ﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈ

يقول الله جل وعلا : وإذ قتلتم نفسا فادارءتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون [ البقرة : آية ٧٢ ] وإذ قتلتم معطوف على قوله : وإذ قال موسى لقومه [ البقرة : الآية ٦٧ ] وقوله : وإذ قتلتم هو أول القصة في الوقوع، ولكنه متأخر في النزول وترتيب القرآن على الظاهر، أي : واذكروا وإذ قتلتم نفسا هو القتيل المتقدم، قيل اسمه :( عاميل ). والعرب تعبر عن الشخص بالنفس، تقول :( قتل نفسا ) أي : شخصا ذكرا كان أو أنثى، والظاهر أن هذا القتيل ذكر، بدليل تذكير الضمير العائد عليه في قوله : فقلنا اضربوه ببعضها [ البقرة : الآية ٧٣ ] أي : القتيل الذي فيه النزاع.
وهنا سؤال، وهو أن يقال : ما المسوغ لإسناد قتل هذا القتيل إلى جميعهم في قوله : وإذ قتلتم ؟
الجواب : أن القرآن بلسان عربي مبين، ومن أساليب اللغة العربية إسناد الأمر إلى جميع القبيلة إذا فعله واحد منها. ونظيره في القرآن قراءة حمزة والكسائي : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم [ البقرة : آية ١٩١ ] ؛ لأنه ليس من المعقول أمر من قتل بالفعل أن يقتل قاتله، ولكن : فإن قتلوا بعضكم فليقتلهم البعض الآخر. فأسند الفعل إلى الجميع وهو واقع من البعض. وهذا أسلوب معروف في لغة العرب، ومنه قول الشاعر :
فإن تقتلونا عند حرة واقم*** فلسنا على الإسلام أول من قتل
يعني : تقتلوا بعضنا.
وقوله : فادارءتم فيها أصله : فتدارأتم فيها. وهو ( تفاعل ) من الدرء، بمعنى الدفع، والقاعدة المقررة في علم العربية : أن ( تفاعل ) و ( تفعل ) – مثلا – إذا أريد فيهما الإدغام استجلبت همزة الوصل ليمكن النطق بالساكن ؛ إذ العرب لا تبتدئ بساكن. أصله :( تدارأتم ) فأريد إدغام تاء التفاعل في الدال التي هي فاء الكلمة فسكن لأجل الإدغام، فاستجلبت همزة الوصل توصلا للنطق بالساكن. وهذا كثير في القرآن في ( تفاعل ) و ( تفعل ) نحو ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم [ التوبة : آية ٣٨ ] أصله : تثاقلتم قالوا اطيرنا [ النمل : آية ٤٧ ] أصله : تطيرنا وازينت وظن أهلها [ يونس : آية ٢٤ ] أصله : تزينت، إلى غير ذلك من الآيات. ونظير هذا الإدغام في ( تفاعل ) ونحوها من كلام العرب قول الشاعر :
تولي الضجيع إذا ما التذها خصرا*** عذب المذاق إذا ما اتابَع القبل
يعني : إذا ما تتابع القبل.
ومعنى فادارءتم : تدارأتم من الدرء، والدرء معناه : الدفع. والمعنى : تدافعتم قتل القتيل. أي : كل منكم يدفع قتله عن نفسه إلى صاحبه، بأن يقول هؤلاء : قتله غيرنا، أنتم قتلتموه، وهؤلاء يقولون : بل أنتم الذين قتلتموه، ونحن لم نقتله. واختلاف العلماء فيه بمعنى قول بعضهم : فادارءتم أي : تنازعتم. وقول بعضهم : فادارءتم اختلفتم – كله عائد إلى ما ذكرنا.
وقوله : فيها أنث الضمير، يعني : راجعا إلى النفس. يعني :( فيها ) أي : في النفس المقتولة، كلكم يدفع قتلها عن نفسه إلى صاحبه.
والله مخرج ما كنتم تكتمون مخرج اسم فاعل ( أخرج ) أي : مظهر ما كنتم تكتمون. و ( ما ) موصولة، والعائد محذوف ؛ لأنه منصوب بفعل، على حد قوله في الخلاصة :
........................................... والحذف عندهم كثير منجلي
في عائد متصل إن انتصب بفعل او وصف كمن نرجو يهب
وتقريره :( والله مخرج الذي كنتم تكتمونه من أمر القتيل ) وكذلك أسند الكتم هنا للجميع، والكاتم هو القاتل.
وقال بعض العلماء : القتلة جماعة تمالؤوا على عمهم فقتلوه ليرثوه.
ومعنى قوله : ما كنتم تكتمون أي : مخرج الذي كنتم تكتمونه. أسند الكتم إلى الكل وأراد بعضهم، سواء قلنا : إن القاتل واحد أو جماعة.
وفي هذه الآية الكريمة سؤال عربي وهو : أن ( ما ) مفعول به لاسم الفاعل الذي هو :( مخرج )، والقصة – التي هي هذه – قصة ماضية قبل نزول الآية الكريمة ؛ لأنها واقعة في زمن موسى، فهي في وقت نزول الآية ماضية، مضت لها أزمان كثيرة، والمقرر في علم العربية : أن اسم الفاعل إذا لم يحل بالألف واللام لا يعمل إلا إذا كان مقترنا بالحال أو المستقبل، فلا يعمل مقترنا بالماضي، وهنا أعمل وهو واقع في زمن الماضي ؟ هذا وجه السؤال.
الجواب : أنه إنما أعمل اسم الفاعل في هذا المفعول ؛ لأن هذه حكاية حال ماضية في وقتها، فإنما حكيت الحال في وقتها ؛ فكأنها في وقتها ؛ لأن الحكاية تحكى فيها الأحوال في حال وقتها. ونظير هذا يجاب به عن قوله جل وعلا : وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ؛ لأنها أيضا حكاية حال ماضية، وهي في وقتها مطابقة للزمن الحالي.
والآية تدل على أن من فعل سوءا وكتمه أن الله يظهره، غالبا لا يسر الإنسان سريرة إلا ألبسه الله رداءها. وكان بعض العلماء يقول : لو عمل الإنسان الشر في غاية الخفاء لا بد أن يظهره الله، كما يفهم من قوله : والله مخرج ما كنتم تكتمون .

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير