ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣ

يشفع لنا آباؤنا الأنبياء، فآيسهم الله عن ذلك (١). والآية وإن عمت في نفي (٢) الشفاعة فمعناها الخصوص فيمن (٣) مات على الكفر، بدلالة الأخبار الصحيحة في الشفاعة (٤)، وقوله تعالى: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء: ٢٨] وقوله: لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ [النجم: ٢٦] (٥).
٤٩ - قوله تعالى: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ الآية. (نجيناكم): أصله على النجوة، وهي ما ارتفع واتسع من الأرض، ثم يسمى (٦) كل فائز ناجيا، كأنه خرج من الضيق والشدة إلى الرخاء والراحة، ومنه قوله: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ [يونس: ٩٢]، أي نلقيك على نجوة (٧).
وقوله تعالى: مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ (٨). اختلف أهل العربية في (الآل)،

(١) ذكره الطبري في "تفسيره" ١/ ٢٦٩، والثعلبي في "تفسيره" ١/ ٧٠ أ، والزجاج في "معاني القرآن" ١/ ٩٨.
(٢) (نفى) ساقط من (ب).
(٣) في (أ)، (ج): (فمن) وأثبت ما في (ب)، لأنه الصواب.
(٤) انظر: "تفسير الطبري" ١/ ٢٦٨، و"تفسير أبي الليث" ١/ ١١٦، و"تفسير أبن عطية" ١/ ٢٨٣، و"تفسير البغوي" ١/ ٩٠، "زاد المسير" ١/ ٧٦، وهذا قول أهل السنة والجماعة في الشفاعة، بخلاف قول المعتزلة الذين ينفون الشفاعة، وقد نقل الواحدي قولهم فيما سبق وعزاه لأهل "المعاني".
(٥) وفي (ج): لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وهذه آية: ٢٣ من يس.
(٦) في (ب): (سمى).
(٧) "تفسير الثعلبي" ١/ ٧٠ أ، انظر: "تهذيب اللغة" (نجا) ٤/ ٣٥١٠، و"تفسير القرطبي" ١/ ٣٢٥.
(٨) في (ب): (وقوله: لال (اختلف..).

صفحة رقم 489

واشتقاقه من اللغة، وأصله. فقال جماعة: أصله (١) من (٢) الأَوْل بمعنى الرجوع، فال الرجل كأنه شيعته الذين يؤولون إليه ويؤول إليهم، ومن هذا سمى السراب (آلا)، لأنه يتردد كأنه يرجع بعضه إلى بعض كالماء، وآل الرجل: شخصه، لأنه يتردد معه لا يفارقه، والآلة: الحالة (٣) في قول الخنساء (٤):

سأَحْمِلُ نَفْسِي عَلَى آلَةٍ فَإِمَّا عَلَيْهَا وَإِمَّا لَهَا (٥)
لأنها تنقلب فتعود تارة إلى إنسان وتذهب تارة، هذا معنى الآل في اللغة. ثم شبه بآل الرجل أشياء تسمى بهذا الاسم وإن لم فيه معنى الأول، كعمد الخيمة (٦) تسمى آلا، تشبيها بآل الإنسان. وآل البعير: ألواحه (٧)،
(١) في (أ)، (ج): (وأصله) بزيادة واو، وأثبت ما في (ب)، لأنه أصح في السياق.
(٢) (من) مكررة في (ج).
(٣) انظر: "التهذيب" (آل) ١/ ١٨٥، "مقاييس اللغة" (أَوَل) ١/ ١٥٩ - ١٦١، "نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر" ص ١٢٢، "اللسان" ١/ ١٧٥.
(٤) في (ج): (الخنسى الخنسا). والخنساء هي: تُماضر: بضم التاء وكسر الضاد، بنت عمرو بن الشريد بن سليم، قدمت على الرسول ﷺ مع قومها من بني سليم، وأسلمت معهم. شاعرة مشهور، استحسن النبي - ﷺ - شعرها، وانظر ترجمتها في "الشعر والشعراء" ص٢١٣، "الإصابة" ٤/ ٢٨٧.
(٥) من قصيدة من غرر مراثيها في أخيها معاوية، وقيل: في رثاء صخر، وقولها: على آلة: على حالة وعلى خطة، فإما ظفرت وإما هلكت، انظر: "شرح ديوان الخنساء" ص ٨٤، "مقاييس اللغة" (أول) ١/ ١٦٢.
(٦) انظر: "مقاييس اللغة" (أول) ١/ ١٦١، "اللسان" (أول) ١/ ١٧٤ - ١٧٥.
(٧) في (أ)، (ج): (الوجه) وأثبت ما في (ب) لأنه موافق لما في كتب اللغة. قال ابن فارس: آل البعير ألواحه وما أشرف من أقطار جسمه "مقاييس اللغة" (أول) ١/ ١٦١، وانظر: "اللسان" (أول) ١/ ١٧٣.

صفحة رقم 490

وقال (١) الشاعر:

تَعَلَّمْتُ با جاد (٢) وآلَ مُرَامِرٍ وَسَوَّدْتُ أَثْوابِي وَلَسْتُ بِكَاتِبِ (٣)
ومرامر رجل وضع الهجاء، فسمى حروف الهجاء آل مرامر. ويقال للحواميم آل حم، ومنه قول الكميت:
وَجَدْنَا لَكُمْ فِي آلِ (٤) حم آيةً فَأَوَّلَهَا (٥) مِنَّا تَقِيٌّ وَمُعْرِبُ (٦)
فعلى قول هؤلاء (٧) تصغير الآل (أُويَلْ)، حكاه الفراء عن الكسائي (٨)، وكان أصله همزتان، فعوضت من أحدهما مدة.
(١) (الواو) ساقطة من (ب).
(٢) كذا في جميع النسخ، ومثله في "معاني القرآن" للفراء١/ ٣٦٩، وفي "اللسان" (باجادا) ٧/ ٤١٧٨.
(٣) مرامر بن مرة رجل من طيئ، قيل: إنه أول من وضع الهجاء، وآل: حروف الهجاء، لأنه شهر بها أو لأنه سمى أولاد الثمانية بأسماء جملها. ذكر البيت الفراء في "معاني القرآن"، وقال: أنشدني الحارثي ١/ ٣٦٩، وهو في "اللسان" (مرر) ٧/ ٤١٧٨.
(٤) كذا في جميع النسخ، وفي بعض المصادر، (حميم).
(٥) في (ب): (بأولها) والرواية المشهورة للبيت (تأولها).
(٦) البيت في ذكر بني هاشم، وكان الكميت متشيعا، يقول: وجدنا في سور (آل حميم) وهي التي أولها (حم) والآية: قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [الشورى: ٢٣]، يقول: من تأول هذه الآية لم يسعه إلا التشيع لآل البيت، على تقية، أو على غير تقية، والمعرب: المعلن لما في نفسه، انظر: "الكتاب" ٣/ ٢٥٧، "المقتضب" ١/ ٢٣٨، ٣/ ٣٥٦، "الحجة" لابن خالوية ص٣١٢، "تهذيب اللغة" (عرب) ٣/ ٢٣٧٩، (طسن) ٣/ ٢١٩٢، "المخصص" ١٧/ ٣٧، "اللسان": (عرب) ٥/ ٢٨٦٥، (حمم) ٢/ ١٠٠٦، ولم أجده في شعر الكميت.
(٧) أي: على قول الذين قالوا: أصله (من آل يؤول أولاً) من الرجوع.
(٨) "تهذيب اللغة" (آل) ١٥/ ٤٣٨، "المشكل" لمكي ١/ ٤٦، و"الدر المصون" ١/ ٣٤١.

صفحة رقم 491

وقال أبو الفتح الموصلي (آل) (١) أصله: أهل، ثم أبدلت الهاء همزة، كما قيل: هَنَرْتُ الثوب (٢) وأنَرْتُه، وإياك وهِيَّاك. فصار: (أَأْل) فلما توالت الهمزتان، أبدلت الثانية ألفا، كما قالوا: آدم وآخر، وفي الفعل: آمن ونحوه.
فالألف في (آل) (٣) بدل من بدل (٤) من الأصل (٥)، فجرت في ذلك مجرى التاء في القسم، فلذلك لا يستعمل (آل) في كل موضع يستعمل فيه (أهل) فلا يقال: انصرف إلى آلك، كما يقال: انصرف إلى أهلك، وكذلك لا يقال: آلك والليل، كما يقال أهلك والليل، وغير ذلك مما يطول ذكره. بل خصوا بالآل الأشرف والأخص دون الشائع الأعم، حتى لا يقال إلا في نحو قولهم القراء آل الله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد (٦)، وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [غافر: ٢٨]، وكذلك ما أنشده أبو العباس للفرزدق:

(١) في (ب): (ان). أخذ كلام أبي الفتح من "سر صناعة الأعراب" ١/ ١٠١.
(٢) في (ب): (هيرت الثوب وايرته). قوله. (هنرت الثوب وأنزته وإياك وهياك) وردت في "سر صناعة الأعراب" ٢/ ٥٥١ عند كلامه عن إبدال الهاء من الهمزة ومعنى (هنرت الثوب): جعلت له علما، ثم قلبوا الهاء همزة فقالوا: أنرت الثوب. انظر: "تهذيب اللغة" (آل) ١٥/ ٤٣٨، "البيان" ١/ ٣٧.
(٣) في (ج): (الال).
(٤) (بدل من) ساقط من (ب).
(٥) الألف في (آل) بدل من الهمزة، والهمزة بدل من الهاء والهاء أصل. انظر "سر صناعة الأعراب" ١/ ١٠١. وذهب أبو جعفر النحاس إلى أن (الألف) في (آل) بدل من الهاء مباشرة، انظر: "إعراب القرآن" ١/ ١٧٢ - ١٧٣٢.
(٦) انظر: "معاني القرآن" للأخفش ١/ ٢٦٥، و"تفسير الطبري" ١/ ٣٧.

صفحة رقم 492

نَجَوْتَ وَلَمْ يَمْنُنْ عَلَيْكَ (١) طَلاَقَةً سِوى رَبِذِ (٢) التَّقْرِيبِ مِنْ آلِ أَعْوَجَا (٣)
لأن أعوج فيهم فرس (٤) مشهوَر، فلذلك قال: آل أعوج، ولا يقال: آل الخياط كما يقال: أهل الخياط، ولا آل الإسكاف (٥) كما يقال: أهل الإسكاف. كما أن التاء في القسم لما كانت بدلا من بدل (٦) وكانت فرع الفرع اختصت بأشرف الأسماء وأشهرها، وهو الله (٧) عز اسمه. ولا يجوز أن يكون، ألف (آل) بدلا من الهاء، لأن الهاء لم تقلب ألفا في غير هذا الموضع، فيقاس (٨) هذا عليه، وإنما تقلب الهاء همزة (٩) كما ذكرنا (١٠).
(١) في (ب): (ومن يمن على).
(٢) في (ب) (زبد).
(٣) في "الديوان": (خرجت) بدل (نجوت) ومعنى (الرَّبِذ): المشي الخفيف، (التقريب): ضرب من السير يقارب فيه الخطو، (أعوج): فرس مشهور. ورد البيت في "سر صناعة الأعراب" ١/ ١٠٢، "ديوان الفرزدق" ١/ ١١٧.
(٤) في (ب): (فرش).
(٥) (الإسكاف) نوع من الصناع، واسم لموضعين بنواحي النهروان من عمل بغداد. انظر: "القاموس" (سكف) ص ٨٢٠، "معجم البلدان" ١/ ١٨١.
(٦) قال أبو الفتح (.. فجرت في ذلك مجرى التاء في القسم، لأنها بدل من الواو فيه، والواو بدل من الباء..) "سر صناعة الأعراب" ١/ ١٠٢.
(٧) لفظ الجلالة غير موجود في (ب).
(٨) في (ب): (فقياس).
(٩) ذكر أبو الفتح قلب الهاء همزة في "سر صناعة الأعراب" ٢/ ٥٥١، ونقل الواحدي عنه بعض الجمل في هذا الموضع.
(١٠) هذا آخر ما نقله المؤلف عن أبي الفتح بتصرف، "سر صناعة الأعراب" ١/ ١٠٠ - ١٠٢ والخلاصة أن في (آل) ثلاثة أقوال:
١ - أصله (أهل) أبدلت الهاء همزة، ثم أبدلت الهمزة ألفًا. =

صفحة رقم 493

وهذا الذي ذكره أبو الفتح مذهب البصريين، ويقولون في التصغير: (أُهَيْل) (١) بالهاء.
فمعنى (آل فرعون) أتباعه وأهل دينه (٢).
(وفرعون) اسم لملوك العمالقة، كما يقال لملك الروم: (قيصر)، ولملك الفرس: (كسرى) ولملك الترك (خاقان) (٣).
وقال بعض أهل اللغة: فرعون بلغة القبط، وهو التمساح (٤)، ويقال: تفرعن الرجل إذا تشبه بفرعون في سوء أفعاله (٥).
وقوله تعالى: يَسُومُونَكُمْ. (السوم) أن تُجشّم (٦) إنساناً مشقةً وسوءاً أو ظلماً (٧).
وقال شمر: ساموهم سوء العذاب، أي: أرادوهم به.

= ٢ - أصله: (أهل) ثم قلبت الهاء ألفا من دون قلبها همزة وهو قول النحاس كما سبق.
٣ - وقيل: أصله: (أأول) من (آل يؤل). انظر "البيان" ١/ ٨١، "الإملاء" ١/ ٣٥، "الدر المصون" ١/ ٣٤١.
(١) وقيل: يصغر على (أُوَيْل) انظر: "تفسير الطبري" ١/ ٢٧٠، "سر صناعة الأعراب" ١/ ١٠٥، "تهذيب اللغة" ١٥/ ٤٣٨، "البيان" ١/ ٨١.
(٢) انظر: "تفسير الطبري" ١/ ٢٧٠، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ١٠٠.
(٣) انظر: "تفسير الطبري" ١/ ٢٧٠، "الكشاف" ١/ ٢٧٩، "القرطبي" ١/ ٣٢٧.
(٤) انظر: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٧٧٧، (الرباعي من حرف العين)، قال السهيلي عن المسعودي ولا يعرف له تفسير بالعربية. "التعريف والأعلام" ص ٢١، وانظر: "تفسير القرطبي" ١/ ٣٢٧.
(٥) انظر: "الصحاح" (فرعن) ٦/ ٢١٧٧، "الكشاف" ١/ ٢٧٩.
(٦) في (ج): (شجبتم).
(٧) ذكره الأزهري عن الليث، وفيه (.. أو سوءا..) "تهذيب اللغة" (سام) ٢/ ١٦٠٠، "اللسان" (سوم) ٤/ ٢١٥٨.

صفحة رقم 494

وقيل: عرضوا عليهم من السوم الذي هو عرض السلعة على البيع (١).
وقال أبو عبيدة: يسومونكم: يولونكم، يقال: سُمْته الذل، أي: أوليته إياه (٢).
و سُوءَ العَذَابِ: ما ساءهم، والسوء اسم جامع للآفات والدواء (٣).
والزجاج وغيره: سوء العذاب: شديد العذاب (٤)، وقد فسره بقوله: يُذَبِّحُونَ أَبْنَائَكُمْ. وأصل الذبح في اللغة: الشق (٥)، ومنه:
فَأْرَةَ مِسْكٍ ذُبِحتْ فِي سُكِّ (٦)
وقال الهذلي (٧):

(١) "تهذيب اللغة" (سام) ٢/ ١٦٠٠، "اللسان" (سوم) ٤/ ٢١٥٧.
(٢) "مجاز القرآن" ١/ ٤٠، "تفسير الغريب" لابن قتيبة ص ٤٨.
(٣) ذكره الأزهري عن الليث. "التهذيب" (ساء) ٢/ ١٥٨٣، وانظر: "تفسير الطبري" ١/ ٢٧١.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ١٠٠، وانظر: "تفسير الثعلبي" ١/ ٧٠ أ، و"تفسير أبي الليث" ١/ ١١٧، و"العمدة في غريب القرآن" لمكي ص ٧٥. قال الطبري: وقد قال بعضهم: أشد العذاب، ولو كان ذلك معناه لقيل أسوأ العذاب. "الطبري" ١/ ٢٧١.
(٥) "تهذيب اللغة" (ذبح) ٢/ ١٢٦٧، "اللسان" (ذبح) ٣/ ١٤٨٨.
(٦) بيت من الرجز لمنظور بن مرثد الأسدي، وقبله:
كَأَنَّ بَيْنَ فَكِّهَا وَالْفَكِّ
يصف طيب رائحة فم امرأة.
و (الفك): عظم الحنك. (فأرة المسك): الأناء الذي يكون به المسك شبه بالفأرة، (ذبحت): شقت. (في سك): نوع من الطيب. ورد في "التهذيب" (ذبح) ٢/ ١٢٦٨، "المخصص" ١١/ ٢٠٠، ١٣/ ٣٩، "اللسان" (ذبح) ٣/ ١٤٨٦، "شرح المفصل" ٤/ ١٣٨، ٨/ ٩١، "الخزانة" ٧/ ٤٦٨.
(٧) هو أبو ذؤيب.

صفحة رقم 495

نَامَ الخَلِيُّ وَبِتُّ اللَيْلَ مُشُتَجِراً (١) كَأَنَّ عَيْنَيَّ فِيهَا الصَّابُ مَذْبُوحُ (٢)
أي: مشقوق.
والذُبَاح والذُّبَّاح بالتخفيف والتشديد تشقق (٣) في الرجل (٤).
ومن هذا سمى الكوكب: (سعدٌ الذَّابح)، لأنه يطلع في وقت يحدث فيه الشقاق في الرجل لأجل البرد (٥)، ولهذا تقول العرب: إذا طلع الذابح انجحر النابح. وسمي فري الأوداج ذبحاً، لأنه نوع شقّ، والتفعيل على التكثير (٦).
و (الأبناء) جمع ابن. قال الزجاج: وأصله: بَنَا (٧) أو بِنْوٌ، فهو يصلح
(١) في جميع النسخ: (مستجراً) بالسين، و (فيه) والتصحيح من مصادر التخريج.
(٢) (الخلي): الذي ليس به هم. و (المشتجر): الذي قد شجر نفسه ووضع يده تحت خده ورأسه لا ينام من الهم، و (الشجر): ملتقى اللحيين، و (الصاب): شجر يخرج منه سائل مثل اللبن، إذا أصاب (العين) أحرقها، (مذبوح): مشقوق. انظر: "شرح أشعار الهذليين" ١/ ١٢٠، "تهذيب اللغة" (ذبح) ٢/ ١٢٦٨، "اللسان" (ذبح) ٣/ ١٤٨٨، "شرح المفصل" ١٠/ ١٢٤، "الخزانة" ٣/ ١٤٣.
(٣) في (أ): (تشق) و (ج): (شق)، وأثبت ما في (ب)، لأنه أصوب، وموافق لما في "تهذيب اللغة".
(٤) انظر: "التهذيب" (ذبح) ٢/ ١٢٦٨، "اللسان" (ذبح) ٣/ ١٤٨٧.
(٥) في "التهذيب": (سمي ذابحًا لأن بحذائه كوكبًا صغيرًا كأنه قد ذبحه) ٢/ ١٢٦٩، "الصحاح" (ذبح) ٢/ ٤٤.
(٦) انظر "اللسان" (ذبح) ٣/ ١٤٨٥.
(٧) في "معاني القرآن" للزجاج: (والأصل كأنه إنما جمع بني وبنو..) ١/ ١٠١. وفي "القاموس": أصله: (بَنَى أو بَنَوٌ) "القاموس" (بنى) ص ١٢٦٤.

صفحة رقم 496

أن يكون (فِعْل)، وبَنَا أصله يكون بَنَوَ (١)، وإنما صارت ألفا، لأنها سكنت لتحرك ما قبلها ثم جرتها الفتحة التي قبلها فصيرتها ألفا، ومثله: قفا ورحا.
قال: فالذين قالوا: (بنون) كأنهم جمعوا (بَنا) والذين قالوا: (أبناء) كأنه جمع (بِنْوُ)، مثل: حِنْو وأحناء وقِنْو وأقناء (٢).
قال أبو علي (٣) لا يجوز في (ابن) أن يكون وزنه (فِعْلا) لأنه لا دلالة

(١) كذا ورد في (أ)، (ج)، وفي (ب): (وقال الزجاج: وأصله. بنا أو بنو فهو يصلح أن يكون فعل)، ويصلح أن يكون أصله بنو...). ونص كلام الزجاج في (المعاني): (و (أبناءكم) جمع ابن، والأصل كأنه إنما جمع بني وبنو، ويقال: ابن بين البنوة، فهي تصلح أن تكون (فَعَل) و (فِعْل) كأن أصله بِناية، والذين قالوا: (بنون) كأنهم جمعوا (بنا) وبنون، فأبناء جمع (فَعَل) و (فِعْل)..) ١/ ١٠١. وقال الأزهري في "تهذيب اللغة": (وقال الزجاج (ابن) كان في الأصل: (بِنوٌ) أو (بَنَوٌ).. ويحتمل أن يكون أصله: (بَنَيَا)..) "تهذيب اللغة" (بنى) ١/ ٣٩٦، وانظر: "الإغفال" ص ١٨٧، "المخصص" ١٣/ ١٩٢.
وفي "الأشموني مع الصبان": أما ابن فأصله: بَنَوٌ، كقلم حذفت لامه تخفيفًا وسكن أوله وأتي بالهمز توصلًا وتعويضًا، ودليل فتح فائه قولهم في جمعه: بَنُون، وفي النسب: بَنَوِي بفتحها فيهما.. ودليل كون لامه (واوا) لا (ياء) ثلاثة أمور:
أحدها: أن الغالب على ما حذف لامه الواو لا الياء.
ثانيها: أنهم قالوا في مؤنثه: بنت فأبدلوها (التاء) من اللام، وإبدال التاء من الواو أكثر من إبدالها من الياء.
ثالثها: قولهم: البنوة. ونقل ابن الشجري في "أماليه" أن بعضهم ذهب إلى أن المحذوف (ياء) واشتقه من بنى بامرأته يبني، لأن الابن مسبب عن بناء الأب بالأم. وهذا يدل على أن (الابن) لامه (ياء).. وأجاز الزجاج الوجهين. انظر: "الأشموني مع حاشية الصبان" ٤/ ٢٧٥.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ١٠١، نقل كلامه بتصرف، انظر التعليق السابق.
(٣) "الإغفال" ص ١٨٩، نقل الواحدي عنه طويلا، وكلام أبي علي نقله ابن سيده في "المخصص" ١٣/ ١٩٢.

صفحة رقم 497

على أن الفاء منه مكسورة، بل الدليل قد قام على أن الفاء مفتوحة، وذلك قولهم: (بَنُون) فلو كان أصله: (بِنْوٌ) لأن (أَفْعال) لا تختص بجمع (فِعْل) (١) بل تكون (٢) -أيضا- جمعا لـ (فُعْل) و (فَعَل) و (فِعَل) و (فَعُل) (٣)، و (فَعِل) نحو: بُرْد (٤) وأَبْراد، وقَتَبٍ (٥)، وأَقْتَاب، وعِنَب وأَعْنَاب وعَضُد وأَعْضَاد، ونَمِر وأَنْمَار، فيلزمه أن يجيز في أصله هذه الأبنية، لأنها تجمع على (أَفْعَال) كما يجمع (فِعْل)، فليس (أَفْعَال) بدليل على أن (ابن) أصله فِعْل).
فأما العين فالدليل على أنها مفتوحة أيضا قولهم في جمعه (أبناء) (٦)، و (أَفْعَال) بابه أن يكون لـ (فَعَل) (٧) نحو: جَبَل.
وليس يجب أن يعدل بالشيء عن أصله وبابه حتى يقوم دليل يسوغ ذلك، ولم نعلم شيئا دل على أن العين ساكنة من (ابن) وعلمنا أنه ينبغي أن تكون متحركة لقولهم: (أَفْعَال) (٨).

(١) في (ب)، (ج): (تفتح)، وفي (الحاشية) في (ج): (يفتح) ص ١٨٩.
(٢) (فعل) ساقط من (ج).
(٣) (فعل) ساقط من (أ)، (ج) وأثبتهما كما في (ب)، والأمثلة بعدها تدل على ثبوتها، ولم ترد هذه الأوزان في كلام أبي علي وإنما ذكر بعضها قال: (.. لزمه أن يجيز في بنائه: (فعلا) و (فعلا) وغير ذلك..) "الإغفال" ص ١٨٩.
(٤) البرد، بالضم: ثوب مخطط، جمعه أَبْراد، وأَبْردُ. "القاموس المحيط" (برد) ص ٢٦٧.
(٥) القَتَبَ، والقِتْبُ: إكاف البعير. "اللسان" (قتب) ٣/ ٢٨٨١.
(٦) على وزن (أَفْعَال).
(٧) في (ب): (الفعل).
(٨) اختصر بعض كلام أبي علي، انظر: "الإغفال" ص ١٩١.

صفحة رقم 498

ولا دلالة في قولهم: (بنت) على أن (ابنا) وزنه (فِعْل) لأن (بنتا) من (ابن) ليست كصعبة من صعب، فيحكم بأن (الفاء) من ابن مكسورة كما كان (١) في بنت مكسورة، لأن هذا البناء أعني: بناء (بنت) صيغ للتأنيث على غير بناء التذكير، فهو كحمراء من أحمر، غُيِّر بناء التأنيث عما كان يجب أن يكون عليه في أصل التذكير، وأبدل من الواو تاء، وألحق الاسم بِنِكْس (٢) وجذْع وما أشبه ذلك.
فأما بنات في جمع بنت فهو مما يدل على ما قلنا من أصل الفاء من (ابن) الفتح، وَرُدَّ في الجمع إلى أصل بناء المذكر، كما رد (أخت) إلى أصل بناء المذكر، فقيل: أخوات، لأن أصل المذكر من كل واحد منهما (فَعَل)، فكما ردوا الحرف الأصلي في جمع (الأخت) وهو الواو فقالوا: (أخوات)، كذلك ردت الحركة التي كانت في أصل بناء المذكر في (ابن)، وقالوا: بنات (٣).
قال أبو علي: والمحذوف من (ابن) (الواو) دون (الياء) (٤)، الدليل على ذلك: أن المحذوف إذا أريد أن يعلم ما هو؟ نظر في التثنية أو

(١) في (ب): (أن).
(٢) النِّكْس: السهم الضعيف، الذي يَنْكَّس، أو ينكسر فُوقُه فيجعل أعلاه أسفله، والنِّكسْ الرجل الضعيف، وأصله المنِّكسْ من السهام. "اللسان" (نكس) ٨/ ٤٥٤١.
(٣) "الإغفال" ص١٩٣ - ١٩٥. (بتصرف واختصار)، وانظر: "المخصص" ١٣/ ١٩٣.
(٤) في "الإغفال": (فأما قوله -أي الزجاج- في اللام المحذوفة من (ابن) إنه يحتمل عنده أن يكون واوًا أو ياءً، وأنهما عنده متساويان في الحذف، فليس الأمر -عندي- كما قال، والمحذوف (الواو) دون (الياء)..) "الإغفال" ص ١٩٥، وانظر "المخصص" ١٣/ ١٩٥.

صفحة رقم 499

الجمع (١)، أو فعل مأخوذ من ذلك اللفظ، أو جمعه المكسر، فإن وُجد في أحد ذلك واو أو ياء، حكم أن المحذوف هو ما يظهر في أحد هذه الأشياء. كما حكمت بـ (إخوة) أن المحذوف من (أخ) واو (٢)، وبـ (غدوت) أن المحذوف من (غد) واو، وبـ (دَمَيَان) أن المحذوف من (دم) ياء، وبـ (يدين) أن المحذوف من (يد) ياء.
وليس في (الابن) (٣) شيء يستدل به على أن المحذوف (ياء) أو (واو)، فوجب أن يحمل على نظيره، ونظيره (أخت)، لأنه صفة ألحقت في التأنيث بـ (قُفْل) (٤)، كما ألحقت (بنت) بـ (عِدْل).
والمحذوف من (أخت) الواو لقولهم: (إخوة) (٥) كذلك ينبغي أن يكون المحذوف من (بنت) الواو.
وأيضًا فإن التاء في (بنت) ليست علامة للتأنيث (٦)، وإنما هي بدل من اللام، لأنها لو كانت علامة للتأنيث لانفتح ما قبلها، كما ينفتح ما قبلها في غير هذا الموضع، نحو: طلحة وحمزة وتمرة، فلما لم تنفتح (٧) علمنا أنه بدل، وإبدال التاء من الواو كثير، كالتاء في أخت، وكذلك في كلتا (٨)،

(١) في (ب): (والجمع).
(٢) (واو) ساقطة من (ب).
(٣) في (ب): (بن).
(٤) في "الإغفال" (فُعْل) ص ١٩٦، وفي "المخصص" (قُفل) ١٣/ ١٩٥.
(٥) استدل بجمع التكسير على أن المحذوف من (أخت) واو.
(٦) في "الإغفال": (وهذه التاء لا تخلو من أن تكون بدلا من لام الفعل، أو علامة للتأنيث، فلو كانت علامة للتأنيث لا نفتح ما قبلها..) ص ١٩٧.
(٧) في (ب): (يفتح).
(٨) الأصل فيهما (كِلْوَا) انظر: "صناعة الإعراب" ١/ ١٤٩.

صفحة رقم 500

وكذلك مثّله سيبويه (١) بِشَرْوى.
ونذكر الكلام في (كلتا) إذا انتهينا إليه إن شاء الله.
فإن قيل: لو كان الأمر على ما قلتم، لقيل في جمع الأخت والبنت: أختات وبنتات، فلما حذفوا التاء في الجمع دل أنها للتأنيث، وكذلك حذفهم إياها عند النسبة إليها يدل على أنها للتأنيث، كما قالوا: طلحات وطلحي.
قلنا: هذا البناء الذي وقع [إلحاق] (٢) التاء (٣) فيه، وإنما وقع في بناء المؤنث دون بناء المذكر، فصار البناء في الموضعين لذلك، لا لأنه للتأنيث، وغُيِّر البناء في هذين الموضعين وَرُدَّ إلى التذكير من حيث حذفت علامة (٤) التأنيث في هذين الموضعين، لأن الصيغة قامت مقام العلامة، فكما غُيِّرت (٥) ما فيه علامة بحذفها، كذلك غُيِّرت هذه الصيغة بردها إلى المذكر، وإذ (٦) كانت الصيغة قد قامت مقام العلامة، فمن حيث وجب أن يقال: طَلْحَات وطَلْحِيّ، وجب أن يقال: أَخوَات وأَخَوَيّ.

(١) انظر: "الكتاب" ٣/ ٣٦٤، وانظر: "الإغفال" ص ١٩٨، "المخصص" ١٣/ ١٩٥، ١٩٦.
(٢) في (أ): (الحاق) بدون إعجام، وفي ب، ج (الحاو) وفي "الإغفال" (والجواب أن هذه التاء للإلحاق كما قلنا، والدليل ما قدمنا، وإنما حذف في الإضافة وهذا الضرب من الجمع لأن هذا البناء الذي وقع الإلحاق فيه، وإنما وقع في بناء المؤنث دون المذكر..) ص ١٩٩، "المخصص" ١٣/ ١٩٦.
(٣) في (ج): (التاء).
(٤) في "الإغفال": (علامات) ص ١٩٩، "المخصص" ١٣/ ١٩٦.
(٥) في "الإغفال": (غير) ص ١٩٩، ومثله في "المخصص" ١٣/ ١٩٦
(٦) في (ب): (إذا).

صفحة رقم 501

وتعقب أبو الفتح هذه المسألة (١) وزاد بياناً فقال: قد أبدلت التاء من الواو (لاماً) في: أخت وبنت، وأصلهما أخوة وبِنْوَة، فنقلوا، ووزنهما (٢): (فَعَل) إلى (فُعْل) و (فِعل) وألحقوهما بالتاء (٣) المبدلة من لامهما (٤) بوزن (قُفْل) و (حِلْس)، فقالوا: أخت وبنت، وليست التاء فيهما بعلامة التأنيث كما يظن من لا خبرة له بهذا الشأن، لسكون ما قبلها، هكذا مذهب سيبويه، وهو الصحيح، وقد نص عليه في باب مالا ينصرف، فقال: لو سميت بهما رجلا لصرفتهما معرفة، ولو كانت للتأنيث لما أنصرف الاسم (٥).
وعلامة التأنيث في الأخت والبنت صيغتهما (٦) وهو بناؤهما على

(١) تكلم أبو الفتح ابن جني عن هذه المسألة في كتاب "سر صناعة الأعراب" أثناء كلامه عن إبدال التاء من الواو، وقد تصرف الواحدي في كلامه واستل منه ما يناسب هذا المبحث. انظر: "سر صناعة الأعراب" ١/ ١٤٩.
(٢) في (ب): (ووزنها). هكذا ورد في جميع النسخ، وفيه غموض، والنص في "سر صناعة الأعراب" (.. فنقلوا أخوة وبنوة، ووزنهما (فَعَلٌ) إلى (فُعْل) و (فِعْل)..) "سر صناعة الأعراب" ١/ ١٤٩.
(٣) في (ب): (المبدلة).
(٤) في (ب): (لامها) وهو الثابت في صلب "سر صناعة الأعراب"، وفي الحاشية (ب) (لامهما) "سر صناعة الأعراب" ١/ ١٤٩.
(٥) انظر: "الكتاب" ٣/ ٢٢١، ٣٦١ - ٣٦٤، "سر صناعة الأعراب" ١/ ١٤٩.
(٦) هذا جواب سؤال أثاره أبو الفتح قال: (فإن قيل: فما علامة التأنيث في أخت وبنت؟) فأجاب عنه بما نقله الواحدي هنا. انظر: "سر صناعة الأعراب" ١/ ١٥٠.

صفحة رقم 502

(فُعْل) و (فِعْل) وأصلهما (فَعَل) وإبدال الواو فيهما لاما، وهذا عمل اختص به المؤنث، لأنه لم يوجد إلا في هذين وفي كلتا (١)، ويدل أيضا على إقامتهم (البنت) (٢) مقام ما فيه (٣) العلامة الصريحة، وتعاقبهما على الكلمة الواحدة، وذلك نحو: ابنة وبنت، فالصيغة في (بنت) قامت مقام (الهاء) في ابنة، فكما أن (الهاء) علم تأنيث لا محالة، وكذلك صيغة (بنت) علم تأنيث لا محالة، وليس (ابن) من (بنت)، كصعب من صعبة (٤)، إنما نظير صعبة من صعب ابنة من ابن. ويدل على أن (ابن) (٥) و (أخ) (فَعَل) مفتوحة، جمعهم إياهما على أَفْعَال نحو أبناء وآخاء، حكى سيبويه (٦) (آخاء) عن يونس.
قال أبو إسحاق: والأخفش يختار أن يكون المحذوف من ابن (الواو). قال (٧): والبُنُوَّة (٨) ليس بشاهد قاطع للواو، لأنهم يقولون: الفُتُوَّة،

(١) قوله: (لأنه لم يوجد في هذين وفي كلتا) ليس من كلام أبي الفتح في "سر صناعة الأعراب" ١/ ١٥٠.
(٢) في "سر صناعة الإعراب" (إقامتهم إياه مقام..) ١/ ١٥٠.
(٣) في (ب): (ما في).
(٤) في "سر صناعة الإعراب": (وليس بنت من ابن كصعبة من صعب..) "سر صناعة الإعراب" ١/ ١٥٠.
(٥) كذا في جميع النسخ، وفي "سر صناعة الإعراب" (أن أخا وابنا) وفي الحاشية:
(في ش: أن أخ وابن) ١/ ١٥٠.
(٦) "الكتاب" ٣/ ٣٦٣، "سر صناعة الإعراب" ١/ ١٥٠.
(٧) أي أبو إسحاق.
(٨) في (أ)، (ج): (البنُو) وأثبت ما في (ب) لأنه موافق لما في "معاني القرآن" للزجاج ١/ ١٠٢.

صفحة رقم 503

والتثنية (١): فتيان، فابن يجوز أن يكون المحذوف منه (الواو) (٢) و (الياء)، وهما عندنا متساويان.
وأبو علي ينكر أن يكون المحذوف الياء دون الواو (٣)، وقد دل فيما ذكرنا من كلامه أن المحذوف هو الواو. فأما إدخال ألف الوصل في (ابن)، فإنما أدخلت كما أدخلت في الاسم، وقد فرغنا منه في أول الكتاب (٤).
قوله تعالى: وَيَسْتَحْيُونَ نِسَائَكُمْ. (يستحيون) يستفعلون من الحياة، ومعناه: يَسْتَبْقُونهن (٥)، ولا يقتلونهن (٦)، ومنه قوله - ﷺ -: "اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم" (٧).
واسم النساء يقع على الكبار والصغار، وذلك أنهم كانوا يستبقون البنات (٨) لا يقتلونهن.

(١) (والواو) ساقطة من (ب).
(٢) في "معاني للزجاج": (الواو) أو (الياء) ١/ ١٠٢.
(٣) قال أبو علي: (ما أعلم الأخفش نص على هذه المسألة، أن الاختيار عنده أن يكون (الواو)، وأنه يجيز أن المحذوف الياء..) "الإغفال" ص ٢٠٢ - ٢٠٣.
(٤) انظر ما سبق في أول تفسير الفاتحة.
(٥) في (ب): (يستبقوهن).
(٦) انظر: "تفسير الطبري" ١/ ٣٧٢، و"الثعلبي" ١/ ٧٠ ب، "زاد المسير" ١/ ٧٨، وذكر الطبري عن أبي العالية وضعفه: (يستحيون) يسترقون. "الطبري" ١/ ٣٧٢.
(٧) أخرجه أبو داود عن سمرة بن جندب، وفيه (استبقوا) بدل (استحيوا) انظر: "سنن أبي داود" ٢٦٧٠ كتاب (الجهاد)، باب (في قتل النساء)، والترمذي (١٥٨٣) أبواب (السير) باب (ما جاء في النزول عن الحكم) وفيه: الشرخ: الغلمان الذين لم ينبتوا. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. عارضه الأحوزي
وأخرجه أحمد في "مسنده" ٥/ ١٢، ٢٠. ورمز السيوطي له بالصحة في "الجامع الصغير". انظر: "فيض القدير شرح الجامع" ٢/ ٧٦.
(٨) في (ب): (جميع البنات).

صفحة رقم 504

وقيل: سمى البنات نساء على تقدير أنهن يكن نساء، وقيل: جمع الكبار والصغار بلفظ النساء، لأنهم كانوا يستبقون جميع (١) الإناث، فجرى اللفظ على التغليب كما يطلق الرجال على الذكور وإن كان فيهم صغار (٢). فإن قيل: فما في استحياء النساء من سوء العذاب؟
قيل: إن استحياء النساء على ما كانوا يعملون بهن أشد في المحنة من قتلهن، لأنهن يستعبدن وينكحن على الاسترقاق، والاستبقاء للإذلال استبقاء محنة (٣).
قوله تعالى: وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ. البلاء: اسم ممدود من البلو، وهو الاختبار والتجربة (٤). يقال: بَلاَه يَبْلُوه بَلْواً إذا جَرَّبَه، وَبَلاَه يَبْلُوهُ بَلْواً إذا ابتلاه الله ببلاء (٥).
قال أبو الهيثم: البلاء يكون حسنا ويكون سيئا، وأصله: المحنة، والله عز وجل يبلو عباده بالصنيع الحسن، ليمتحن شكرهم عليه، ويبلوهم بالبلوى الذي يكرهون، ليمتحن صبرهم، فقيل للحسن: بلاء، وللسيئ: بلاء (٦) لأن أصلهما: المحنة، ومنه قوله: وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ

(١) (جميع) ساقط من (ب).
(٢) واختار هذا الوجه ابن جرير في "تفسيره" ١/ ٢٧٤، انظر: "تفسير ابن عطية" ١/ ٢٨٦، " القرطبي" ١/ ٣٣٠، "البحر" ١/ ١٦٤.
(٣) انظر: "تفسير ابن عطية" ١/ ٢٨٦، "زاد المسير" ١/ ٧٨، "الرازي" ١/ ٦٨، "البحر" ١/ ١٩.
(٤) انظر: "التهذيب" (بلا) ١/ ٣٧٩، "اللسان" (بلا) ١/ ٣٥٥.
(٥) ذكره الأزهري عن الأصمعي. "التهذيب" (بلا) ١/ ٣٧٩.
(٦) ذكره الهروي عن أبي الهيثم، ولفظه: (يبلو عبده) بلفظ المفرد "الغريبين" ١/ ٢٠٩، ٢١٠، وذكره القرطبي في "تفسيره" عن الهروي ١/ ٣٣٠.

صفحة رقم 505

[الأعراف: ١٦٨]، وقال: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً (١) [الأنبياء: ٣٥]، وقال في الخير: بلاه الله، وأبلاه (٢).
قال زهير: (٣)

جَزى اللهُ بِالْإِحْسَانِ مَا فَعَلاَ بِكُم وَأَبلاَهُمَا خَيْرَ البَلاَءِ الذي يَبْلُو (٤)
أي: صنع بهما خير الصنيع الذي يبلو به عباده (٥).
قال الليث: ويقال من الشر أيضا يُبْلِيه إِبْلاَء (٦).
والذي في هذه الآية يحتمل الوجيهن، فإن حملته على الشدة، كان معناه: في أستحياء البنات للخدمة وذبح البنين بلاء ومحنة (٧). وهو قول ابن
(١) (الواو) ساقطة من (ب)
(٢) انظر: "تفسير الطبري" ١/ ٢٧٥، "الصحاح" (بلا) ٦/ ٢٢٨٥.
(٣) في (ج): (زهير بن جناب).
(٤) من قصيدة لزهير يمدح سناد بن أبي حارثة ويروى بالديوان (رأى الله) ورد البيت في: "معانى القرآن" للزجاج ١/ ١٠٢، "التهذيب" (بلا) ١/ ٣٧٩، "الصحاح" (بلا) ٦/ ٢٢٨٥، "اللسان" (بلا) ١/ ٣٥٥، "الخصائص" ١/ ١٣٧، و"القرطبي" ١/ ٣٣٠، و"الرازي" ٣/ ٧٠، و"ابن كثير" ١/ ٩٦، "الدر المصون" ١/ ٣٤٨، "فتح القدير" ١/ ١٣١، "شرح ديوان زهير" ص ١٠٩.
(٥) "تهذيب اللغة" (بلا) ١/ ٣٧٩.
(٦) في "تهذيب اللغة" عن الليث: (الله يبلى العبد بلاءً حسنًا، ويبليه بلاءً سيئًا، (بلا) ١/ ٣٧٩، قال الطبري: الأكثر في الشر أن يقال: (بلوته أبلوه بلاء) وفي الخير: (أَبْلَيْته أُبْلِيه إِبْلاَءً وبَلاَءً).
(٧) ذكره أبو الليث في "تفسيره" ١/ ١١٧، وابن الأنباري في "الزاهر" ١/ ٣٤٨، و"الثعلبي" ١/ ٧٠ ب، و"الكشاف" ١/ ٢٧٩، و"البغوي" ١/ ٩١، "زاد المسير" ١/ ٧٨، و"الرازي" ٣/ ٧٠، و"القرطبي" ١/ ٣٣٠، ونسبة للجمهور، و"ابن كثير" ١/ ٩٧، و"البيضاوي" ١/ ٢٥، و"النسفي" ١/ ٤٣، و"الخازن" ١/ ١٢١.

صفحة رقم 506

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية