نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢١٤:ثم قال تعالى آمرًا لرسوله، صلوات الله وسلامه عليه١ أن ينذر عشيرته الأقربين، أي : الأدنين إليه، وأنه لا يُخَلِّص أحدًا منهم إلا إيمانهُ بربه عز وجل، وأمره أن يلين جانبه لمن اتبعه من عباد الله المؤمنين. ومن عصاه من خلق الله كائنًا مَنْ كان فليتبرأ منه ؛ ولهذا قال :. فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ . وهذه النِّذارة الخاصة لا تنافي العامة، بل هي فرد من أجزائها، كما قال : لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ [ يس : ٦ ]، وقال : لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا [ الشورى : ٧ ]، وقال : وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ [ الأنعام : ٥١ ]، وقال : لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا [ مريم : ٩٧ ]، وقال : لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [ الأنعام : ١٩ ]، كما قال : وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [ هود : ١٧ ].
وفي صحيح مسلم :" والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار ".
وقد وردت أحاديث كثيرة في نزول هذه الآية الكريمة، فلنذكرها :
الحديث الأول :
قال الإمام أحمد، رحمه الله : حدثنا عبد الله بن نُمَيْر، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال : لما أنزل الله، عز وجل : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ، أتى النبي صلى الله عليه وسلم الصفا فصعد عليه، ثم نادى :" يا صباحاه ". فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه، وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني لؤي، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل، تريد أن تغير عليكم، صدقتموني ؟ ". قالوا : نعم. قال :" فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ". فقال أبو لهب : تبًّا لك سائر اليوم، أما دعوتنا إلا لهذا ؟ وأنزل الله : تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [ المسد : ١ ].
ورواه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي، من طرق، عن الأعمش، به٢.
الحديث الثاني :
قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت : لما نزلت : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :" يا فاطمة ابنة محمد، يا صفية ابنة عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئا، سلوني من مالي ما شئتم ". انفرد بإخراجه مسلم٣.
الحديث الثالث :
قال أحمد : حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، حدثنا عبد الملك بن عُمَير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال : لما نزلت هذه الآية : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم [ قريشا ]٤، فعمَّ وخصَّ، فقال :" يا معشر قريش، أنقذوا أنفسكم من النار. يا معشر بني كعب، أنقذوا أنفسكم من النار. يا معشر بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار. يا معشر بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار. يا معشر بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار. [ يا فاطمة بنت محمد، أنقذي نفسك من النار ]٥، فإني - والله - ما أملك لكم من الله شيئا، إلا أن لكم رَحمًا سأبُلها بِبلالها ".
ورواه مسلم والترمذي، من حديث عبد الملك بن عمير، به٦. وقال الترمذي : غريب من هذا الوجه. ورواه النسائي من حديث موسى بن طلحة مرسلا لم يذكر فيه أبا هريرة٧. والموصول هو الصحيح. وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة٨.
وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد، حدثنا محمد - يعني ابن إسحاق - عن أبي الزنَاد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يا بني عبد المطلب، اشتروا أنفسكم من الله. يا صفية عمة رسول الله، ويا فاطمة بنت رسول الله، اشتريا أنفسكما من الله، لا أُغني عنكما من الله شيئًا، سلاني من مالي ما شئتما ".
تفرد به من هذا الوجه٩. وتفرد به أيضا، عن معاوية، عن زائدة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه١٠. ورواه أيضًا عن حسن، ثنا ابن لَهِيعة، عن١١ الأعرج : سمعت أبا هريرة مرفوعا١٢.
وقال أبو يعلى : حدثنا سُوَيد بن سَعيد، حدثنا١٣ ضِمَام بن إسماعيل، عن موسى بن وَرْدَان، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم :" يا بني قُصَي، يا بني هَاشم، يا بني عبد مناف. أنا النذير والموت المغير. والساعة الموعد " ١٤.
الحديث الرابع :
قال أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا التيمي، عن أبي عثمان، عن قَبِيصة بن مُخَارق وزُهَير بن عمرو قالا لما نزلت : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ صَعد رسول الله صلى الله عليه وسلم رَضْمَةً من جبل على أعلاها حجر، فجعل ينادي :" يا بني عبد مناف، إنما أنا نذير، إنما مثلي ومثلكم كرجل رأى العدو، فذهب يربأ أهله، يخشى أن يسبقوه، فجعل ينادي ويهتف : يا صباحاه ".
ورواه مسلم والنسائي، من حديث سليمان بن طِرْخان التيمي، عن أبي عثمان عبد الرحمن بن مُل النَّهْديّ، عن قَبِيصة وزُهيَر بن عَمْرو الهلالي، به١٥.
الحديث الخامس :
قال الإمام أحمد : حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شَرِيك عن الأعمش، عن المْنهَال، عن عباد بن عبد الله الأسدي، عن علي، رضي الله عنه، قال : لما نزلت هذه الآية : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ جمع النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بيته، فاجتمع ثلاثون، فأكلوا وشربوا قال : وقال لهم :" من يَضْمَنُ عَني ديني ومواعيدي، ويكون معي في الجنة، ويكون خليفتي في أهلي ؟ ". فقال رجل - لم يسمه شريك - يا رسول الله، أنت كنت بحرًا١٦ من يقوم بهذا ؟ قال : ثم قال الآخر، قال : فعرض ذلك على أهل بيته، فقال عَليٌ : أنا١٧.
طريق أخرى بأبسط من هذا السياق : قال أحمد : حدثنا عفان، حدثنا أبو عَوَانة، عن عثمان بن المغيرة، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجذ، عن علي، رضي الله عنه، قال : جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم - أو دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم - بني عبد المطلب، وهم رَهْطٌ، كلهم يأكل الجذعة ويشرب الفّرَق - قال : وصنع١٨ لهم مدًا من طعام فأكلوا حتى شبعوا - قال : وبقي الطعام كما هو كأنه لم يمس. ثم دعا بغُمَرٍ١٩ فشربوا حتى رووا، وبقي الشراب كأنه لم يمس - أولم يشرب - وقال :" يا بني عبد المطلب، إني بعثت إليكم خاصة وإلى الناس عامة، وقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم، فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ؟ ". قال : فلم يقم إليه أحد. قال : فقمتُ إليه - وكنت أصغر القوم - قال : فقال :" اجلس ". ثم قال ثلاث مرات، كل ذلك أقوم إليه فيقول لي :" اجلس ". حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي٢٠.
طريق أخرى أغرب وأبسط من هذا السياق بزيادات أخر : قال الحافظ أبو بكر البيهقي في " دلائل النبوة " : أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يُونُس بن بُكَيْر، عن محمد بن إسحاق قال : فحدثني من سمع عبد الله بن الحارث بن نوفل - واستكتمني اسمه - عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال : لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" عرفت أنّي إن بادأتُ بها قومِي، رأيت منهم ما أكره، فَصَمَتُّ. فجاءني جبريل، عليه السلام، فقال : يا محمد، إن لم تفعل ما أمرك به ربك عذبك ربك ". قال علي، رضي الله عنه : فدعاني فقال :" يا علي، إن الله قد أمرني [ أن ]٢١ أنذر عشيرتي الأقربين، فعرفت أني إن بادأتهم بذلك رأيت منهم ما أكره، فَصَمت عن ذلك، ثم جاءني جبريل فقال : يا محمد، إن لم تفعل ما أمرت به عذبك ربك. فاصنع لنا يا علي شاة على صاع من طعام، وأعدّ لنا عُسَّ لبن، ثم اجمع لي٢٢ بني عبد المطلب ". ففعلتُ فاجتمعوا له، وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصون رجلا. فيهم أعمامه : أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب الكافر الخبيث. فقدّمت إليهم تلك الجَفْنَةَ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منها حِذْيَة فشقها بأسنانه ثم رمى بها في نواحيها، وقال :" كلوا بسم الله ". فأكل القومُ حتى نَهلوا عنه ما يرى إلا آثار أصابعهم، والله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" اسقهم يا علي ". فجئت بذلك القَعب فشربوا منه حتى نَهِلُوا جميعًا، وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله. فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم، بَدَره أبو لهب إلى الكلام فقال : لَهَدّ ما سحركم صاحبكم. فتفرقوا ولم يكلّمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما كان الغدُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يا علي، عُدْ لنا بمثل الذي كنت صنعت بالأمس من الطعام والشراب ؛ فإن هذا الرجلّ قد بَدَرني إلى ما سمعتَ قبل أن أكلم القوم ". ففعلت، ثم جمعتهم له، فصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صنع بالأمس، فأكلوا حتى نَهِلُوا عنه، وايم الله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" اسقهم يا علي ". فجئت بذلك القَعب فشربوا منه حتى نهلوا جميعًا. وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله. فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم بَدَره أبو لهب بالكلام فقال : لَهَدَّ ما سحركم صاحبكم. فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما كان الغد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يا علي، عُدْ لنا بمثل الذي كنت صنعتَ لنا بالأمس من الطعام والشراب ؛ فإن هذا الرجل قد بَدَرني إلى ما سمعتَ قبل أن أكلم القوم ". ففعلت، ثم جمعتهم له فصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم [ كما صنع ]٢٣ بالأمس، فأكلوا حتى نهلوا عنه، ثم سقيتهم من ذلك القعب حتى نهلوا عنه، وايم الله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها ويشرب مثلها، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يا بني عبد المطلب، إني - والله - ما أعلم شابًا من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة ".
قال أحمد بن عبد الجبار : بلغني أن ابن إسحاق إنما٢٤ سمعه من عبد الغفار بن القاسم أبي مريم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث٢٥.
وقد رواه أبو جعفر بن جرير، عن ابن حميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الغفار بن القاسم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب، فذكر مثله، وزاد بعد قوله :" إني جئتكم بخير الدنيا والآخرة ". " وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني٢٦ على هذا الأمر على أن يك
٢ - صحيح البخاري برقم (٤٨٠١) وصحيح مسلم برقم (٢٠٨) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٧١٤) وسنن الترمذي برقم (٣٣٦٣)..
٣ - المسند (٦/١٨٧) وصحيح مسلم برقم (٢٠٥)..
٤ - زيادة من ف، أ، والمسند..
٥ - زيادة من ف، أ، والمسند..
٦ - المسند (٢/٣٦٠) وصحيح مسلم برقم (٢٠٤) وسنن الترمذي برقم (٣١٨٥)..
٧ - سنن النسائي (٦/٢٤٨)..
٨ - صحيح البخاري برقم (٤٧٧١) وصحيح مسلم برقم (٢٠٦)..
٩ - المسند (٢/٤٤٨)..
١٠ - المسند (٢/٣٩٨)..
١١ - في ف :"ثنا"..
١٢ - المسند (٢/٣٥٠)..
١٣ - في ف :"عن"..
١٤ - مسند أبي يعلى (١١/١٠) وسويد بن سعيد متكلم فيه..
١٥ - المسند (٥/٦٠) وصحيح مسلم برقم (٢٠٧) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٣٧٩)..
١٦ - في أ :"تجري"..
١٧ - المسند (١/١١١) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٣٠٢) "رجال أحمد رجال الصحيح، غير شريك وهو ثقة"..
١٨ - في ف، أ :"فصنع"..
١٩ - في ف، أ :"بعس"..
٢٠ - المسند (١/١٥٩) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٣٠٢) "رجاله ثقات"..
٢١ - زيادة من ف، أ، ودلائل النبوة..
٢٢ - في ف :"لنا"..
٢٣ - زيادة من ف، أ، ودلائل النبوة..
٢٤ - في ف :"لما"..
٢٥ - دلائل النبوة (٢/١٧٨)..
٢٦ - في ف :"وازرني"..
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة