ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟ

( ٨٤ ) وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ( ٨٥ ) ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان، وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم، أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ؟ فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون ( ٨٦ ) أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون .
كان التذكير في الآية السابقة بأهم المأمورات التي أخذ الله تعالى الميثاق على بني إسرائيل بها بعد توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة وبيان أنهم نقضوا ميثاق الله تعالى ولم يأتمروا بها، وفي هاتين الآيتين التذكير بأهم المنهيات التي أخذ لله تعالى الميثاق عليهم باجتنابها، وبيان أنهم نقضوا ميثاقه ولم ينتهوا عنها، وقد قال هناك وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل أي الذين نزلت عليهم التوراة، ثم التفت إلى خطاب الحاضرين في زمن التنزيل فقال ثم توليتم وقال هنا وإذ أخذنا ميثاقكم تماديا في سياق الالتفات وتذكيرا بوحدة الأمة واعتبارها كالشخص الواحد يصيب الخلف أثر ما كان عليه السلف من خير وشر ما استنوا بسنتهم. وجروا على طريقتهم، كما تؤثر أعمال الشخص السابقة في قواه النفسية، وطبع ملكاته بعد انحلال مادة تلك الأعضاء التي ابتدأت العمل وحلول مواد أخرى في محلها تتمرن على مثل ذلك العمل، فما يفعله الشخص في صغره، يبقى أثره في قواه في كبره، فكذلك الأمم.
وقد أورد النهي عن سفك بعضهم دم بعض وإخراج بعضهم بعضا من ديارهم وأوطانهم بعبارة تؤكد معنى وحدة الأمة، وتحدث في النفس أثرا شريفا يبعثها على الامتثال إن كان هناك قلب يشعر، ووجدان يتأثر، فقال لا تسفكون دماءكم فجعل دم كل فرد من أفراد الأمة كأنه دم الآخر عينه حتى إذا سفكه كان كأنه بخع نفسه وانتحر بيده. وقال ولا تخرجون أنفسكم من دياركم على هذا النسق. وهذا التعبير المعجز ببلاغته خاص بالقرآن. فهذه الأحكام لا تزال محفوظة عند الإسرائيليين في الكتاب وإن لم يجروا عليها في العمل، ولكن العبارة عنها عندهم لا تطاول هذه العبارة التي تدهش صاحب الذوق السليم، والوجدان الرقيق : فهذا إرشاد حكيم طلع من ثنايا الأحكام يهدي إلى أسرارها، ويومئ إلى مشرق أنوارها، من تدبره علم أنه لا قوام للأمم، إلا بالتحقق بما تضمنته هذه الحكم، وشعور كل فرد من أفرادها بأن نفسه نفس الآخرين ودمه دمهم. لا فرق في الاحترام بين الروح التي تجول في بدنه والدم الذي يجري في عروقه وبين الأرواح والدماء التي يحيا بها إخوانه الذين وحدت بينه وبينهم الشريعة العادلة والمصالح العامة، هذا هو الوجه الوجيه في الآية، وقيل : معناها لا ترتكبوا من الجرائم ما تجازون عليه بالقتل والإحراج من الديار. ويقال في قوله لا تسفكون كما قيل قبله في قوله لا تعبدون إلا الله من تضمن صيغة الخبر للتأكيد.
وقوله تعالى ثم أقررتم وأنتم تشهدون فيه وجهان ( أحدهما ) أنه يخاطبهم بما كان من اعتراف سلفهم بالميثاق وقبوله وشهودهم الوحي الذي نزل به على موسى عليه الصلاة والسلام. و ( ثانيهما ) أن المراد الحاضرون أنفسهم، أي أنكم أيها المخاطبون بالقرآن قد أقررتم بهذا الميثاق وتعتقدونه في قلوبكم، ولا تنكرونه بألسنتكم، بل تشهدون به وتعلنونه، فالحجة ناهضة عليكم به.


( ٨٤ ) وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ( ٨٥ ) ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان، وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم، أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ؟ فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون ( ٨٦ ) أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون .
كان التذكير في الآية السابقة بأهم المأمورات التي أخذ الله تعالى الميثاق على بني إسرائيل بها بعد توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة وبيان أنهم نقضوا ميثاق الله تعالى ولم يأتمروا بها، وفي هاتين الآيتين التذكير بأهم المنهيات التي أخذ لله تعالى الميثاق عليهم باجتنابها، وبيان أنهم نقضوا ميثاقه ولم ينتهوا عنها، وقد قال هناك وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل أي الذين نزلت عليهم التوراة، ثم التفت إلى خطاب الحاضرين في زمن التنزيل فقال ثم توليتم وقال هنا وإذ أخذنا ميثاقكم تماديا في سياق الالتفات وتذكيرا بوحدة الأمة واعتبارها كالشخص الواحد يصيب الخلف أثر ما كان عليه السلف من خير وشر ما استنوا بسنتهم. وجروا على طريقتهم، كما تؤثر أعمال الشخص السابقة في قواه النفسية، وطبع ملكاته بعد انحلال مادة تلك الأعضاء التي ابتدأت العمل وحلول مواد أخرى في محلها تتمرن على مثل ذلك العمل، فما يفعله الشخص في صغره، يبقى أثره في قواه في كبره، فكذلك الأمم.

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير