشر
أحب أصهاري إلي القبر
وقد قال الشاعر :
تهوى حياتي وأهوى موتها شفقا*** والموت أكرم نزال على الحرم
وهذا هو وجه كون استحياء النساء من ذلك العذاب الذي يسومونهم.
وقال جل وعلا : وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم وفي الإشارة في قوله : ذلكم وجهان لا يكذب أحدهما الآخر مبنيان على المراد بالبلاء ؛ لأن البلاء في لغة العرب الاختبار، والاختبار قد يقع بالخير وقد يقع بالشر، كما قال جل وعلا : ونبلوكم بالشر والخير فتنة [ الأنبياء : آية ٣٥ ] وقال ( جل وعلا ) : وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون [ الأعراف : آية ١٦٨ ] والله ذكر في الآية الماضية أنه ابتلى بني إسرائيل بخير وشر ؛ أما الشر الذي ابتلاهم به فهو ما كان يسومهم فرعون من سوء العذاب، وأما الخير الذي ابتلاهم به فهو إنجاؤه إياهم من ذلك العذاب.
قال بعض العلماء : في ذلكم أي : وفي ذلكم العذاب الذي كان يسومكم فرعون، بلاء بالشر من ربكم عظيم ، وقال بعض العلماء : وفي ذلكم الإنجاء الذي أنجاكم الله به من عذاب فرعون بلاء بالخير من ربكم عظيم ، وكلما كان الشر أكبر كان الإنقاذ منه مماثلا له في الكبر، ولا شك أن العرب تطلق البلاء على الاختبار بالشر والاختبار بالخير، خلافا لمن منعه في الاختبار بالخير، وهو معروف في كلام العرب، ومن أمثلته في الخير قول زهير :
جزى الله بالإحسان ما فعل بكم*** وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو
وهذا معنى قوله : وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم .

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير