ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟ

٨٤ - قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ في (لا تسفكون) من وجوه الإعراب ما ذكرنا في (لا تعبدون). ويُقال: سَفَكَ يَسفِكُ ويَسفُكُ لُغتان (١). ودماء: جمع دم، قال الزجاج: وأصل دم: دَماء في قول أكثر النحويين (٢)، أنشد أبو زيد:

غفَلَتْ ثم أتت ترقبه فإذا هي بعظام ودَمَا (٣)
وقد جاء في التثنية: دَمَيَان ودَمَوَان (٤)، على الأصل، قال الشاعر:
وظل لعمري في الوغى دَمَوَاهما
وقال آخر:
(١) ينظر: "اللسان" ٤/ ٢٠٣٠، و"القاموس" ٩٤٢٥، وسفك: من باب ضرب ونصر، وبهما قرئ قوله تعالى: ويسفك الدماء، والسفك: الصب وقرأ طلحة بن مصرف بضم الفاء قال الثعلبي ١/ ١٠١٦: وهما لغتان، مثل: يعرُشون، ويعكُفون.
(٢) عبارة الزجاج في "معاني القرآن" ١/ ١٦٥: وواحد الدماء دم يا هذا مخفف، وأصله دمىِ في قول أكثر النحويين، ودليل من قال: إن أصله دمي: قول الشاعر:
فلو أنا على حجر ذبحنا جرى الدميان بالخبر اليقين
وقال قوم: أصله: دمْي، إلا أنه لما حذف ورد إليه ما حذف منه، حركت الميم لتدل الحركة على أنه استعمل محذوفا. اهـ
(٣) ورد البيت هكذا:
غفلت ثم أتت تطلبه
ينظر: "الخزانة" ٧/ ٤٩١، و"التنبيه" لابن بري ٢/ ٢٣٥، و"شرح التسهيل" ١/ ٢٥٠، و"تلخيص الشواهد" ص ٧٧، وينظر: "البحر المحيط" ٢/ ١٢٣١ ولم ينسبوه.
(٤) في "تهذيب اللغة" ٢/ ١٢٣١، فقال بعضهم في تثنية الدميان، ونقل في "اللسان" ٣/ ١٤٢٩ عن ابن سيده: وأما الدموان فشاذ سماعا. قال في "البحر المحيط" ١/ ٢٨١: الدم معروف وهو محذوف اللام، وهي ياء لقوله: جرى الدميان بالخبر اليقين، أو واو لقولهم: دموان، ووزنه فَعَل، وقيل: فَعْل، وقد سمع مقصورًا.

صفحة رقم 113

جرى الدَمَيَان بالخَبر اليقين (١)
وقال الليْث: الدم معروف، والقِطعة دَمَةٌ، وكان أصله دَمَيٌ؛ لأنك تقول: دَمِيَتْ يده (٢).
وقد أقرأني العروضي عن الأزهري، قال: أخبرني المنذري، عن أبي الهيثم، أنه قال: الدم اسم على حرفين. فقال بعضهم في تثنيته: الدَمَيَان، وقال بعضهم: الدَّمَان، ويقال في تصريفه: دَمِيَتْ يدي تَدْمَى دَمًى، فيظهرون في دَمِيَتْ وتَدْمَى الياء والألف اللذين لم يجدوهما في دم. قال: ومثله: يَدٌ، أصله: يَدَيٌ (٣). ومن قال بهذا القول قال: إنما حرّك الميم في قوله جرى الدمَيان؛ لإقامة الوزن، وقيل: بل وزنُه فَعَلٌ، فإنه كان (دَمَيٌ)؛ لأن الشاعر لما اضطر ردّه إلى أصل بنائه (٤). والأجود: ما حكاه الزجاج في أصل الدم. والدُّميَةُ من الدم، كأنها الحَيَوان ذُو الدم (٥).
فأما التفسير: فقال ابن عباس (٦) وقتادة (٧): معناه لا يسفك بعضكم

(١) البيت صدره: فلو أنا على حَجَر ذُبِحْنا.. وهو للمثقب العبدي في ملحق ديوانه ص ٢٨٣، ولعلي بن بدال في "أمالي الزجاجي" ص ٢٠. ينظر: "المعجم المفصل" ٨/ ٢٦٥.
(٢) نقله عنه في "تهذيب اللغة" ١٤/ ٢١٦، "اللسان" ٤/ ٢٦٨.
(٣) "تهذيب اللغة" ٢/ ١٢٣١، وينظر "اللسان" ٣/ ١٤٢٩.
(٤) ينظر: "اللسان" ٣/ ١٤٢٩.
(٥) المرجع السابق.
(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ١/ ١٠١٧، والواحدي في "الوسيط" ١/ ١٦٧.
(٧) أخرجه عن قتادة "الطبري" ١/ ٣٩٤ وينظر: "التفسير الصحيح" ١/ ١٨٩، وكذا رواه عن أبي العالية، وأخرجه عن أبي العالية ابن أبي حاتم ١/ ١٦٣، ذكر أنه مروي عن الحسن والسدي ومقاتل بن حيان، وينظر: "التفسير الصحيح" ١/ ١٨٨.

صفحة رقم 114

دم بَعضٍ بغَير حقٍّ. وإنما قال: دِمَاءَكُمْ لأن كل قوم اجتمعوا على دين واحد فهم كنفس واحدة، وأيضًا فإنّ الرجل إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه؛ لأنه يقاد ويُقتص (١)، ففي النهي عن قتل نفسه على هذا الوجه نهي عن قتل غيره. (٢)
وقوله تعالى: وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أي: لا يخرج بَعضكُم بعضًا مِن دَاره ويغلبه عَليها (٣). ثُمَّ أَقرَرتُم أي: قبلتم ذلك وأقررتم به (٤).
وقوله تعالى: وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ حكى محمد بن جرير، عن ابن عباس: أن هذا خطاب لليهود الذين كانوا زمن النبي - ﷺ - (٥). ومعناه: وأنتم تشهدون اليوم على إقرار أوائلكم بأخذ المِيثاق عليهم بما في الآية، فالآية وإن كانت خِطابًا فالمراد به: أوائلهم، إلّا قوله: وَأَنتُم تَشهَدُونَ على هذا القول. وقال أبو العالية: الآية كلها خبر عن الله عز وجل عن أوائلهم (٦)، وإن أخرجه مخرج المخاطبة على سعة كلام العرب، ويحتمل أن يكون قوله: وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ خِطابًا للسَلف والخلف جميعًا، يريد: أنتم

(١) في (ش) و (م): (ويُقبض).
(٢) "تفسير الثعلبي" ١/ ٣٩٤ - ٣٩٦ ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ٣٠٠، "زاد المسير" ١/ ١١٠.
(٣) روى ابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ١٦٣ عن أبي العالية نحوه، وينظر المصادر السابقة، و"الحجة" لأبي علي ٢/ ١٤٦.
(٤) أخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ١٦٣ نحو هذا عن ابن عباس وأبي العالية وإسنادهما حسن كما في "التفسير الصحيح" ١/ ١٨٩.
(٥) ذكره "الطبري" ١/ ٣٩٥ - ٣٩٩.
(٦) رواه "الطبري" ١/ ٣٩٥ - ٣٩٦.

صفحة رقم 115

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية