ولا صديقٍ حميم كما لهم أصدقاء ؛ إذ لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون، وأما الكفار فبينهم التعادي كما يأتي في الآية. أو : ما لنا من شافعين، ولا صديق من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء ؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن أصنامهم تشفع لهم عند الله، وكان له أصدقاء من شياطين الإنس، فلم ينفعهم شيء من ذلك. وجمع الشفعاء ووحّد الصديق ؛ لكثرة الشفعاء. وأما الصديق، وهو الصادق في ودادك، الذي يهمه ما أهمك، ويسره ما أسرك، فقليل، وسئل حكيم عن الصديق، فقال :( اسم لا معنى له )، أي : لا وجود له، والبركة لا تنقطع.
قال القشيري : في الخبر : يجيء يوم القيامة عَبْدٌ فيُحاسَبُ، فتستوي حسناتُه وسيئاته، ويحتاج إلى حسنة واحدة يرْضى عنه خصومه، فيقول الله سبحانه له : عبدي بقيت لك حسنةٌ، إن كانت أَدْخَلْتُك الجنةََ، انْظُرْ، وتَطَلَّبْ من الناس لعلَّ أحداً يهبها لَكَ.
فيأتي الصفين، فيطلب من أبيه، ثم من أمه، ثم من أصحابه، فلا يجيبه أحدٌ إلا بقوله : أنا اليومَ فقيرٌ إلى حسنةٍ واحدة، فيرجع إلى مكانه، فيسأله الحقُّ - سبحانه : ما جئتَ به ؟ فيقول : يا ربِّ لم يُعْطِني أحد حسنةً، فيقول الله تعالى : عبدي. . . ألم يكن لك صديق ؟ فيتذكر العبدُ، ويقول فلان كان صديقاً لي فيك، فيأتيه ويدل الحق عليه، فيكلِّمه، فيقول : بل لي عباداتٌ كثيرة، فإن قَبِلَها الله مني فقد وهبتُها لك، فيُسَرُّ ويجيء إلى موضعه، فيخبر بذلك ربَّه تعالى، فيقول قد قَبِلتُها منه، ولم أنقص من حقِّه شيئاً، وقد غفرت لك وله - فهذا معناه. ه. ونقل القرطبي عن الحسن قال : ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة، إلا شفَّعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض، وهم عند الله شافعون مشفعون. ه.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي